يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ... (٤٢)
* * *
يومئذ - هي ظرف مضاف إلى الظرف، ودخله التنوين على غير ما يقرره قياس النحويين، لبيان عظم ذلك الزمان الثاني وهوله، وأضيف الظرف إلى الظرف لتأكيد وجود ذلك الزمان، فهو يوم مؤكد الوقوع وهو على الكافرين عسير، ولشدته يحب ويتمنى الذين كفروا وعصوُا الرسول محمدًا - ﷺ - أو عصحوا أي رسول بعث إليهم - وتكون اللام للاستغراق - أن يكونوا ترابا كالأرض؛ كما قال تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ ترَابًا)، وهذا معنى تسويته بالأرض. ويصح أن يكون المعنى أن يدفنوا ويعودوا إلى القبور، وتسوى بهم الأرض كما كانوا من قبل. ويصح أن يكون المراد ألا يبعثوا وأن يستمروا مقبورين، والأرض مسوّاة عليهم. والباء في قوله تعالى " بهم " على التخريجات السابقة التي تنتهي إلى معنى واحد، للملاصقة، أي يستمرون ملاصقين للأرض على أنهم جزء منها أو في داخلها.
وإن هذا التمني الذي تدل عليه " لو " سببه عصيانهم وكفرهم بالأنبياء، وشهادة النبيين عليهم بالتبليغ وشهادة جوارحهم عليهم بالارتكاب، وقد قال سبحانه من بعد ذلك:
________
= عن محمد بن فضالة الأنصاري - وكان ممن صحب النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - أتاهم في نبي ظفر ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر قارئا فقرأ فأتى على هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه، وقال: " يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره؟ ".
فائدة: في بكاء النبي - ﷺ - من زاد المعاد ج ١، ص ١٣٤: وأما بكاؤه، فكان مِن جنس ضحكه، لم يكن بشهيقٍ ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمَعُ عيناه حتى تَهْمُلا، ويُسمع لِصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة مِن خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف والخشية.
(وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي لَا يكتمون يوم القيامة حديثا من أحاديث أنفسهم، فكل ما يجول بخاطرهم تنطق به ألسنتهم وجوارحهِم، وإذا كذبت الألسنة صدقت الجوارح. وقوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) عطف على (يَوَدُّ) في النص السابق، والمعنى أنهم يودون لو تُسوَّى بهم الأرض، ولا يكتمون مع ذلك حديثا، أي حال التمني هذه ربما كانت تسوغ لهم الكذب، ولكنهم مع ذلك لَا يتمكنون منه، وإن كذبت الألسنة شهدت سائر الأعضاء.
وقيل إن الواو في قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) للحال، والمعنى على هذا: أنهم يودون لو تسوَّى بهم الأرض، والحال أنهم مع ذلك لَا يكتمون حديثا من أحوالهم في الدنيا. والمؤدى على التخريجين واحد، فلا مناص من ثبوت جرائمهم. وشهادة الأنبياء بالتبليغ. اللهم إنا نضرع إليك أن تجنبنا الزلل، وأن تغفر لنا خطايانا، وأن تغمرنا برحمتك يوم المطلع والحساب والعقاب، كما غمرتنا بها في الدنيا، فإنك الغفور الرحيم.
* * *
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة