ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

باب تزويج الصغار


قال الله تعالى : وَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ . روى الزهري عن عروة قال : قلت لعائشة : قوله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية ؟ فقالت :" يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حِجْرِ وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدْنَى من صَدَاقِهَا، فَنُهُوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأُمروا أن ينكحوا سواهن من النساء " قالت عائشة :" ثم إن الناس اسْتَفْتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب إلى قوله تعالى : وترغبون أن تنكحوهن [ النساء : ١٢٧ ] " قالت :" والذي ذكر الله تعالى أنه يُتْلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها : وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى ، وقوله في الآية الأخرى : وترغبون أن تنكحوهن [ النساء : ١٢٧ ] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهُوا أن يَنْكِحُوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن ". قال أبو بكر : ورُوي عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى : وإنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى . ورُوي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويلٌ غير هذا، وهو ما حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبدالرزاق قال : أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ يقول :" ما أحل لكم من النساء مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ وخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن ". ورُوي عن مجاهد :" وإن خفتم ألا تقسطوا فحرّجتم من أكل أموالهم، وكذلك فتحرَّجُوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحاً طيباً مَثْنَى وثُلاث ورُباع ". ورُوي فيه قولٌ ثالثٌ وهو ما رَوَى شعبة عن سِمَاكٍ عن عكرمة قال :" كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام، فنزلت : وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى الآية ".
وقد اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجدّ الصغيرين، فقال أبو حنيفة :" لكل من كان من أهل الميراث من القرابات أن يزوج الأقرب فالأقرب، فإن كان المزوج الأب أو الجدّ فلا خيار لهم بعد البلوغ، وإن كان غيرهما فلهم الخيار بعد البلوغ ". وقال أبو يوسف ومحمد :" لا يزوِّج الصغيرين إلا العَصَبات الأقرب فالأقرب " ؛ قال أبو يوسف :" ولا خيار لهما بعد البلوغ "، وقال محمد :" لهما الخيار إذا زوجهما غير الأب والجدّ ". وذكر ابن وهب عن مالك في تزويج الرجل يتيمه إذا رأى له الفضل والصلاح والنظر :" أن ذلك جائز له عليه ". وقال ابن القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته وهي صغيرة :" إنه لا يجوز، ويزوج الوصي وإن كره الأولياء، والوصيّ أوْلى من الوليّ، غير أنه لا يزوج الثَّيِّبَ إلا برضاها ولا ينبغي أن يقطع عنها الخيار الذي جعل لها في نفسها، ويزوج الوصي بنيه الصغار وبناته الصغار ولا يزوج البنات الكبار إلاّ برضاهن ". وقول الليث في ذلك كقول مالك، وكذلك قال يحيى بن سعيد وربيعة إن الوصيّ أوْلى. وقال الثوري :" لا يزوج العمُّ ولا الأخُ الصغيرَة والأموال إلى الأوصياء والنكاح إلى الأولياء ". وقال الأوزاعي :" لا يزوج الصغيرَة إلا الأبُ ". وقال الحسن بن صالح :" لا يزوِّجُ الوصيُّ إلا أن يكون وليّاً ". وقال الشافعي :" لا يزوِّجُ الصغارَ من الرجال والنساء إلا الأبُ أو الجدُّ إذا لم يكن أبٌ، ولا ولاية للوصيّ على الصغيرة ".
قال أبو بكر : روى جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : قال عمر :" من كان في حِجْرِهِ تَرْكَةٌ لها عَوَارٌ فليضمها إليه فإن كانت رَغِبَةً فليزوجها غيره ". ورُوي عن علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في آخرين جوازُ تزويج غير الأب والجدّ الصغيرة. ورُوي عن ابن عباس وعائشة في تأويل الآية ما ذكرنا وأنها في اليتيمة فتكون في حجر وليِّها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في صداقها، فنُهُوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعْلَى سننهن في الصداق. ولما كان ذلك عندهما تأويل الآية دلّ على أن جواز ذلك من مذهبهما أيضاً، ولا نعلم أحداً من السلف منع ذلك، والآية تدل على ما تأولها عليه ابن عباس وعائشة ؛ لأنهما ذكرا أنها في اليتيمة تكون في حِجْرِ وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في الصداق فنُهُوا أن ينكحوهن أو يقسطوا لهن في الصداق، وأقرب الأولياء الذي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم، فقد تضمنت الآية جواز تزويج ابن العم اليتيمة التي في حجره.
فإن قيل : لم جعلت هذا التأويل أوْلى من تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ذكرت مع احتمال الآية للتأويلات كلها ؟ قيل له : ليس يمتنع أن يكون المراد المعنيين جميعاً لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعاً، ومع ذلك فإن ابن عباس وعائشة قد قالا إن الآية نزلت في ذلك، وذلك لا يُقال بالرأي وإنما يقال توقيفاً فهو أوْلى لأنهما ذكرا سبب نزولها والقصة التي نزلت فيها، فهو أوْلى.
فإن قيل : يجوز أن يكون المرادُ الجدَّ. قيل له : إنما ذَكَرا أنها نزلت في اليتيمة التي في حِجْرِهِ وَيَرْغَبُ في نِكَاحها، والجدُّ لا يجوز له نكاحها، فعلمنا أن المراد ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء.
فإن قيل : إن الآية إنما هي في الكبيرة ؛ لأن عائشة قالت : إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء [ النساء : ١٢٧ ]، يعني قوله : وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى قال : فلما قال : في يتامى النساء [ النساء : ١٢٧ ] دلّ على أن المراد الكبار منهن دون الصغار لأن الصغار لا يسمين نساء. قيل له : هذا غلط من وجهين، أحدهما : أن قوله : وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى حقيقته تقتضي اللاتي لم يبلغْنَ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغِ الحُلُمِ "، ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة، والكبيرة تسمَّى يتيمة على وجه المجاز، وقوله تعالى : في يتامى النساء [ النساء : ١٢٧ ] لا دلالة فيه على ما ذكرت ؛ لأنهن إذا كنّ من جنس النساء جازت إضافتهن إليهن، وقد قال الله تعالى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ والصغار والكبار داخلات فيهن، وقال : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [ النساء : ٢٢ ]، والصغار والكبار مرادات به، وقال : وأمهات نسائكم [ النساء : ٢٣ ]، ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمُّها تحريماً مؤبداً ؛ فليس إذاً في إضافة اليتامى إلى النساء دلالة على أنهن الكبار دون الصغار. والوجه الآخر : أن هذا التأويل الذي ذكره ابن عباس وعائشة لا يصح في الكبار، لأن الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها بأقلّ من مهر مثلها جاز النكاح، وليس لأحد أن يعترض عليها، فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي يتصرف عليهن في التزويج من هن في حجره. ويدلّ عليه ما رَوَى محمد بن إسحاق قال : أخبرني عبدالله بن أبي بكر بن حزم وعبدالله بن الحارث ومن لا أتَّهم عن عبدالله بن شداد قال : كان الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمَّ سلمة ابنُها سلمة، فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت حمزة وهما صبيان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَةَ بتَزْوِيجِهِ إيّايَ أُمَّهِ ؟ ". وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجهين، أحدهما : أنه زوجهما وليس بأب ولا جدّ، فدل على أن تزويج غير الأب والجد للصغيرين، والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك وقد قال الله تعالى : فاتّبعوه [ الأنعام : ١٥٣ و ١٥٥ ] فعلينا اتّباعه، فيدل على أن للقاضي تزويج الصغيرين، وإذا جاز ذلك للقاضي جاز لسائر الأولياء لأن أحداً لم يفرق بينهما. ويدل عليه أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا نِكَاحَ إلاّ بوَليٍّ "، فأثبت النكاح إذا كان بوليّ، والأخُ وابنُ العم أولياء، والدليل عليه أنها لو كانت كبيرة كانوا أولياء في النكاح. ويدلّ عليه من طريق النظر اتفاقُ الجميع على أن الأب والجدَّ إذا لم يكونا من أهل الميراث بأن كانا كافرين أو عبدين لم يزوِّجا، فدل على أن هذه الولاية مستحقَّةٌ بالميراث، فكل من كان من أهل الميراث فله أن يزوِّج الأقرب فالأقرب ؛ ولذلك قال أبو حنيفة :" إن للأم ومولى الموالاة أن يزوجوا إذا لم يكن أقرب منهم لأنهم من أهل الميراث ".
فإن قيل : لما كان في النكاح مالٌ وجب أن لا يجوز عقد من لا يجوز تصرفه في المال. قيل له : إن المال يثبت في النكاح من غير تسمية فلا اعتبار فيه بالولاية في المال، ألا ترى أن عند من لا يجيز النكاح بغير ولي فللأولياء حقٌّ في التزويج وليست لهم ولاية في المال على الكبيرة ؟ ويلزم مالكاً والشافعيَّ أن لا يجيزا تزويج الأب لابنته البكر الكبيرة إذ لا ولاية له عليها في المال، فلما جاز عند مالك والشافعي لأب البكر الكبيرة تزويجها بغير رضاها مع عدم ولايته عليها في المال دلّ ذلك على أنه لا اعتبار في استحقاق الولاية في عقد النكاح بجواز التصرف في المال، ولما ثبت بما ذكرنا من دلالة الآية جواز تزويج وليِّ الصغيرة إيّاها من نفسه دلّ على أن لوليِّ الكبيرة أن يزوجها من نفسه برضاها. ويدل أيضاً على أن العاقد للزوج والمرأة يجوز أن يكون واحداً بأن يكون وكيلاً لهما كما جاز لوليّ الصغيرة أن يزوجها من نفسه، فيكون الموجب للنكاح والقابل له واحداً. ويدل أيضاً على أنه إذا كان وليّاً لصغيرين جاز له أن يزوج أحدهما من صاحبه. فالآية دالَّةٌ من هذه الوجوه على بطلان مذهب الشافعي في قوله :" إن الصغيرة لا يزوجها غير الأب والجدّ " وفي قوله :" إنه لا يجوز لولي الكبيرة أن يتزوجها برضاها بغير محضر منها "، ويدل على بطلان قوله في أنه لا يجوز أن يكون رجل واحد وكيلاً لهما جميعاً في عقد النكاح عليهما. وإنما قال أصحابنا إنه لا يجوز للوصيّ تزويج الصغيرة، مِنْ قِبَلِ قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا نِكَاحَ إلاّ بوَلِيٍّ "، والوصيُّ ليس بوليّ لها، ألا ترى أن قوله : ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً [ الإسراء : ٣٣ ]، فلو وجب لها قَوَدٌ لم يكن الوصيُّ لها وليّاً في ذلك ولم يستحق الولاية فيه ؟ فثبت أن الوصي لا يقع عليه اسم الوليّ، فواجب أن لا يجوز تزويجه إياها إذ ليس بوليّ لها.
فإن قيل : فواجب على هذا أن لا يكون الأخُ أو العمُّ وليّاً للصغيرة لأنهما لا يستحقان الولاية في القِصَاصِ. قيل له : لم نجعل عدم الولاية في القصاص علة في ذلك حتى يلزمنا عليها، وإنما بيّنا أن ذلك الاسم لا يتناول

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير