وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا٨٨ .
كل جملة سبقتها " فاء " فمن اللازم أن يكون هناك سبب ومسبب، علة ومعلول، مقدمة ونتيجة، وكل الأشياء التي تكلم الحق عنها سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا المنهج إلى الناس، ويكون الناس بعد سماعهم المنهج أحرارا فيما يختارون. إذن فالقتال لم يشرع لفرض منهج، إنما شرع ليفرض حرية اختيار المنهج، بدليل قول الحق : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ( من الآية٢٥٦ سورة البقرة ).
وعلى ذلك فالإسلام لا يفرض الدين، ولكنه جاء ليفرض حرية الاختيار في الدين، فالقوى التي تعوق اختيار الفرد لدينه، يقف الإسلام أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم يترك الناس أحرارا يعتنقون ما يشاءون، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام بالسيف، ظل فيها بعض القوم على دياناتهم. فلو أن القتال شرع لفرض دين لما وجدنا في بلد مفتوح بالسيف واحدا على غير دين الإسلام.
وبعد أن تكلم الحق عن القتال في مواقع متعددة من سورة النساء، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا٨٤ ( سورة النساء ).
شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا، فيها معنى الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم. فإذا سمعت كلمة " فمالك لا تفعل كذا "، فكأن قياس العقل يقتضي أن تفعل، والعجيب ألا تفعل. ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتي به.
فالأب يقول للابن مثلا :" مالك لا تذاكر وقد قرب الامتحان ؟ " كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان، وهذا أمر بدهي بالقياس العقلي، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أي فعل إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة عليه، فلا يصح أن يقدم المؤمن على أي عمل بدون تفكير، ولا يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا لم يعمله، فكان أسلوب " فما لكم "، و " فما لك " مثل قول أولاد سيدنا يعقوب : ما لك لا تأمنا على يوسف ( من الآية١١سورة يوسف ).
ما معنى قولهم هذا ؟ معناه : أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا من أن نكون مؤتمنين على يوسف نستصحبه في خروجنا. فكأن القياس عندهم أنهم إخوة، وأنهم عصبة، ولا يصح أن يخاف أبوهم على يوسف لا منهم ولا من شيء آخر يهدد يوسف ؛ لأنهم جماعة كثيرة قوية. وكذلك قول الحق : فما لهم لا يؤمنون٢٠ ( سورة الانشقاق ).
أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا. وقوله الحق : فما لهم عن التذكرة معرضين٤٩ كأنهم حمر مستنفرة٥٠ فرت من قسورة٥١ ( سورة المدثر ).
كان القياس ألا يعرضوا عن التذكرة. إذن فأسلوب " فماله "، و " فمالك " و " فمالهم "، و " فمالكم " كله يدل على أن عمل المؤمن يجب أن يستقبل أولا بترجيح ما يصنع أو بترجيح ما لا يصنع. أما أن يفعل الأفعال جزافا بدون تفكير في حيثيات فعلها، أو في حيثيات عدم فعلها فهذا ليس عمل العاقلين.
إذن فعمل العاقل أنه قبل أن يقبل على الفعل ينظر البديلات التي يختار منها الفعل ؛ فالتلميذ إن كان أمامه اللعب وأمامه الاستذكار، ويعرف أنه بعد اللعب إلى رسوب، وبعد الرسوب إلى مستقبل غير كريم، فإذا اختار الاجتهاد فهو يعرف أن بعد الاجتهاد نجاح، وبعد النجاح مستقبل كريم. فواجب التلميذ إذن أن يبذل قدرا من الجهد ليتفوق. وكل عمل من الأعمال يجب أن يقارنه الإنسان بالنتيجة التي يأتي بها وبترجيح الفعل الذي له فائدة على الأفعال التي لا تحقق الهدف المرجو.
والآية هنا تقول : فمالكم في المنافقين في فئتين كان القياس يقتضي ألا نكون في نظرتنا إلى المنافقين فئتين، بل يجب أن نكون فئة واحدة. وكلمة " فئة " تعني جماعة، والجماعة تعني أفرادا قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلاف الأهواء بين هؤلاء الأفراد وعلى رغم اختلاف الآراء، إلا أنهم في الإيمان يجمعهم هوى واحد، هو هوى الدين، ولذلك قال الرسول :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )١.
فالمسبب للاختلاف هو أن كل واحد له هوى مختلف ولا يجمعهم هوى الدين والاعتصام بحبل الله المتين. وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في شأنهم ليكونوا فئتين ؟.
والفئة كما عرفنا هي الجماعة، ولكن ليس مطلق جماعة، فلا نقول عن جماعة يسيرون في الطريق لا يجمعهم هدف ولا غاية : إنهم فئة ؛ فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف ؛ لأن معنى " فئة " أنه يرجع ويفئ بعضهم إلى بعض في الأمر الواحد الذي يجمعهم، وكذلك معنى " الطائفة " فهم يطوفون حول شيء واحد. والحق يقول : فما لكم في المنافقين فئتين . هذا لفت وتنبيه من الحق بأن ننزه عقولنا أن نكون في الأمر الواحد منقسمين إلى رأيين، وخصوصا إذا ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد. والمنافقون كما نعرف هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.
إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات ؛ لأن الإدراك الحسي هو أول وسيلة لإدراك القلب، وبعد ذلك تأتي المعاني. وعندما نأتي لكلمة " منافقين " نجد أنها مأخوذة من أمر حسي كان يشهده العرب في بيئتهم، حيث يعيش حيوان اسمه " اليربوع " مثله مثل الفأر والضب. واليربوع مشهور بالمكر والخداع، ولكي يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبني لنفسه جحرين، أو جحورا متعددة، ويفر من الحيوان المهاجم إلى جحر ما، ويحاول الحيوان المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا الجحر، فيتركه اليربوع إلى فتحة أخرى، كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع، فهو يصنع فوهة يدخل فيها في الجحر، وفوهة ثانية وثالثة، وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها، وكذلك المنافق.
ونعرف أن المسائل الإيمانية أو العقدية على ثلاثة أشكال : فهناك المؤمن وهو الذي يقول بلسانه ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماما. وهناك الكافر وهو الذي يقول بلسان ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماما. وهناك الكافر وهو الذي لا يعتقد ولا يدين بالإسلام ولا يقول لسانه غير ما يعتقد، وملكاته منسجمة أيضا، وإن كان ينتظره جزاء كفره في الآخرة ؛ فملكاته منسجمة لكن إلى غاية ضارة، وهي غاية الكفر. أما " المنافق " فهو الذي يعتقد الكفر وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ذلك، وملكاته غير منسجمة ؛ فلسانه قد قال عكس ما في قلبه ؛ لذلك يحيا موزعا وقلقا، يريد أن يأخذ خير الإيمان وخير الكفر، هذا هو المنافق.
وهناك جماعة في تاريخ الإسلام حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر، قالوا لأنفسهم :" الريح في جانب المسلمين، ولا نؤمن أنهم بعد انتصار بدر وقتل صناديد قريش وحصولهم على كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا "، هذه الجماعة حاولت النفاق وادعت الإسلام وهم بمكة، حتى إذا دخل المسلمون مكة يكونون قد حصنوا أنفسهم. أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين، ولم يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيدا عن الوطن والأهل والمال، ففكروا في هذه الأمور، وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة، وقالوا للمؤمنين في المدينة :" نحن لنا أموال في مكة وسنذهب لاستردادها ونعود ".
وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين : قسم يقول : نقاتلهم، وقسم يقول : لا نقاتلهم. الذين يقولون :" نقاتلهم " دفعهم إلى ذلك حمية الإيمان. والذين يقولون :" لا نقاتلهم " قالوا : هذه الجماعة أظهرت الإيمان، ولم نشق عن قلوبهم، وربما قالوا ذلك عطفا عليهم لصلات أو أواصر. فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين، ويحسم أمر الاختلاف. وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور الإيمان على عينه، وساعة يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة، فقال : فمالكم في المنافقين فئتين .
والخطاب موجه للجماعة المسلمة، فقوله : فمالكم يعني أنهم متوحدون على هدف واحد، وقوله : فئتين تفيد أنهم مختلفون.
إذن ف " فئتين " تناقض الخطاب الذي بدأه الحق ب فمالكم ، كان المطلوب من المتلقي للقرآن أن يقدر المعنى كالآتي : فمالكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين ؟ إذن فهذا أسلوب توبيخي وتهديدي ولا يصح أن يحدث مثل هذا الأمر، فهل ينصب هذا الكلام على كل المخاطبين ؟ ننظر، هل القرآن مع من قال :" نقتل المنافقين " أو مع من قال بغير ذلك ؟ فإن كان مع الفئة الأولى فهو لا يؤنب هذه الفئة بل يكرمها، إن القرآن مع هذه الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع الفئة الثانية ؛ لذلك فهو يؤنبها، ويوبخها. والأسلوب حين يكون توبيخا لمن يرى رأيا، فهو تكريم لمن يرى الرأي المقابل، ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ، لأن الحق أعطاه الحيثية التي ترفع رأسه.
والحق يقول : فمالكم في المنافقين أي إن الحق يقول : أي حجة لكم في أن تفترقوا في أمر المنافقين إلى فئتين، والقياس يقتضي أن تدرسوا المسألة دراسة عقلية، دراسة إيمانية لتنتهوا إلى أنه يحب أن تكونوا على رأي واحد، ومعنى الإنكار هو : لا حجة لكم أيها المؤمنون في أن تنقسموا إلى فئتين.
ويقول الحق : والله أركسهم بما كسبوا وساعة تسمع كلمة أركسهم ماذا نستفيد منها حتى ولو لم نعرف معنى الكلمة ؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لائقة. ونشعر أن الأسلوب دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها الكلمة، وهذا من إيحاءات الأسلوب القرآني، إيحاءات اللفظ، وانسجامات حروفه.
والله أركسهم بما كسبوا و أركسهم مأخوذة من " ركسهم " ومعناها " ردهم ". كأنهم كانوا على شيء ثم تركوه ثم ردهم الله إلى الشيء الأول، وهم كانوا كفارا أولا، ثم آمنوا، ثم أركسهم، لكن هل الله أركسهم تعنتا عليهم أو قهرا ؟ لا ؛ فهذا حدث بما كسبوا ، وذلك حتى لا يدخل أحد بنا في متاهة السؤال ولماذا يعاقبهم الله ويوبخهم مادام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا ؛ لذلك قال لنا الحق : إنه أركسهم بما كسبوا . و أركسهم مادته مأخوذة من شيء اسمه " الركس " بفتح الراء وهو رد الشيء مقلوبا ومنه " الركس " بكسر الراء وهو الرجيع الذي يرجع من معدة الإنسان قبل أن يتمثل الطعام. ومثلما نقول :" إن فلانا غمت نفسه عليه " أو " فلان يرجع ما في بطنه ".
وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه الإنسان ويحبه ويقبل عليه ويأكله بلذة، وتنظر عيونه إليه باشتهاء، ويده تقطع الطعام بلذة ويمضغ الطعام بلذة، هذا الطعام بمجرد مضغه مع بعضه ينزل في المعدة وتضاف إليه العصارات المهضمة، فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون غير مقبول الرائحة، بل إن الإنسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج الباقي بعد ذلك، فرائحة الفضلات الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو رجع بدون تمثيل. فلو رأيت إنسانا يقضي حاجة وآخر يتق
تفسير الشعراوي
الشعراوي