قوله عَزَّ وَجَلَّ : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؛ قال ابنُ هِشَامٍ :(هَاجَرَ أنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِيْنَةَ فَأَسْلَمُواْ، ثُمَّ نَدِمُواْ عَلَى ذلِكَ وَأرَادُواْ الرَّجْعَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ : كَيْفَ نَخْرُجُ ؟ قَالُواْ : نَخْرُجُ كَهَيْأَةِ الْمُتَنَزِّهِيْنَ، فَقَالُواْ لِلْمُسْلِمِيْنَ : إنَّا قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ فَنَخْرُجُ وَنَتَنَزَّهُ - أي نَتَفَسَّحُ - فَصَدَّقُوهُمْ، فَخَرَجُواْ فَجَعَلُواْ يُبَاعِدُونَ قَلِيلاً حَتَّى بَعُدُواْ، ثُمَّ أسْرَعُواْ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى لَحِقُواْ بهَا، وَكَتَبُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أنَّا عَلَى مَا فَارَقْنَاكُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيْقِ، وَلَكِنَّا اشْتَقْنَا إلَى أرْضَنَا وَاجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ.
ثُمَّ أنَّهُمْ أرَادُواْ أنْ يَخْرُجُوا فِي تِجِارَتِهِمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتَبْعَضَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ وَقَالُواْ : أنْتُمْ عَلَى دِيْنِ مُحَمَّدٍ، فَإنْ لَقُوكُمْ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. فَخَرَجُواْ مِنْ مَكَّةَ مُتَوَجِّهِيْنَ إلَى الشَّامِ، فَبَلَغَ ذلِكَ الْمُسْلِمِيْنَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : مَا يَمْنَعُنَا أنْ نَخْرُجَ إلَى هَؤُلاَءِ الَّذِيْنَ رَغِبُواْ عَنْ دِيْنِنَا وَتَرَكُوهُ، نَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَيْفَ نَقََتُلُ قَوْماً عَلَى دِيْنِكُمْ، وَكَانَ بحَضرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ سَاكِتٌ لاَ يَنْهَى أحَدَ الْفَرِيقَيْنِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا يُبَيِّنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَأْنَهُمْ).
ومعناها : فِمَا لكُمْ من هؤلاءِ المنافقينَ حتى صِرْتُمْ في أمرِهم فرقتين من مُحِلٍّ لأموالِهم وَمُحَرِّمٍ، وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ؛ أي رَدَّهُمْ إلى كُفْرِهم وضلالَتِهم بما كَسَبُوا من أعمالِهم السيِّئَةِ، ونفاقِهم وخُبْثِ نِيَّاتِهم، وانتصاب (فِئَتَيْنِ) على الحالِ ؛ يقالُ : مَا لَكَ قََائِماً ؛ أي لِمَ قُمْتَ في هذه الحالةِ، وَقِيْلَ : على خَبَرِ (صار).
قَوْلُهُ تَعَالَى : أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؛ أي تريدون يا مَعْشَرَ المخلصينَ أن تُرْشِدُوا مَن خَذلَهُ اللهُ عن دِينه وحجَّته، وَقِيْلَ : معناهُ : أتقولونَ إنَّ هؤلاءِ مهتدون، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ؛ أي لن تَجِدَ له هَادِياً، وَقِيْل : لن تَجِدَ لهُ طَريقاً إلى الْهُدَى. وقرأ عَبْدُاللهِ وأبَيّ :(واللهُ رَكَّسَهُمْ) بالتشديدِ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني