ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

وما كان صدقًا من الحديث لا يتضارب، فيكون من بعض
قائليه أكثر صدقا من قائل آخر؟
قيل: إن الصدق من صفة القائل لا من القول.
والقائلون إذا اعتبروا بأقوالهم فمنهم من يكون
صدقه في أحاديثه أكثر، فكأنه قيل إذا اعتبر الصادقون في أقوالهم
فليس فيهم أكثر صدقًا من الله، فإنه لا يقع في خبره كذب بوجه.
قوله عز وجل: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)
الرَّكسُ والنَّكْسُ: الرَّذلُ، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل
أسفله أعلاه، والركس أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان

صفحة رقم 1373

طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).
ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أنَّ أسقاه أبلغ من قولهم سقاه.
إن قيل: كيف قال: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) فنفى نفيًا مطلقًا، وقد أثبت للكفار سبيلا؟ فقال: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ).
وقال: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)؟
قيل: اسم الجنس إذا أطلق فليس يتناول إلا الصحيح.
ولهذا يقال: لا صلاة إلا بكذا.
وقالوا: فلان ليس برجل. لما كان أخلاق الرجل تتناول للكامل.
فلذلك لا يعد قائل ذلك كاذبًا.
واختلُف في سبب نزول هذه الآية على

صفحة رقم 1374

أوجه: الأول: قال زيد: هي في الذين تخلَّفوا يوم أحد.
وقالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ).
الثاني: قال الحسن ومجاهد: هي في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإِسلام.
ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك.
الثالث: قال ابن عباس وقتادة: في

صفحة رقم 1375

قوم أسلموا بمكة، ثم أعانوا المشركين على المسلمين.
الرابع، قال السدي: في قوم بالمدينة أرادوا الخروج منها.
الخامس: قال ابن زيد: في قوم من أهل الإِفك، وما بعده نزل أنه
في شأن الهجرة، وجملة الأمر أن الناس كانوا اختلفوا في فئة
من المنافقين فئتين، أمَّنهم بعضهم ووالاهم بعضهم، فقال
تعالى: ما لكم قد صرتم فئتين مختلفتين فيهم، وقد خذلهم
الله، فبيّن أن لا سبيل لهم بعد أن أضلهم الله، كقوله
تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)،

صفحة رقم 1376

قال الحسن: معناه: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعله الله
لأهل الهدى.
وقيل: أتريدودن أن تسموهم مهتدين، وقد سمّاهم الله ضالين.
وقيل: أتريدون أن تهدوهم كرهًا وقد جعلهم الله بما اكتسبوه حالاً فحالاً ضالين، وذلك إشارة إلى نحو قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ)، وقوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
فقد تقدّم أن الله تعالى لما أجرى العادة أن من
تحرى الخير حالاً فحالاً ازداد هداية بسبب ذلك نفسه، إذ كان
فاعل أسباب الشيء قد يقال إنه فاعل للشيء، فإنه هو
أولى بأن يُسمّى فاعلًا، وقد تقدّم الكلام في الهداية والضلال
بما فيه الكفاية.
وانتصاب قوله: (فِئَتَيْنِ) على

صفحة رقم 1377

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية