ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

أوصاف المنافقين
النفاق مظهر من مظاهر الضعف والجبن والغدر وفقد الثقة بالذات، وهو دليل على اضطراب صاحبه وقلقه وحيرته، فلا يستقر على حال بسبب ضعف في إيمانه أو تفكيره، أو بسبب الحرص على مصالحه التي يريد تحقيق أكبر قدر نفعي منها على حساب الجماعات القوية في المجتمع.
والنفاق نوعان: نفاق شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، أو هو نفاق في الإسلام وادعائه. وأصحاب هذا النوع هم الذين كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، ونزل في شأنهم آيات النفاق الكثيرة في سورة البقرة وسورة (المنافقون) بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقتلهم أينما وجدوا، وكان زعيمهم عبد الله بن أبيّ يتردد بين المسلمين وبين اليهود والمشركين، وهؤلاء لا يجوز بحال اتخاذهم أولياء وأنصارا حتى يهاجروا ويأتوا إلى المدينة مع المجتمع المسلم بعد أن خرجوا منها. إن هؤلاء المنافقين نافقوا في الولاء للإسلام، وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهم شر خلق الله، ولا يجوز الاختلاف في الحكم عليهم، فهم كفار مردة. لذا عاتب الله المؤمنين وأنكر عليهم انقسامهم في شأن كفر المنافقين فئتين: فئة تزكيهم وتشهد لهم بالخير، وفئة تطعن بهم وتشهد لهم بالكفر، والحال أنهم كافرون، وقعوا في الضلال بسبب عصيانهم أوامر الرسول ومخالفتهم إياه، قال الله تعالى:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)
«١» «٢» [النساء: ٤/ ٨٨- ٨٩].

(١) أي ردهم إلى الكفر والقتال.
(٢) سبيل الله، أي طريق مرضاة الله، وهي طاعاته كلها، والهجرة في سبيل الله تتضمن الإيمان.

صفحة رقم 356

قال السدّي: نزلت هاتان الآيتان في قوم منافقين كانوا بالمدينة، فطلبوا الخروج عنها نفاقا وكفرا، وقالوا: اجتويناها أي أصابتنا حمى المدينة ووخمها، وكرهنا المقام فيها، وإن كانوا في نعمة.
والمعنى: لا داعي للاختلاف في شأن هؤلاء المنافقين على فرقتين للحكم عليهم، فهم في الواقع قوم ضالون، اختاروا الضلال، فأبعدهم الله عن الحق والهدى، فلا يجوز اتخاذهم أنصارا للمسلمين، ولا يعتمد عليهم حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله، فإن أعرضوا وتولوا عن الهجرة، ولزموا مواضعهم، فيقتلون حيث وجدوا في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم. وهم يتمنون الضلالة لسائر المسلمين، ليتساووا معهم ويقضوا على الإسلام كله، وماذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم للمسلمين، وتماديهم في الضلال والكفر، هذا هو النوع الأول من النفاق وهو الأشهر والأخطر.
والنوع الثاني من النفاق: هو النفاق العرفي أو النفاق العملي: وهو أن يكون سر الإنسان خلاف علانيته. وهذا قد يصدر من بعض المسلمين، وهو الذي
أخبر عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
والمراد: أن صاحب كل خصلة من هذه الخصال منافق، وليس المراد أنه لا بد من اجتماع الخصال الثلاث في شخص واحد، فمن تخلّق بواحدة من هذه الخصال فهو شبيه بالمنافق، متخلق بأخلاقه، في حق من حدثه، أو وعده، أو ائتمنه. ولا يكون منافقا من وقع مرة في الكذب، أو خلف الوعد، أو خيانة الأمانة، وإنما المنافق هو الذي يكون ديدنه وشأنه وخلقه الكذب أو نقض العهد والوعد، أو خيانة الأمانة، فهذا الشخص إذا حدث في كل شيء كذب فيه، وإن عاهد أو وعد، أخلف الوعد

صفحة رقم 357

ونقض العهد دائما، وإن ائتمن على أمانات الناس، خان الأمانة، وتكرر منه ذلك.
وجاء في بعض الروايات: «آية المنافق أربع» بزيادة «وإذا عاهد غدر».
والواقع أن الأربع ترجع إلى ثلاث لأن نقض العهد صورة أخرى من صور إخلاف الوعد، أو صورة من خيانة الأمانة.
والوقوع في النفاق يحدث كما
جاء في رواية مسلم بزيادة: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»
أي إن مدمن الكذب ومن تكرر منه خلف الوعد ونقض العهد، أو خيانة الأمانة يعد منافقا، وإن عمل أعمال المسلمين من صوم وصلاة وغيرهما من العبادات.
وجزاء النفاق بنوعيه هو نار جهنم، قال الله تعالى:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) [النساء: ٤/ ١٤٥- ١٤٦].
احترام المعاهدات وحالة الحياد
لم نجد كالإسلام دينا عظّم العهود، وأوجب الوفاء بالمعاهدات والاتفاقات الخاصة والعامة، أو الدولية الخارجية، لأن احترام الكلمة دليل الرجولة والبأس والجزم، ولأن الوفاء بالعهد من الإيمان. فالمؤمن لا يخلف وعدا ولا ينقض عهدا، ولا يخل بشرط من شروط المعاهدات، أو يحاول التخلص من بنود المعاهدة بالتأويلات الباطلة، والتفسيرات المغلوطة، واتخاذ لون من ألوان المخادعة والمخاتلة.
ووقوف بعض الناس أو الدول موقف الحياد لون من ألوان العهود لأن الحياد يتطلب الاعتراف به من بقية الدول الأخرى، فمن أقر أو اعترف بحياد جماعة أو

صفحة رقم 358

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية