قال في الحديث: فما أرى شيئاً (أشد فرحاً) من كل واحد إذا صدقه من أرسل إليه ثم قرأ الأوزاعي: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ الآية.
قال الضحاك هو قول الله تعالى هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس [الحج: ٧٦].
قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ الآية.
يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض أي: يصيرون تراباً مثلها كما قال: وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً [النبأ: ٤٠]. ومن قرأ " تُسوى " (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ " تَسوى " بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين.
وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في فراءة الضم: إن المعنى " لو تسوى " بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى
تنشق فتسوى عليهم.
قوله: وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً أي: لا تكتم جوارحهم حديثاً من الله.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ.
وسبب تفسيره لهذا الهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثاً ففسره بما ذكرنا، وقوله وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً على قول غير ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً لما عاينوا جوارحهم تشهد عليهم.
وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو
معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثاً، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.
وقيل: المعنى يتمنون لأو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثاً أي هو عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين.
وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا يكتمون الله حديثاً.
وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ وهو جواب ثالث
لمن سأل عن الآيتين.
وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، فقال: أسمع الله تعالى يقول:
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] وقال وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام.
فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول:
فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١] وقال: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ [الصافات: ٥٠]
وقال: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً [فصلت: ٩].
إلى قوله: ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١] الآية.
وقال في آية أخرى: أَمِ السمآء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا * [وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا] [النازعات: ٢٧ - ٢٩]
والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٣٠]. وأسمعه يقول: [وَكَانَ] الله عَلِيماً حَكِيماً الآية [النساء: ١٧].
فقال ابن عباس: " أما قولهم والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعاً، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركاً، جحدوا وقالوا: والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ رجاء أن يغفر لهم، فختم الله تعالى على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.
وأما قوله: فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات، ومن في الأرض إلا من شاء الله فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ.
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ [الصافات: ٥٠].
وأما قوله أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ... الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا فإنه تعالى دحاها بعد خلق السموات، وجعل فيها جبالاً وأنهاراً وبحوراً.
وأما قوله: وَكَانَ الله فإن الله لم يزل كذلك عزيراً حكيماً قديراً لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك.
وقال مجاهد: والأرض بَعْدَ ذَلِكَ أي: مع ذلك.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي