تفسير سورة سورة المرسلات

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة المرسلات
وهي مكية وعن ابن عباس وقتادة : قالا : هي مكية إلا قوله تعالى :( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون )١ وروى إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال : نزلت سورة والمرسلات على رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن معه على جبل حراء، فأخذتها رطبا من في رسول الله صلى الله عليه و سلم، فخرجت حية من جحرها فقصدناها فدخلت حجره، فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" وقيت شركم كما وقيتم شرها " ٢. والله أعلم.
١ - المرسلات : ٤٨..
٢ - متفق عليه، رواه البخاري ( ٦ /٤٠٩ رقم ٣٣١٧ و طرفاه، ٤٩٣٠- ٤٩٣١)، و مسلم ( ١٤/ ٣٣٤ -٣٣٥ رقم ٢٢٣٤).
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿والمرسلات عرفا﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: على أَنَّهَا الرِّيَاح ترسل عرفا أَي: تتبع بَعْضهَا بَعْضًا كعرف الْفرس.
وَعَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة قَالَا: هِيَ الْمَلَائِكَة ترسل بِالْعرْفِ أَي: الْمَعْرُوف.
آية رقم ٢
وَقَوله: ﴿فالعاصفات عصفا﴾ هِيَ الرِّيَاح، وعصفها: شدَّة هبوبها، يُقَال: عصفت الرّيح وأعصفت إِذا اشتدت، قَالَه ابْن السّكيت.
يُقَال: الرِّيَاح عاصفات لِأَنَّهَا تَأتي بالعصف أَي: بورق الزَّرْع.
وَقيل: إِنَّهَا الْمَلَائِكَة تعصف بأرواح الْكفَّار.
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿والناشرات نشرا﴾ وَهِي الرِّيَاح أَيْضا تنشر السَّحَاب.
وَقيل: إِنَّهَا الْمَلَائِكَة تنشر الصُّحُف على الْعباد يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَالَ أَبُو صَالح: هِيَ الأمطار تنشر النَّبَات.
قَالَ الْأَعْشَى:
— 125 —
﴿فالفارقات فرقا (٤) فالملقيات ذكرا (٥) عذرا أَو نذرا (٦) إِنَّمَا توعدون لوَاقِع (٧) ﴾.
— 126 —
آية رقم ٤
وَقَوله: ﴿فالفارقات فرقا﴾ فِي قَول أَكثر الْمُفَسّرين: هم الْمَلَائِكَة يأْتونَ بِالْفرقِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والحلال وَالْحرَام.
وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ آي الْقُرْآن فرقت بَين الْحق وَالْبَاطِل والحلال وَالْحرَام.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿فالملقيات ذكرا﴾ هِيَ الْمَلَائِكَة تلقي الْوَحْي على الْأَنْبِيَاء وَالرسل.
وَقيل: إِنَّهُم الْأَنْبِيَاء، وَكَذَلِكَ فسرت الْآيَة الأولى، وَهِي مثل قَوْله: ﴿فالفارقات فرقا﴾ فِي بعض الْأَقْوَال: وَالْإِلْقَاء طرح الشَّيْء على الشَّيْء، وَهُوَ فِي هَذَا الْموضع للتبيين والإفهام؛ فالملائكة يلقون على الْأَنْبِيَاء، والأنبياء يلقون على الْأُمَم، وَالْعُلَمَاء يلقون على المتعلمين.
آية رقم ٦
وَقَوله: ﴿عذرا أَو نذرا﴾ وَقُرِئَ: " عذرا " بتسكين الذَّال.
قَالَ الْفراء: إعذارا أَو إنذارا.
وَقيل: للإعذار والإنذار.
وَقَالَ الْحسن: ليقيم عذره [على خلقه] بِإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، وَأَنه عذبهم حِين استحقوا الْعَذَاب بإنكارهم بعد إِقَامَة الْحجَج.
والعذر ظُهُور معنى يوضع اللوم عَن الْإِنْسَان، وَهَذَا الْحَد فِي حق الْخلق، فَأَما فِي حق الله فَلَا.
وَنصب " عذرا " على أَنه بدل من قَوْله: " ذكرا " وَكَأَنَّهُ قَالَ: فالملقيات عذرا أَو نذرا.
آية رقم ٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا توعدون لوَاقِع﴾ إِلَى هَذَا الْموضع كَانَ قسما.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا توعدون لوَاقِع﴾ عَلَيْهِ وَقع الْقسم.
وَقيل: إِن الله تَعَالَى أقسم بِهَذِهِ
— 126 —
﴿فَإِذا النُّجُوم طمست (٨) وَإِذا السَّمَاء فرجت (٩) وَإِذا الْجبَال نسفت (١٠) وَإِذا الرُّسُل أقتت (١١) لأي يَوْم أجلت (١٢) ليَوْم الْفَصْل (١٣) وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْفَصْل (١٤) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (١٥) ﴾. الْأَشْيَاء، [و] لَهُ أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه.
وَقيل: فِي الْآيَات إِضْمَار، وَمَعْنَاهُ:
(لَو (أسندت) مَيتا إِلَى صدرها عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس (مِمَّا) رَأَوْا يَا عجبا للْمَيت الناشر)
— 127 —
آية رقم ٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا النُّجُوم طمست﴾ أَي: محيت وأذهب ضوءها.
آية رقم ٩
وَقَوله: ﴿وَإِذا السَّمَاء فرجت﴾ أَي: شقَّتْ.
آية رقم ١٠
وَقَوله: ﴿وَإِذا الْجبَال نسفت﴾ أَي: قلعت من أماكنها.
آية رقم ١١
وَقَوله: ﴿وَإِذا الرُّسُل أقتت﴾ أَي: جمعت لوَقْتهَا، وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة؛ ليشهدوا على الْأُمَم.
وَقيل: التَّوْقِيت تَقْدِير الْوَقْت لوُقُوع الْفِعْل، فَلَمَّا كَانَت الرُّسُل - عَلَيْهِم السَّلَام - قد قدر إرسالهم لأوقات مَعْلُومَة بِحَسب صَلَاح الْعباد (بهَا)، كَانَت قد وقتت بِكُل الْأَوْقَات.
وَقُرِئَ: " وُقِّتَتْ " و " وُقِتَت " و " أوقتت " بِمَعْنى وَاحِد، وَالْوَاو إِذا ضمت وابتدأ بهَا الْكَلِمَة أبدلت بِالْهَمْز، تَقول الْعَرَب: ووجوه وأجوه، ووجدانا وأجدانا.
وَقيل: " وَإِذا الرُّسُل وقتت " أَي: أجلت.
آية رقم ١٢
وَقَوله: ﴿لأي يَوْم أجلت﴾ أَي: لأي يَوْم أخرت.
آية رقم ١٣
وَقَوله: ﴿ليَوْم الْفَصْل﴾ أَي: أخرت ليَوْم الْفَصْل، وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
آية رقم ١٤
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْفَصْل﴾ قَالَ الْحسن: وَالله مَا درى حَتَّى أعلمهُ الله تَعَالَى.
آية رقم ١٥
وَقَوله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ قَالَ النُّعْمَان بن بشير: الويل وَاد فِي جَهَنَّم فِيهِ ألوان من الْعَذَاب.
وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا.
— 127 —
﴿ألم نهلك الْأَوَّلين (١٦) ثمَّ نتبعهم الآخرين (١٧) كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين (١٨) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (١٩) ألم نخلقكم من مَاء مهين (٢٠) فجعلناه فِي قَرَار مكين (٢١) إِلَى قدر مَعْلُوم (٢٢) فقدرنا فَنعم القادرون (٢٣) ﴾.
— 128 —
آية رقم ١٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نهلك الْأَوَّلين﴾ أَي: قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَمن قرب من زمانهم.
آية رقم ١٧
وَقَوله: ﴿ثمَّ نتبعهم الآخرين﴾ أَي: الَّذين كَانُوا بعد ذَلِك من فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون وَمن بعدهمْ.
آية رقم ١٨
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين﴾ أَي: مُشْركي مَكَّة ننزل بهم مثل مَا نزل بهم، لأَنهم عمِلُوا مثل عَمَلهم.
وَقيل: " ثمَّ نتبعهم الآخرين " هم كفار قُرَيْش.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين﴾ هم الَّذين يأْتونَ بعدهمْ من الْكفَّار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " ثمَّ سنتبعهم الآخرين " وَقَرَأَ الْأَعْرَج: " ثمَّ نتبعهم " بجزم الْعين.
آية رقم ٢٠
وَقَوله: ﴿ألم نخلقكم من مَاء مهين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة: ضَعِيف.
آية رقم ٢١
وَقَوله: ﴿فجعلناه فِي قَرَار مكين﴾ قَالَ عَطاء وَابْن جريج وَالربيع بن أنس: هُوَ الرَّحِم، وَالْمَاء المهين هُوَ النُّطْفَة.
آية رقم ٢٢
وَقَوله: ﴿إِلَى قدر مَعْلُوم﴾ أَي: إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مُدَّة مكثه فِي الْبَطن فِي رحم الْأُم.
آية رقم ٢٣
قَوْله: ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقُرِئَ: " فَقَدَّرنا " بتَشْديد الدَّال.
قَالَ القتيبي: هما بِمَعْنى وَاحِد.
وَالْعرب تَقول: قَدَر وقَّدَّر.
وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ " أَي: قدرُوا لَهُ.
(وَقد اعْترض على هَذَا القَوْل، فَقيل: لَو كَانَ قَدرنَا
— 128 —
﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٢٤) ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا (٢٥) أَحيَاء وأمواتا (٢٦) وَجَعَلنَا فِيهَا رواسي شامخات﴾. بِمَعْنى قَدرنَا) لقَالَ.
فَنعم المقدرون.
وَالْجَوَاب: أَنه جمع بَين اللغتين، وَقَالَ الشَّاعِر فِي مثل هَذَا:
وَرب المرسلات عرفا، وَرب العاصفات إِلَى آخِره، فَيكون قد أقسم بِنَفسِهِ.
(وأنكرتني وَمَا كَانَ الَّذِي نكرت من الْحَوَادِث إِلَّا الشيب والصلعا)
وَقيل: فِي الْفرق بَين قَدرنَا وقدرنا، بِالتَّخْفِيفِ مَعْنَاهُ: ملكنا فَنعم المالكون، وَمعنى قَدرنَا بِالتَّشْدِيدِ أَي: قَدرنَا خلق الْإِنْسَان على تارات مُخْتَلفَة من نُطْفَة وعلقة ومضغة، وَمَا بعد ذَلِك إِلَى أَن جَعَلْنَاهُ إنْسَانا سويا.
وَقيل: قَدرنَا شقيا وسعيدا، وصغيرا وكبيرا، وأسود وأبيض وَغير ذَلِك.
— 129 —
آية رقم ٢٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ أَي: كفتا.
وَقيل: مجمعا، فالكفت هُوَ الضَّم، وَمعنى الكفات هَاهُنَا: هُوَ أَن الأَرْض تضم الْخلق أَحيَاء وأمواتا، فالضم فِي حَال الْحَيَاة هُوَ باكتنانهم واستقرارهم على ظهرهَا، وَبعد الْمَمَات باكتنانهم فِي بَطنهَا وَهُوَ الْقُبُور، وَكَانَ بَقِيع الفرقد يُسمى الكفتة
وَعَن (ابْن) يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة: أَن اللبَاس يقطع إِذا أخرج الْكَفَن وَمن الْحِرْز، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم لنجعل الأَرْض كفاتا أَحيَاء وأمواتا﴾ رَوَاهُ سُلَيْمَان بن (بلَيْل).
وَعَن الْخَلِيل بن أَحْمد: أَن الكفت هُوَ التقلب.
وَقَوله: ﴿كفاتا﴾ أَي: متقلبا.
آية رقم ٢٦
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:قوله تعالى :( ألم نجعل الأرض كفاتا ) أي : كفتا. وقيل : مجمعا، فالكفت هو الضم، ومعنى الكفات هاهنا : هو أن الأرض تضم الخلق أحياء وأمواتا، فالضم في حال الحياة هو باكتنانهم واستقرارهم على ظهرها، وبعد الممات باكتنانهم في بطنها وهو القبور، وكان بقيع الفرقد يسمى الكفتة.
وعن ( ابن )١ يحيى بن سعيد وربيعة : أن اللباس يقطع إذا أخرج الكفن ومن الحرز، وقرأ قوله تعالى :( ألم لنجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) رواه سليمان بن ( بليل )٢. وعن الخليل بن أحمد : أن الكفت هو التقلب. وقوله :( كفاتا ) أي : متقلبا.
١ - كذا، و الصواب بحذفها، و هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري النجارى قاضى المدينة، و ربيعة ابن أبي عبد الرحمان المعروف بريعة الرأي..
٢ - كذا و الصواب بحذفها وبلال، و هو سليمان بن بلال القرشي التيمى فهو بروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة الرأي كما في تراجهم من تهذيب الكمال، و الله أعلم..

آية رقم ٢٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا رواسي شامخات﴾ أَي: مرتفعات: يُقَال: شمخ فلَان بِأَنْفِهِ إِذا رفع قدره، قَالَ بَعضهم:
— 129 —
﴿وأسقيناكم مَاء فراتا (٢٧) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٢٨) انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون (٢٩) انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذِي ثَلَاث شعب (٣٠) لَا ظَلِيل وَلَا يُغني من اللهب (٣١) ﴾.
(إِذا كَانَت الْأَحْرَار أُصَلِّي ومنصبي وَقَامَ بأَمْري خازم وَابْن خازم)
(عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قَاعِدا غير قَائِم)
وَقَوله: ﴿وأسقيناكم مَاء فراتا﴾ أَي: عذبا.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أصُول الْأَنْهَار العذبة أَرْبَعَة: جيحان وَهُوَ نهر بَلخ، ودجلة وفرات للكوفة، ونيل مصر.
وَذكر الْكَلْبِيّ أَن فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة فِي الْجنَّة [الدجلة]، والفرات، ونهر الْأُرْدُن، وَأنْشد الشَّاعِر:
— 130 —
آية رقم ٢٩
قَوْله: ﴿انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ فِي التَّفْسِير: أَن النَّاس يقفون على رُءُوس قُبُورهم أَرْبَعِينَ عَاما إِذا بعثوا، وتدنوا الشَّمْس من رُءُوسهم وَيُزَاد فِي حرهَا حَتَّى يَأْخُذهُمْ الكرب الْعَظِيم وَحَتَّى تَأْخُذ بِأَنْفَاسِهِمْ ثمَّ إِن الله تَعَالَى يُنجي الْمُؤمنِينَ إِلَى ظلّ من ظله برحمته، وَيبقى الْكفَّار فَيخرج لَهُم دُخان من النَّار ويتشعب ثَلَاث شعب فَيُقَال لَهُم: انْطَلقُوا إِلَى ذَلِك الدُّخان فاستظلوا بِهِ فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ لأَنهم كَانُوا يكذبُون بالنَّار.
وَهَذَا دُخان النَّار.
آية رقم ٣٠
وَقَوله تَعَالَى: ﴿انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذِي ثَلَاث شعب﴾ فَهُوَ مَا ذكرنَا وَهُوَ بَيَان الأول.
آية رقم ٣١
وَقَوله: ( [لَا] ظَلِيل) الظل: حجاب عَال يدْفع أَذَى الْحر عَن الْإِنْسَان فَقَوله: ﴿لَا ظَلِيل﴾ أَي: لَا يدْفع الْأَذَى فَهُوَ فِي صُورَة ظلّ وَلَيْسَ لَهُ معنى الظل.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُغني من اللهب﴾ أَي: لَا يدْفع عَنْهُم أَذَى اللهب، واللهب لَهب النَّار.
وَعَن قطرب قَالَ: اللهب هُوَ الْعَطش.
— 130 —
﴿إِنَّهَا ترمي بشرر كالقصر (٣٢) كَأَنَّهُ جمالت صفر (٣٣) ﴾.
— 131 —
آية رقم ٣٢
وَقَوله: ﴿إِنَّهَا ترمي بشرر﴾ أَي: يتطاير مِنْهَا الشرر.
وَقَوله: ﴿كالقصر﴾ قَالَ أَبُو عَمْرو: كالبناء الْعَظِيم.
وَقيل: كالخيمة من خيام الْعَرَب، وَالْعرب تسمي ذَلِك قصرا.
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " كالقَصَر " بتحريك الصَّاد.
وَقيل: إِنَّهَا أَعْنَاق النخيل.
وَقيل: أصُول النخيل.
وَعَن بَعضهم أَنه خَشَبَة كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتنضدون بهَا نَحْو ثَلَاثَة أَذْرع يسمونها الْقصر.
وَعَن مُجَاهِد: أَن الْقصر بتسكين الصَّاد هُوَ الْجَبَل.
وَعَن قَتَادَة: أَعْنَاق الدَّوَابّ وَهُوَ بِنصب الصَّاد.
(وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة هُوَ قلوس السفن).
وَقيل: [حبال السفن].
وَعَن (الْمبرد) قَالَ: هُوَ الجزل الْعَظِيم من الْخطب.
آية رقم ٣٣
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ أَي: نُوق سود، والجمالات جمع جمل.
وَقيل: إِنَّهَا جمع الْجمع كَأَنَّهُمْ قَالُوا جمل وجمال وجمالات، وَهُوَ مثل قَوْلهم: رجال وَرِجَال ورجالات.
وَقُرِئَ بِضَم الْجِيم، وَهِي جُمال.
وَقُرِئَ: " جُمَالَة " على الوحدان مثل حجر وحجارة وَحمل وحمالة.
وَقَوله: ﴿صفر﴾ أَي: سود وَإِنَّمَا سَمَّاهَا صفرا لِأَنَّهُ يشوبها لون من السود وَإِن كَانَت صفرا.
وَمِنْه يُقَال: [الْبيض الظباء] أَدَم لِأَنَّهُ يشوبها شَيْء من الكدورة وَإِن كَانَت بَيْضَاء.
وَقَالَ الشَّاعِر:
(إِذا غَابَ عَنَّا غَابَ فراتنا وَإِن شهد إِحْدَى نبله وفواضله)
— 131 —
﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٣٤) هَذَا يَوْم لَا ينطقون (٣٥) وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون (٣٦) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٣٧) هَذَا يَوْم الْفَصْل جمعناكم والأولين (٣٨) فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون (٣٩) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٤٠) إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون (٤١) وفواكه مِمَّا يشتهون (٤٢) كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (٤٣) إِن كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٤٥) كلوا وتمتعوا قَلِيلا إِنَّكُم مجرمون (٤٦) ﴾.
أَي: سود
— 132 —
آية رقم ٣٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فَكيف الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: بَينا أَن ليَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن ومواقف.
آية رقم ٣٦
وَقَوله: ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ لِأَنَّهُ لَا عذر لَهُم فيعتذرون.
آية رقم ٣٨
وَقَوله: ﴿هَذَا يَوْم الْفَصْل جمعناكم والأولين فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون﴾ أَي: إِن كَانَ لكم حِيلَة فاحتالوا.
آية رقم ٣٩
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٨:وقوله :( هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ) أي : إن كان لكم حيلة فاحتالوا.
آية رقم ٤١
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون﴾ قيل: ظلال الْقُصُور وَالْأَشْجَار.
وَقيل: إِن الظل هُوَ مَا يدْفع أَذَى الْحر عَن الْإِنْسَان.
وهواء الْجنَّة يُنَافِي كل أَذَى فَهُوَ ظلّ على هَذَا الْمَعْنى وَإِن لم يكن هُنَاكَ شمس.
آية رقم ٤٢
وَقَوله: ﴿وفواكه مِمَّا يشتهون﴾ أَي: يتمنون.
آية رقم ٤٣
وَقَوله: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قد بَينا من قبل.
آية رقم ٤٤
وَقَوله: ﴿إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: المحسن من أدّى جَمِيع فَرَائض الله واجتنب جَمِيع مناهي الله.
— 132 —
﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٤٧) وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (٤٩) فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ (٥٠) ﴾ [المرسلات: ١ - ٥٠]
— 133 —
آية رقم ٤٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا وتمتعوا قَلِيلا إِنَّكُم مجرمون﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد لَا على طَرِيق الْأَمر.
وَمَعْنَاهُ: افعلوا مَا أَنْتُم فاعلون فسينالكم رعب ذَلِك وعاقبته.
آية رقم ٤٨
وَقَوله: ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ مَعْنَاهُ: إِذا قيل لَهُم: صلوا لَا يصلونَ.
وَقيل: إِنَّهَا نزلت فِي ثَقِيف استعفوا من الصَّلَاة.
وَقيل: كَانُوا استعفوا من الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ النَّبِي: " لَا خير فِي دين لَيْسَ لَهُ رُكُوع وَلَا سُجُود ".
آية رقم ٥٠
وَقَوله: ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ أَي: بِأَيّ كتاب بعد الْقُرْآن يُؤمنُونَ إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث بعد ظُهُور براهينه وَقيام الدَّلَائِل على أَنه من عِنْد الله؟ ! فَإِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه التّكْرَار فِي قَوْله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فِي هَذِه السُّورَة والمرة الْوَاحِدَة تغني عَن المُرَاد بِهِ؟ وَالْجَوَاب قد بَينا هَذَا فِي سُورَة الرَّحْمَن.
وَوجه ذَلِك أَنه لما كرر ذكر النعم فِي تِلْكَ السُّورَة كرر الزّجر عَن كفرانها وَالنَّهْي عَنْهَا بقوله: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَلما كرر ذكر الْآيَات فِي هَذِه السُّورَة لإِقَامَة الحجيج عَلَيْهِم كرر ذكر الْعقُوبَة عَلَيْهِم بِذكر الويل ليَكُون أبلغ فِي الْإِنْذَار والإعذار وَهُوَ على عَادَة كَلَام الْعَرَب فَإِن الرجل يَقُول لغيره: ألم أحسن إِلَيْك بِأَن فعلت لَك كَذَا؟ ألم أحسن بِأَن خلصتك من المكاره؟ ألم أحسن بِأَن تشفعت لَك إِلَّا فلَان؟ وَغير ذَلِك فَيحسن مِنْهُ التكرير لاخْتِلَاف مَا يقرره بِهِ.
قَالَ مهلهل بن ربيعَة يرثي أَخَاهُ كليبا على هَذَا الْمَعْنى:
(تِلْكَ خيلي مِنْهَا وَتلك ركابي هن صفر (ألوانها) كالزبيب)
— 133 —
(عليّ أَن لَيْسَ عدلا من كُلَيْب إِذا طرد (اللَّئِيم) عَن الْجَزُور)
(عليّ أَن لَيْسَ عدلا من كُلَيْب إِذا مَا ضيم جيران المجير)
(عليّ أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب إِذا خرجت مخبأة الْخُدُور)
(على أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب غَدَاة بلائك الْأَمر الْكَبِير)
(عَليّ أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب إِذا مَا ضام جَار المستجير)
وَالله أعلم.
— 134 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿عَم يتساءلون (١) عَن النبأ الْعَظِيم (٢) الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلفُونَ (٣) كلا سيعلمون (٤) ثمَّ كلا سيعلمون (٥) ألم نجْعَل الأَرْض مهادا (٦) ﴾.
تَفْسِير سُورَة النبأ
وَهِي مَكِّيَّة
— 135 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

41 مقطع من التفسير