تفسير سورة سورة الزخرف
الشعراوي
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونُعرِض عنكم ونترككم هكذا هَمَلاً، لأنكم أسرفتُم على أنفسكم وكذَّبتم بالذكْر وكفرتم به؟
لا بل سنُوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإنْ لم تؤمنوا بالحجة ولم تُصدِّقوا جاء دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به.
فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شرِّه وفساده إن ظلَّ على كفره، فالذكْر والمراد به هنا الوحي رحمةٌ من الله وخير يُقدِّمه لعباده رحمة بهم.
لذلك قالوا: إنْ كان لك عدو فلا تَدْعُ عليه بالهلاك، إنما ادْعُ له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كَتْم العلم لأنك حين تكتم علماً تحرم مجتمعك من خيره، فحين تُعلِّم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شرَّه.
إذن: من رحمة الله بهم أنْ يُوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلاً مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحداً بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير.
ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأَخْذ العبرة من موكب الرسالات لتروْا عاقبة المكذِّبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذِّبين لهم، لأن هذه سنةُ الله في الرسل أنْ ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مُكذِّبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. [العنكبوت: ٤٠].
وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] يعني: المسألة ليستْ كلاماً نظرياً، إنما واقع مُعَاش ومُشَاهد عليكم أنْ تعقلوه، وأنْ تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لذلك نرى الإنسان السَّوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يُسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرْءُ في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعةَ لم يَبْق إلا أن تتدخَّل السماء برسول جديد ومنهج جديد.
إذن: حدث الانصرافُ عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه لَعَلَّهُمْ أي: ذريته من بعده يَرْجِعُونَ أي: إلى الله.
لكن لم يحدث، فقال سبحانه: بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ أي: كفار مكة وَآبَآءَهُمْ بالجاه والسلطان والنعيم والأمن أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلَّتْ لهم هذه المنزلة حَتَّىٰ جَآءَهُمُ الْحَقُّ أي: القرآن وَرَسُولٌ مُّبِينٌ أي: محمد صلى الله عليه وسلم و مُّبِينٌ يعني: يظهر الحقَّ على يديه وفي كل شيء فيه.
لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدَّقوا بهذا الرسول؟ لا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فقوله تعالى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ دلَّ على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح إلا بمنهج الله الذي ينظمها.
ومن حكمة هذه القسمة أنْ جعل بعضَ الناس أغنياء وبعضهم فقراء، بعضهم سادةٌ وبعضهم خَدَم، ولولا هذه القسمة ما استقامتْ حركة المجتمع وما وجدنا مَنْ يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة.
وسبق أنْ أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضُّل، إنما على الحاجة، فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل.
والرحمة المرادة هنا أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ هي النبوة، فهم يطمعون في أنْ يجعلوها اختياراً يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق سبحانه يُصحِّح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة أبسط الأشياء؟
ثم تلاحظ أن كلمة وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ كلمة مبهمة تعني أن الكلّ مرفوع ومرفوع عليه، مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر.
وهكذا يتكامل الخَلْق، وتتم المصالح، وتُقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر:
فأنت مرفوع فيما تُحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا معنى قوله تعالى: لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً..
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخَلْق إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خيرٌ من هذا المتاع الزائل الذي تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء.
أما منهج الله فيُورثك فوزاً باقياً تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير وهو أبْقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاحَ الدنيا وسلامة الآخرة؛ لذلك كان هو خَيْرٌ من كل ما تراه من بريق الدنيا.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خَلْقه، وهو ربّ المؤمن وربّ الكافر، لذلك يُعين كلاً على ما يريد، فمَنْ أراد الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومَنْ أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتَى هنا بصفة (الرحمن).
لذلك أكثر ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه...
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقد هيَّأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلاً بإخوانه الأنبياء السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماماً في بيت المقدس وهم أموات بقانون الموت وهو حَيٌّ بقانون الأحياء.
وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى أنْ جعلها الله خمساً.
فإنْ قلتَ: كيف يجتمع الضِّدان (ميت) و (حي) ويكون بينهما كلامٌ وتفاهم؟ نقول: يجوز ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحيِّ والميت.
وسبق أنْ قلنا: إنه ينبغي أنْ ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غَيْبٌ نؤمن به وننسب كلَّ عجيب فيها إلى مُنشئ هذا العجب.
تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ألقوْهُ في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إنْ أرادها الله بَرْداً وسلاماً وهي ما زالت ناراً مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وتعطَّل فيها قانون الإحراق.
ولو شاء سبحانه لسخَّر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما تمكَّنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكَّنهم الله من إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي طلاقة القدرة.
كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب بها البحرَ فانفلقَ، وتجمَّد فيه الماءُ حتى صار كل فِرْق كالطوْد العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، فالحق يعطينا لقطاتٍ لطلاقة القدرة وخَرْق العادة والقوانين لنقيسَ عليها.
بعض المفسِّرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت -ويُؤوِّلون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أنْ يُفلتوا من مسألة التقاء الحيِّ بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، لكن لا غرابةَ في ذلك ولا عجبَ لأن الفاعل مَنْ؟ الله.
أو: أن المراد بالسؤال في وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ليس السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العِظَة والاعتبار على حَدِّ قول الخطيب مثلاً في خطبة الجمعة: سَل الأرض مَنْ أجرى فيها الأنهار، ومَنْ أنبت فيها الأشجار، سَل الروض مُزداناً، سَل الماء جارياً.. إلخ. إذن: ليس المراد أنْ نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ونتأمل.
كذلك في قوله سبحانه: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ..
لكن اسألَ رسولُ الله مَنْ قبله من الرسل عن هذه المسألة أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله في غِنًى عن هذا السؤال، فرسولُ الله ليس في حاجة لمَنْ يؤكد له أنه ليس مع الله آلهةٌ تُعبد.
لذلك ورد عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كُشِفَ عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات إيماناً راسخاً مستقراً، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كُشف لي ما زاد في يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدقُ من رؤيتنا له...
والاستفهام في أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يُراد منه النفي والإنكار، فعبادةُ غير الله أمر غير وارد من الرسل، إذن: هو من صُنْع البشر، استحدثوه لإرضاء أهوائهم في أنْ يكونَ لهم معبود، لكن معبودٌ على هواهم، معبود لا يُقيد شهواتهم ورغباتهم بمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا).
ومن هنا عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب وغيرها، وكلها معبوداتٌ بزعمهم هم- ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شرَّعها في أيِّ شريعة من الشرائع.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله: وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ أي: عاقبناهم على تكذيبهم بالعذاب، وقد أوضح الحق سبحانه هذا العذاب في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠]؟
وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ومرة لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠] فالحق سبحانه لا يُعذِّب خَلْقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: عن المكابرة والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبداً ظَلُّوا على كفرهم وجحودهم، حتى بعد أنْ أخذهم اللهُ بالسنين يعني: القحط وجَدْب الأرض وجفافها، فنتج عن ذلك نقص الثمرات وضيق العيش.
ثم بعد ذلك كله فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ [الأعراف: ١٣٣] يعني: آيات واضحة الدلالة بيِّنة، فأصبحوا في ضيق وهُزَال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد أنْ يئسوا وقالوا: وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ....
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وبعد أنْ نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه.
وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ بماذا نادى مُناديه؟
قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ يعني: انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم.
أَفَلاَ تُبْصِرُونَ لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقُلْ شيئاً عن ألوهيته. ولم يقُلْ: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم يَعُدْ لها موضع بعد ما حدث مع موسى.
ثم تأمل صيغة النداء أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قُولوا لي ألم أزل ملكاً عليكم، ولم يأت مثلاً بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر.
إذن: يتحدثُ فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ [النازعات: ٢٤] والآن يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: ٥١]...
قوله: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ فرعون لم يُنادِ هو، إنما أمر مَنْ ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه... وقوله: وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ كلمة مِن تَحْتِيۤ تدل على التمكُّن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمرُّ من تحتها. وَجَمَع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهراً واحداً هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ.
قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرَّعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تُبنى عليها قصورهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ.
هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه...
ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ يقول: وبحق هذا القول.
وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم.
وقوله: وَقُلْ سَلاَمٌ والتقدير: قُلْ لهم سلام عليكم. ونفهم من هذا أن كلمة (سلام) هكذا بدون (عليك) وحدها تُقال لمَنْ كان بينك وبينه خصومة وتريد أنْ تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ولا تصل معه إلى حَلٍّ تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع أبيه قال له: سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ [مريم: ٤٧] أي: سلام وَدَاع ومفارقة لا سلامَ تحية.
وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبةَ ما قُلته، وسوف يعلمون كيف أُعاقبهم على تكذيبهم لك.
تم عرض جميع الآيات
20 مقطع من التفسير