فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ( النساء : ٨٨-٩١ ).
تفسير المفردات : الفئة : الجماعة والركس بوزن النصر : إرجاع الشيء منكوسا على رأسه إن كان له رأس أو متحولا عن حال إلى أردأ منها كتحول الطعام والعلف إلى الرجيع والروث والمراد به هنا تحولهم إلى الغدر والقتال بعد أن أظهروا الولاء والتحيز إلى المسلمين والسبيل : الطريق
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحكام القتال وختمها ببيان أنه لا إله غيره يخشى ضره أو يرجى خيره فتترك هذه الأحكام لأجله –ذكر هنا أنه لا ينبغي التردد في أمر المنافقين وتقسيمهم فئتين مع أن دلائل كفرهم ظاهرة جلية فيجب أن تقطعوا بكفرهم وتقاتلوهم حيثما وجدوا.
روى ابن جرير عن ابن عباس أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا فنزلت الآية.
الإيضاح : فما لكم في المنافقين فئتين أي فما لكم صرتم في المنافقين فئتين واختلفتم في كفرهم مع تظاهر الأدلة عليه فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم بل عليكم أن تقطعوا بثبوته.
و هؤلاء فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون فضلهم مع أمثالهم من المشركين لكنهم يحتاطون ويظهرون الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم القوة فإذا ما ظهر لهم منهم ضعف انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.
و كان المؤمنون في أمرهم فريقين فرقة ترى أنهم يعدون من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المجاهرين بهم بالعداوة وفرقة ترى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المشركين المعلنين العداوة.
والله أركسهم بما كسبوا أي كيف تفترقون في شأنهم والله قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك واجترحوا من المعاصي حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء بل نظرة العداوة والبغضاء ويتربصون بكم الدوائر.
و قد جعلهم الله مركسين كأنهم قد نسكوا على رؤوسهم وصاروا يمشون على وجوههم كما قال تعالى : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( الملك : ٢٢ ) لأنهم قد فسدت فطرتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم فأوغلوا في الضلال وبعدوا عن الحق حتى لم يعد يجول في أذهانهم إلا الثبات على ما هم فيه ومقاومة ما عداه.
و قد نسبه الله تعالى إليه لأنه ما كان سببا إلا بسنته في تأثير الأعمال الاختيارية في نفوس العالمين.
أتريدون أن تهدوا من أضل الله أي إنه ليس في استطاعتكم أن تبدلوا سنن الله في نفوس الناس فتريدون أن تحصلوا على مقاصد وغايات ضد ما انطبع فيها من الأخلاق والصفات بتأثير ما كسبته طوال عمرها من الأعمال.
ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا أي ومن تقضي سننه في خلقه أن يكون ضالا عن طريق الحق فلن تجد له سبيلا يصل بسلوكها إليه فإن للحق سبيلا واحدة هي صراط الفطرة المستقيم وللباطل سبلا كثيرة عن يمين سبيل الحق وعن شمالها كل من سلك منها سبيلا بعد عن سبيل الحق بقدر إيغاله في السبيل التي سلكها كما قال تعالى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ( الأنعام : ١٥٣ ) وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى الآية بالخطوط الحسية فخط في الأرض خطا وجعله مثالا لسبيل الله وخط على جانبيه خطوطا لسبل الشيطان وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقي مع الخط الأول بحال.
و سبيل الفطرة تقتضي أن يعرض الإنسان جميع أعماله على سنن العقل ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلا وآجلا وفيه كماله الإنساني.
و أكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه وبهذا يقطع على نفسه طريق العقل والنظر في النفع والضر والحق والباطل.
و شبهته في ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحكام القتال وختمها ببيان أنه لا إله غيره يخشى ضره أو يرجى خيره فتترك هذه الأحكام لأجله –ذكر هنا أنه لا ينبغي التردد في أمر المنافقين وتقسيمهم فئتين مع أن دلائل كفرهم ظاهرة جلية فيجب أن تقطعوا بكفرهم وتقاتلوهم حيثما وجدوا.
روى ابن جرير عن ابن عباس أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا فنزلت الآية.
تفسير المراغي
المراغي