ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

المعنى الجملي : بعد أن افتتح سبحانه السورة بذكر ما يجب على العبد أن ينقاد له من التكاليف ليبتعد عن سخطه وغضبه في الدنيا والآخرة – شرع يذكر أنواعها وأولها إيتاء اليتامى أموالهم وثانيها حكم ما يحل عدده من الزوجات ومتى الاقتصار على واحدة ثم وجوب إيتاء الصداق لهن.
المفردات : القسط : النصيب وقسط : جار قال تعالى : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( الجن : ١٥ ) وأقسط : عدل قال تعالى : وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( الحجرات : ٩ ) ما طاب لكم : أي ما مال إليه القلب منهن مثنى وثلاث ورباع : أي ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ذلك أدنى ألا تعولوا : أي ذلك أقرب إلى عدم العول والجور صدقاتهن : مهورهن نحلة : أي عطية وهبة هنيئا مريئا : الهنيء ما يستلزه الآكل والمريء : ما تجمل عاقبة كأن يسهل هضمه وتحسن تغذيته.
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع أي وإن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم ألا تتزوجوا بها فإن الله جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا وتقول العرب في كلامها اقتسموا ألف درهم هذا درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة على معنى أن كل واحد يأخذ درهمين فحسب أو ثلاثة أو أربعة ولو أفردت وقلت اقتسموه درهمين وثلاثة أو أربعة لم يسغ استعمالا.
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أي ولكن إن خفتم ألا تعدلوا بيت الزوجتين أو الزوجات فعليكم أن تلزموا واحدة فقط والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك في ذلك فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو من يثق من نفسه بالعدل ثقة لا شك فيها.
أو ما ملكت أيمانكم أي اقتصروا على واحدة من الحرائر وتمتعوا بمن تشاؤون من السراري لعدم وجوب العدل بينهن ولكن لهن حق الكفاية في نفقات المعيشة بما يتعارفه الناس.
ذلك أدنى ألا تعولوا أي اختيار الواحد أو التسري أقرب كم عدم الجور والظلم.
و الخلاصة : إن البعد من الجور سبب في تشريع الحكم وفي هذا إيماء إلى أن اشتراط العدل ووجوب تحريه وإلى أنه عزيز المنال كما قال تعالى : وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ( النساء : ١٢٩ ).
و العدل إنما يكون فيما يدخل تحت طاقة الإنسان كالتسوية في المسكن والملبس ونحو ذلك أما ما لا يدخل في وسعه من ميل القلب إلى واحدة دون أخرى فلا يكلف الإنسان بالعدل فيه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عهده يميل إلى عائشة أكثر من سائر نسائه لكنه لا يخصها بشيء دونهن إلا برضاهن وإذنهن وكان يقول :" اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك " يريد ميل القلب وقد استبان لك مما سلف أن إباحة تعدد الزوجات مضيق فيها أشد التضييق فهي ضرورة تباح لمن يحتاج إليها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور.
و إن من يرى الفساد الذي يدب في الأسر التي تتعدد فيها الزوجات ليحكم حكما قاطعا بأن البيت الذي فيه زوجتان أو أكثر لرجل واحد لا يستقيم له حال ولا يستتب فيه نظام.
فإنك ترى إحدى الضرتين تغري ولدها بعداوة إخوته وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها وكثيرا ما يطيع أحب نسائه إليه فيدب الفساد في الأسرة كلها.
إلى أن ذلك ربما جر إلى السرقة والزنى والكذب والقتل فيقتل الولد والده والوالد ولده والزوجة زوجها والعكس بالعكس كما دونت سجلات المحاكم.
فيجب على رجال القضاء والفتيا الذين يعلمون أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وأن من أصول الدين منع الضرر والضرار أن ينظروا إلى علاج لهذه الحال ويضعوا من التشريع ما يكفل منع هذه المفاسد على قدر المستطاع.
مزايا تعدد الزوجات عند الحاجة إليه
الأصل في السعادة الزوجية أن يكون للرجل زوج واحدة وذلك منتهى الكمال الذي ينبغي أن يربى عليه الناس ويقنعوا به لكن قد يعرض ما يدعوا إلى مخالفة ذلك لمصالح هامة تتعلق بحياة الزوجين أو حاجة الأمة فيكون التعدد ضربة لازب لا غنى عنه ومن ذلك :
أن يتزوج الرجل امرأة عاقر وهو يود أن يكون له ولد فمن مصلحتها أو مصلحتهما معا أن تبقى زوجا له ويتزوج بغيرها ولا سيما إذا كان ذا جاه وثروة كأن يكون ملكا أو أميرا.
أن تكبر المرأة وتبلغ سن اليأس ويرى الرجل حاجته إلى العقب وهو قادر على القيام بنفقة غير واحدة وكفاية الأولاد الكثيرين وتعليمهم.
أن يرى الرجل أن امرأة واحدة لا تكفيه لإحصانه لأن مزاجه الخاص يدفعه إلى الحاجة إلى النساء ومزاجها بعكس هذا أو يكون زمن حيضها طويلا يأخذ جزءا كبيرا من الشهر فهو حينئذ أمام أحد أمرين : إما التزوج بثانية وإما الزنى الذي يضيع الدين والمال والصحة ويكون هذا شرا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما كما هو شرط الإباحة في الإسلام.
أن تكثر النساء في الأمة كثرة فاحشة كما يحدث عقب الحروب التي تجتاح البلاد فتذهب بالألوف المؤلفة من الر جال فلا وسيلة للمرأة في التكسب في هذه الحال إلا ببيع عفافها ولا يخفى ما بعد هذا من شقاء على المرأة التي تقوم بالإنفاق على نفسها وعلى ولد ليس له والد يكفله ولا سيما عقب الولادة ومدة الرضاعة والمشاهد أن اختلاط النساء بالرجال في المعامل ومحال التجارة وغيرها من الأماكن العامة قد جر كثير من هتك الأعراض والوقوع في الشقاء والبلاء حتى كتبت غير واحدة من الكاتبات الإنجليزيات وأبانت أن هذا التدهور الخلقي لا علاج له إلا بتعدد الزوجات مع أن هذا ضد مصلحة المرأة وهي تنفر منه بمقتضى شعورها ووجدانها وهذا ما قالته إحداهن في بعض جرائدهن بإيجار وتلخيص :
لقد كثرت الشاردات من بناتنا وقل الباحثون عن أسباب هذا البلاء وإني لأنظر إليهن وقلبي ينفطر أسى وحزنا عليهن وماذا يفيد بثي وحزني وإن شاركني فيه الناس جميعا لا فائدة إلا العمل على ما يمنع هذه الحال وهو كما رأى ( تومس ) إباحة التزوج بأكثر من واحدة وبهذه الوسيلة تصبح بناتنا ربات بيوت إذ لم يجر إلى هذا البلاء إلا إجبار الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة فهو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى أعمال الرجال ولا بد أن يتفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة فأي ظن وحدس يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد من السفاح وقد أصبحوا عالة وعارا على المجتمع ولو أبيح التعدد لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من عذاب ولسلم عرضهم وعرض أولادهن من فداحة الحال التي نراها الآن.
و نشرت كاتبة أخرى ( مس إنى رود ) في جريدة أخرى تقول :
لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو شبه خوادم خير لهن وللمجتمع من اشتغالهن في المعامل حيث تلوث البنت بأدران الرذيلة التي تبقى لاصقة بها مدى حياتها.
ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة والخادم والرقيق ينعمان بأرغد عيش ويعاملان كما يعامل أولاد البيت ولا تمس الأعراض بسوء وإنه لعار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطتهن الرجال.
فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها وتقوم بأعمال البيت وتترك أعمال الرجال للرجال فذلك أضمن لعفافها وهو كفيل بسعادتها اه.
و صفوة القول : إن تعدد الزوجات يخالف المودة والرحمة وسكون النفس إلى المرأة وهي أركان سعادة الحياة الزوجية فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا ضرورة مع الثقة بما أوجب الله من العدل وليس وراء ذلك إلا ظلم المرء لنفسه وامرأته وولده وأمته.
حكمة تعدد الزوجات النبي صلى الله عليه وسلم :
راعى النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة في اختيار كل زوجة من زوجاته فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم وعلم أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم الأحكام الخاصة بالنساء مما ينبغي أن يعلمنه منهن لا من الرجال ولو كان قد ترك واحدة كان فيها الغناء كما لو ترك التسع.
و قصارى القول : إنه عليه السلام ما أراد بتعدد الزوجات ما يريده الملوك والأمراء والمترفون من التمتع بالنساء إذ لو كان قد أراد ذلك لاختارهن من حسان الأبكار لا من الكهلات الثيبات كما قال لمن اختار ثيبا :" هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك " رواه الشيخان.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير