تفسير سورة سورة الزخرف
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﮀ
ﮁ
سبق أَنْ تحدثنا عن الحروف المقطعة في بدايات بعض سور القرآن، وأن لها حكمة مرادة من الحق سبحانه نحوم حولها، ثم نقول: والله أعلم بمراده.
آية رقم ٢
ﮂﮃ
ﮄ
الواو هنا للعطف، يعني حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ١-٢] هما شيء واحد، وهما قرآن يُقسم الله به، لكن فصل بينهما بالعطف، لأن حـمۤ [الزخرف: ١] نقرؤها ونؤمن بها ولا نعرف معناها، بل نردها إلى المتكلم بها سبحانه، أما وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] أي: الواضح البيِّن المظهر للأشياء، لذلك نفهمه ونعرف معانيه.
آية رقم ٣
ﮅﮆﮇﮈﮉﮊ
ﮋ
هذا هو المقسَم عليه، فالحق سبحانه يقسم بهذه الحروف العربية، وبالكتاب المكوّن من هذه الحروف أنه جعله قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] سماه كتاباً لأنه مكتوب في السطور، وسماه قرآناً لأنه مقروء، ووصفه بأنه عربي ليؤكد على أنه نزل بلسان القوم، كما قال سبحانه: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.. [إبراهيم: ٤].
إذن: لا بدَّ أنْ يكون الرسول بلسان قومه ليفهموا عنه ولتتم عملية البلاغ. فإنْ قلتَ: فكيف إذن أُرسِل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة على اختلاف لغاتهم؟
نقول: أُرسِل بلسان قومه الذين عاصروه وباشروا تلقِّي توجيهاته الأولى، فلما فهموها واقتنعوا وآمنوا بصدقها حملوها إلى غيرهم من الأمم، وساحوا بها في أنحاء الأرض حركةً وعملاً وسلوكاً وتطبيقاً.
هذا معنى الرسالة إلى الناس كافّة، فالإعجاز فيها في السلوك العملي والتطبيق، لذلك يقول لنا التاريخ: إن الإسلام انتشر في البلاد بالسلوك القويم الذي بهر الناس جميعاً فدخلوا في دين الله أفواجاً، واقرأ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣].
ويقول سبحانه عن هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣] وهكذا كلف الخلفاء جميعاً بحمل هذه الرسالة، فالرسول يشهد أنه بلَّغنا، والأمم الأخرى تشهد أننا بلَّغناهم.
إذن: باللغة فهمتْ هذه الأمة وترجمتْ هذا المنهج إلى عمل، فتحوَّلَتْ من أمة أمية جاهلة لا نظام لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبتْ إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبَّقوا تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفتَ الأنظار إلى الإسلام.
لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ: وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٣٦].
لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصداً للسائلين، لماذا؟ لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء به، ثم يُوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [يوسف: ٣٧-٣٨].
يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا وتأويلها مثلي تماماً.
هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلينْ ما أرادا أعطاهما ما أراد هو أولاً من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع لكل كلمة يقولها.
لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول: يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٣٩-٤٠] ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيا.
إذن: سلوك يوسف هو الذي لفت إليه الأنظار، وكذلك السلوك الحق المستقيم في كل زمان ومكان هو الذي يلفت إليك الأنظار، ويجذب إليك القلوب.
إذن: لا بدَّ أنْ يكون الرسول بلسان قومه ليفهموا عنه ولتتم عملية البلاغ. فإنْ قلتَ: فكيف إذن أُرسِل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة على اختلاف لغاتهم؟
نقول: أُرسِل بلسان قومه الذين عاصروه وباشروا تلقِّي توجيهاته الأولى، فلما فهموها واقتنعوا وآمنوا بصدقها حملوها إلى غيرهم من الأمم، وساحوا بها في أنحاء الأرض حركةً وعملاً وسلوكاً وتطبيقاً.
هذا معنى الرسالة إلى الناس كافّة، فالإعجاز فيها في السلوك العملي والتطبيق، لذلك يقول لنا التاريخ: إن الإسلام انتشر في البلاد بالسلوك القويم الذي بهر الناس جميعاً فدخلوا في دين الله أفواجاً، واقرأ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣].
ويقول سبحانه عن هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣] وهكذا كلف الخلفاء جميعاً بحمل هذه الرسالة، فالرسول يشهد أنه بلَّغنا، والأمم الأخرى تشهد أننا بلَّغناهم.
إذن: باللغة فهمتْ هذه الأمة وترجمتْ هذا المنهج إلى عمل، فتحوَّلَتْ من أمة أمية جاهلة لا نظام لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبتْ إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبَّقوا تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفتَ الأنظار إلى الإسلام.
لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ: وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٣٦].
لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصداً للسائلين، لماذا؟ لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء به، ثم يُوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [يوسف: ٣٧-٣٨].
يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا وتأويلها مثلي تماماً.
هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلينْ ما أرادا أعطاهما ما أراد هو أولاً من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع لكل كلمة يقولها.
لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول: يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٣٩-٤٠] ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيا.
إذن: سلوك يوسف هو الذي لفت إليه الأنظار، وكذلك السلوك الحق المستقيم في كل زمان ومكان هو الذي يلفت إليك الأنظار، ويجذب إليك القلوب.
آية رقم ٤
قوله تعالى: وَإِنَّهُ [الزخرف: ٤] أي: الكتاب المبين الذي سبق وَصْفه، وهو القرآن الكريم فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ [الزخرف: ٤] أم الكتاب يعني: الكتاب الأصل أو اللوح المحفوظ، الذي أخذتْ منه كل رسالات السماء، وسجَّل فيه كل الأحداث لَدَيْنَا [الزخرف: ٤] عندنا: عند الله. يعني: لم يُعطِه لأحد، وهذا يعني أنه مَصُون محفوظ.
لَعَلِيٌّ [الزخرف: ٤] أي: في ذاته، والعلو الارتقاء، لأنه هو الكتاب الخاتم لجميع الرسالات قبله والمهيمن عليها.
وهيمنة القرآن على الكتب السابقة أنه اتفق معها في الثوابت العقدية والأعمال العبادية والأخلاق، ثم نسخ من الرسالات مثله ما لا يناسب العصر، ونفض عنها الفساد الذي لحق بها من تبديل وتغيير أو تحريف.
فالقرآن حكى عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، وما لم ينسوه كتموه، وما لم يكتموه حرَّفوه، بل زادوا على ذلك كله ولم يقفوا عند حَدِّ التحريف، إنما جاءوا بكلام من عندهم وقالوا: هو من عند الله، واقرأ: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٧٩].
هذه هي هيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب وعُلُوِّه عليها.
وقوله حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه من حيث زمنه ومكانه الذي يناسبه، فترى كل شيء فيه منضبطاً، والقرآن هو الكتاب الذي خُتِمتْ به الكتب السماوية، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل جميعاً.
فإنْ قلتَ: فلماذا يحفظ الحق سبحانه كلامه في أم الكتاب، وهو سبحانه لا يضل ولا ينسى، ويحيط علمه بكل شيء ولا تَخْفى عليه خافية؟
قالوا: حفظ الله تعالى كلامه في أم الكتاب من أجل الملائكة، فحينما يروْنَ اللوح المحفوظ يجدون فيه كلاماً قديماً تُصدِّقه الأحداث ومواقف الناس في الكون، ويأتي الواقع وفْقَ ما أخبر الحق في كلامه، فيزدادوا حباً في الله وعنايةً به، ويحكموا بأن الله هو العليم الحكيم.
هذا سِرُّ الكتابة؛ لأنهم أي الملائكة سبق أنْ قالوا في مسألة خَلْق الإنسان: قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].
بعضهم قال في أُمِّ ٱلْكِتَابِ [الزخرف: ٤] ليس هو اللوح المحفوظ لقوله تعالى عن القرآن: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ.. فأم الكتاب هنا أي: الآيات المحكمات. فقد يكون في هذا المعنى تنبيه لنا بأن هذه السورة (الزخرف) من الآيات المحكمات، ليس فيها آية واحدة من المتشابهات.
وقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم حُكْم المحكم والمتشابه، فقال: قال تعالى في المتشابه: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ.. [آل عمران: ٧] ونقف، ثم وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧] إذن: نعمل بالمحكم ونؤمن بالمتشابه.
لَعَلِيٌّ [الزخرف: ٤] أي: في ذاته، والعلو الارتقاء، لأنه هو الكتاب الخاتم لجميع الرسالات قبله والمهيمن عليها.
وهيمنة القرآن على الكتب السابقة أنه اتفق معها في الثوابت العقدية والأعمال العبادية والأخلاق، ثم نسخ من الرسالات مثله ما لا يناسب العصر، ونفض عنها الفساد الذي لحق بها من تبديل وتغيير أو تحريف.
فالقرآن حكى عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، وما لم ينسوه كتموه، وما لم يكتموه حرَّفوه، بل زادوا على ذلك كله ولم يقفوا عند حَدِّ التحريف، إنما جاءوا بكلام من عندهم وقالوا: هو من عند الله، واقرأ: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٧٩].
هذه هي هيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب وعُلُوِّه عليها.
وقوله حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه من حيث زمنه ومكانه الذي يناسبه، فترى كل شيء فيه منضبطاً، والقرآن هو الكتاب الذي خُتِمتْ به الكتب السماوية، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل جميعاً.
فإنْ قلتَ: فلماذا يحفظ الحق سبحانه كلامه في أم الكتاب، وهو سبحانه لا يضل ولا ينسى، ويحيط علمه بكل شيء ولا تَخْفى عليه خافية؟
قالوا: حفظ الله تعالى كلامه في أم الكتاب من أجل الملائكة، فحينما يروْنَ اللوح المحفوظ يجدون فيه كلاماً قديماً تُصدِّقه الأحداث ومواقف الناس في الكون، ويأتي الواقع وفْقَ ما أخبر الحق في كلامه، فيزدادوا حباً في الله وعنايةً به، ويحكموا بأن الله هو العليم الحكيم.
هذا سِرُّ الكتابة؛ لأنهم أي الملائكة سبق أنْ قالوا في مسألة خَلْق الإنسان: قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].
بعضهم قال في أُمِّ ٱلْكِتَابِ [الزخرف: ٤] ليس هو اللوح المحفوظ لقوله تعالى عن القرآن: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ.. فأم الكتاب هنا أي: الآيات المحكمات. فقد يكون في هذا المعنى تنبيه لنا بأن هذه السورة (الزخرف) من الآيات المحكمات، ليس فيها آية واحدة من المتشابهات.
وقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم حُكْم المحكم والمتشابه، فقال: قال تعالى في المتشابه: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ.. [آل عمران: ٧] ونقف، ثم وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧] إذن: نعمل بالمحكم ونؤمن بالمتشابه.
آية رقم ٥
الهمزة هنا تحمل معنى الاستفهام الإنكاري، ومعنى أَفَنَضْرِبُ أي: نترك. نقول: ضربتُ عن العمل وأضربتُ عن العمل أي: تركتُه وامتنعتُ عنه. ومنه: أضرب العمال عن العمل.
فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونُعرِض عنكم ونترككم هكذا هَمَلاً، لأنكم أسرفتُم على أنفسكم وكذَّبتم بالذكْر وكفرتم به؟
لا بل سنُوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإنْ لم تؤمنوا بالحجة ولم تُصدِّقوا جاء دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به.
فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شرِّه وفساده إن ظلَّ على كفره، فالذكْر والمراد به هنا الوحي رحمةٌ من الله وخير يُقدِّمه لعباده رحمة بهم.
لذلك قالوا: إنْ كان لك عدو فلا تَدْعُ عليه بالهلاك، إنما ادْعُ له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كَتْم العلم لأنك حين تكتم علماً تحرم مجتمعك من خيره، فحين تُعلِّم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شرَّه.
إذن: من رحمة الله بهم أنْ يُوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلاً مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحداً بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير.
ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأَخْذ العبرة من موكب الرسالات لتروْا عاقبة المكذِّبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذِّبين لهم، لأن هذه سنةُ الله في الرسل أنْ ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مُكذِّبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. [العنكبوت: ٤٠].
وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] يعني: المسألة ليستْ كلاماً نظرياً، إنما واقع مُعَاش ومُشَاهد عليكم أنْ تعقلوه، وأنْ تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.
فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونُعرِض عنكم ونترككم هكذا هَمَلاً، لأنكم أسرفتُم على أنفسكم وكذَّبتم بالذكْر وكفرتم به؟
لا بل سنُوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإنْ لم تؤمنوا بالحجة ولم تُصدِّقوا جاء دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به.
فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شرِّه وفساده إن ظلَّ على كفره، فالذكْر والمراد به هنا الوحي رحمةٌ من الله وخير يُقدِّمه لعباده رحمة بهم.
لذلك قالوا: إنْ كان لك عدو فلا تَدْعُ عليه بالهلاك، إنما ادْعُ له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كَتْم العلم لأنك حين تكتم علماً تحرم مجتمعك من خيره، فحين تُعلِّم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شرَّه.
إذن: من رحمة الله بهم أنْ يُوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلاً مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحداً بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير.
ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأَخْذ العبرة من موكب الرسالات لتروْا عاقبة المكذِّبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذِّبين لهم، لأن هذه سنةُ الله في الرسل أنْ ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مُكذِّبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. [العنكبوت: ٤٠].
وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] يعني: المسألة ليستْ كلاماً نظرياً، إنما واقع مُعَاش ومُشَاهد عليكم أنْ تعقلوه، وأنْ تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.
آية رقم ٦
ﮝﮞﮟﮠﮡﮢ
ﮣ
كم هنا تفيد الكثرة فِي ٱلأَوَّلِينَ [الزخرف: ٦] في الأمم السابقة الذين كانوا يُكذِّبون الرسل ويستهزئون بهم.
آية رقم ٧
كم هنا تفيد الكثرة فِي ٱلأَوَّلِينَ [الزخرف: ٦] في الأمم السابقة الذين كانوا يُكذِّبون الرسل ويستهزئون بهم.
آية رقم ٨
يعني: يا كفار قريش خذوا عبرة من الأمم السابقة، وممن أهلكهم الله وكانوا أشد منكم قوة فلم تمنعهم قوتهم، ولم تدفع عنهم عذاب الله وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ [الزخرف: ٨] يعني: قصتهم وما حَلَّ بهم؛ لأن هذا وعد الله للرسل. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] فلابدَّ أن تجدوا عاقبة هذا التكذيب: إما أنْ تُهزموا في الدنيا، وإما أنْ يُدَّخر لكم العذاب في الآخرة.
آية رقم ٩
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لهم أنهم يُكذِّبون رسول الله، ويُصادمون دعوته استكباراً وعناداً، ولا يعتمدون في ذلك على منطق العقل والحكمة، ويأخذ هذه الحقيقة ويُثبتها من لسانهم هم: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٩].
وفي موضع آخر: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعِها أحدٌ لنفسه ولم يقُمْ لها منازع.
أولاً عجيبٌ منهم أنْ يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلاً خلقهنَّ الله لأنه ليس له منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ.. [البقرة: ١٧٠] فصدَّهم هذا عن اتباع الحق.
ومعنى ٱلْعَزِيزُ [الزخرف: ٩] أي: الغالب الذي لا يُغلب، فهم إذن ردُّوا على أنفسهم، فهم مهما عملوا فلابدَّ أنْ يُغلبوا.
وقولهم في وَصْف الحق سبحانه: ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] من باب أن المتكلم يمكن أنْ يزيد من عنده ما لم يُلْقَ إليه، كما لو أنك أرسلتَ شخصاً برسالة وقلتَ له: اذهب إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقُلْ له كذا وكذا.
فحين يذهب الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، وقُلْ له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] لأنهم يعلمون أن الله تعالى عزيز وعليم.
ثم أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لهم قدرته وعلمه، فقال: ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً.. [الزخرف: ١٠] والمهد في الأصل هو الفراش الممهَّد الذي يستريح فيه الطفل جُلُوساً أو نوماً، ومنه نقول طريق مُمهَّد يعني: مُعد ومُسوَّى بحيث يريح مَنْ يمشي عليه.
فالحق يُشبِّهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أنْ يُمهِّد لنفسه، فلولا أن الله مهَّد لنا الأرض ما قدرنا نحن على تمهيدها.
وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً.. [الزخرف: ١٠] يعني: طرقاً تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان لآخر، لأن مصالح الخَلْق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن مصالحهم لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف: ١٠] أي: في سيركم إلى مصالحكم وأغراضكم.
الحق سبحانه حين يمتنُّ عليهم ببعض نِعَمه عليهم إنما ليُرقِّق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويُصدِّقون برسوله.
وفي موضع آخر: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. [الزخرف: ٨٧] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعِها أحدٌ لنفسه ولم يقُمْ لها منازع.
أولاً عجيبٌ منهم أنْ يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلاً خلقهنَّ الله لأنه ليس له منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ.. [البقرة: ١٧٠] فصدَّهم هذا عن اتباع الحق.
ومعنى ٱلْعَزِيزُ [الزخرف: ٩] أي: الغالب الذي لا يُغلب، فهم إذن ردُّوا على أنفسهم، فهم مهما عملوا فلابدَّ أنْ يُغلبوا.
وقولهم في وَصْف الحق سبحانه: ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] من باب أن المتكلم يمكن أنْ يزيد من عنده ما لم يُلْقَ إليه، كما لو أنك أرسلتَ شخصاً برسالة وقلتَ له: اذهب إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقُلْ له كذا وكذا.
فحين يذهب الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، وقُلْ له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] لأنهم يعلمون أن الله تعالى عزيز وعليم.
ثم أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لهم قدرته وعلمه، فقال: ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً.. [الزخرف: ١٠] والمهد في الأصل هو الفراش الممهَّد الذي يستريح فيه الطفل جُلُوساً أو نوماً، ومنه نقول طريق مُمهَّد يعني: مُعد ومُسوَّى بحيث يريح مَنْ يمشي عليه.
فالحق يُشبِّهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أنْ يُمهِّد لنفسه، فلولا أن الله مهَّد لنا الأرض ما قدرنا نحن على تمهيدها.
وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً.. [الزخرف: ١٠] يعني: طرقاً تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان لآخر، لأن مصالح الخَلْق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن مصالحهم لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف: ١٠] أي: في سيركم إلى مصالحكم وأغراضكم.
الحق سبحانه حين يمتنُّ عليهم ببعض نِعَمه عليهم إنما ليُرقِّق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويُصدِّقون برسوله.
آية رقم ١٠
... الحق سبحانه حين يمتنُّ عليهم ببعض نِعَمه عليهم إنما ليُرقِّق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويُصدِّقون برسوله.
آية رقم ١١
قوله مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [الزخرف: ١١] أي: من جهة السماء بِقَدَرٍ.. [الزخرف: ١١] بحساب معين ومقدار محدَّد حسب ما تقتضيه حكمة الله، بحيث ننتفع بهذا الماء ونُحيي به الأرض دون مُنغِّصات، لأن الماء قد يكون وسيلة إهلاك ودمار كما رأينا في قصة سيدنا نوح.
لذلك قيَّد نزول الماء هنا بقوله بِقَدَرٍ.. [الزخرف: ١١] يعني: على قدْر حاجتكم وعلى قدر ما يُصلحكم، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول عند نزول المطر. ومعنى فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً.. [الزخرف: ١١] أي: أحييناها بالنبات، كما قال سبحانه في موضع آخر: وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥].
فالأرض الميتة التي لا نباتَ فيها، لذلك في الفقه تجد باب إحياء الموات، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه قاعدة لو أخذتْ بها دول العالم لَقضيْنا على الفقر ولعَمَّ الخير كُلَّ بقاع الأرض، ولمَا وجدنا شبراً واحداً صحراء.
وعندنا في مصر مثال واضح: لما ضيَّقتْ الحكومة على الناس ومنعت انتشارهم في الصحراء ازدحم الناس في الوادي والدلتا وحدثتْ الفاقة، ولم نستطع أنْ نُوفر الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية.
ولما سمحتْ الدولة بزراعة الصحراء وشجعتْ الناس عليها ماذا حدث؟ رأينا الصحراء تخضر وتُخرِج لنا مَا لَذَّ وطابَ من الخضر والفاكهة، ومَنْ يسير في الطريق الصحراوي يرى ذلك.
وقد بيَّن الحق سبحانه أن الماء ينزل من السماء فينتفع الناسُ به في زراعة الأرض وما زاد عن حاجتهم تمتصُّه الأرض حتى يتكوَّن بداخلها أنهار تحت سطح الأرض، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ.. [الزمر: ٢١].
كلمة (ميتاً) ميْت بالسكون. يعني: ما جرى عليه الموت بالفعل، أما ميِّت بالتشديد فهو ما يُحكم عليه بالموت وإنْ كان على قيد الحياة.
وتسألني تفسير ميْت وميِّتٍ فدونك قد فسرت إن كنت تَعْقِلُ
فمن كان ذا روح فذلك ميّتٌ وما الميْت إلا من إلى القبْر يُحملُ
ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ [الزمر: ٣٠].
وقال الشاعر في مدح سيدنا رسول الله:
أَخُوكَ عِيسَى دَعَا مَيْتاً فَقَامَ لَهُ وأنْتَ أحييْتَ أَجْيالاً مِنَ العَدَمِ
وقوله تعالى: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١] كذلك يعني: مثلما نُحيي الأرض الميتة نحييكم ونخرجكم من قبوركم فخذوا مما تشاهدونه في الأرض دليلاً على ما غاب عنكم من أمور البعث وإحياء الموتى، فحين نقول لكم أن الله يُحييكم بعد موتكم فصدِّقوا.
لذلك قيَّد نزول الماء هنا بقوله بِقَدَرٍ.. [الزخرف: ١١] يعني: على قدْر حاجتكم وعلى قدر ما يُصلحكم، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول عند نزول المطر. ومعنى فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً.. [الزخرف: ١١] أي: أحييناها بالنبات، كما قال سبحانه في موضع آخر: وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥].
فالأرض الميتة التي لا نباتَ فيها، لذلك في الفقه تجد باب إحياء الموات، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه قاعدة لو أخذتْ بها دول العالم لَقضيْنا على الفقر ولعَمَّ الخير كُلَّ بقاع الأرض، ولمَا وجدنا شبراً واحداً صحراء.
وعندنا في مصر مثال واضح: لما ضيَّقتْ الحكومة على الناس ومنعت انتشارهم في الصحراء ازدحم الناس في الوادي والدلتا وحدثتْ الفاقة، ولم نستطع أنْ نُوفر الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية.
ولما سمحتْ الدولة بزراعة الصحراء وشجعتْ الناس عليها ماذا حدث؟ رأينا الصحراء تخضر وتُخرِج لنا مَا لَذَّ وطابَ من الخضر والفاكهة، ومَنْ يسير في الطريق الصحراوي يرى ذلك.
وقد بيَّن الحق سبحانه أن الماء ينزل من السماء فينتفع الناسُ به في زراعة الأرض وما زاد عن حاجتهم تمتصُّه الأرض حتى يتكوَّن بداخلها أنهار تحت سطح الأرض، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ.. [الزمر: ٢١].
كلمة (ميتاً) ميْت بالسكون. يعني: ما جرى عليه الموت بالفعل، أما ميِّت بالتشديد فهو ما يُحكم عليه بالموت وإنْ كان على قيد الحياة.
وتسألني تفسير ميْت وميِّتٍ فدونك قد فسرت إن كنت تَعْقِلُ
فمن كان ذا روح فذلك ميّتٌ وما الميْت إلا من إلى القبْر يُحملُ
ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ [الزمر: ٣٠].
وقال الشاعر في مدح سيدنا رسول الله:
أَخُوكَ عِيسَى دَعَا مَيْتاً فَقَامَ لَهُ وأنْتَ أحييْتَ أَجْيالاً مِنَ العَدَمِ
وقوله تعالى: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١] كذلك يعني: مثلما نُحيي الأرض الميتة نحييكم ونخرجكم من قبوركم فخذوا مما تشاهدونه في الأرض دليلاً على ما غاب عنكم من أمور البعث وإحياء الموتى، فحين نقول لكم أن الله يُحييكم بعد موتكم فصدِّقوا.
آية رقم ١٢
كلمة ٱلأَزْوَاجَ.. [الزخرف: ١٢] جمع: زوج. والزوج كما قلنا هو المفرد الذي معه مثله، والزوجان كل متقابلين مثل: أبيض وأسود، حُلو وحامض، فوق وتحت، يمين وشمال.
والزوجية كما أخبر الحق سبحانه موجودة في كل شيء وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩] ومنها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لذلك قال هنا وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا.. [الزخرف: ١٢] كلمة كُلَّهَا أي: مما نعلمه كالذكر والأنثى ومما لا نعلمه.
وأهل الفكر والتدبُّر يقفون عند هذه الآية يلتمسون ما فيها من حكمة، فالحق سبحانه يمتنُّ بأنْ خلق الأزواج كلها ليُثبتَ لنا أنه سبحانه فرْد لا زوجَ معه، فقانون الاستقصاء العلمي يقول: إن الزوج يعني الاثنين، أو ما يقبل القسمة على اثنين.
فحين نأخذ الترتيب من أوله نقول: إن الواحد الذي ليس له ثانٍ، واثنان يعني واحداً انضمَّ له واحد آخر.
إذن: الاثنان كرقم يحتاج إلى الواحد، أما الواحد فلا يحتاج إلى شيء، إذن: المفرد الحق هو الذي لا يحتاج لشيء، وهذه لا تكون إلا لله عز وجل.
إذن: الزوج يحتاج إلى الفرد، والفرد لا يحتاج إلى الزوج.
وما دام أنه سبحانه خالق الأزواج كلها. إذن: هو فرد لا مثيلَ له، والمتأمل يجد أنَّ الزوجين مختلفان في الصفات مثل الذكر والأنثى، لكل منهما صفاته مع وجود صفات مشتركة بينهما.
فالصفات المشتركة تعني أن لكل زوج منهما مثلاً، والصفات المختلفة تعني أن كلاً منهما فيه نقص عن الآخر، والله سبحانه وتعالى فرد لا مِثْلَ له، وكامل لا نقصَ فيه، فكأن الآية تثبت أن الله تعالى فرد خالق لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كلُّ شيء.
وقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] الفلك. أي: السُّفن. ومن الأنعام التي تُركب مثل الإبل، كما قال سبحانه: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ.. [النحل: ٧].
فالمعنى: خلق لكم من الفلك والأنعام ما تركبونه، لكنه قال مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] ولم ما تركبونها ليطمر الفلك في الأنعام، والسفن لا نركبها إنما نركب فيها، لذلك سماها ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] وقال: حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ.. [يونس: ٢٢].
إذن: نحن نركب على الأنعام ونستوي على ظهورها، ونركب في السفن، حتى السفن القديمة كان لها جدران وبداخلها مقاعد، فما بالُكَ بالسفن المكوّنة من أدوار مثل البيوت والتي وصفها القرآن بأنها كالأعلام.
لكن لماذا غلَّب الأنعام وطمر فيها السفن؟ لا بدَّ أنَّ هنا حكمة، لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك تجد كل لفظة في موضعها بدقة تعبيرية، فغلَّب الأنعام وقال مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] لأننا نركب على الأنعام، أما السفن ففي السفن.
ثم لأن الأنعام خَلْقُ الله المباشر، والفلك خَلْق الإنسان، كما أن الحق سبحانه يخاطب بهذه الآية العرب في المقام الأول، والعرب لم يكُنْ عندهم دراية بالسفن ولا يركبونها، إنما كانت وسائلهم في الانتقال والحمل هي الأنعام، فهي معهودة لهم.
والزوجية كما أخبر الحق سبحانه موجودة في كل شيء وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩] ومنها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لذلك قال هنا وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا.. [الزخرف: ١٢] كلمة كُلَّهَا أي: مما نعلمه كالذكر والأنثى ومما لا نعلمه.
وأهل الفكر والتدبُّر يقفون عند هذه الآية يلتمسون ما فيها من حكمة، فالحق سبحانه يمتنُّ بأنْ خلق الأزواج كلها ليُثبتَ لنا أنه سبحانه فرْد لا زوجَ معه، فقانون الاستقصاء العلمي يقول: إن الزوج يعني الاثنين، أو ما يقبل القسمة على اثنين.
فحين نأخذ الترتيب من أوله نقول: إن الواحد الذي ليس له ثانٍ، واثنان يعني واحداً انضمَّ له واحد آخر.
إذن: الاثنان كرقم يحتاج إلى الواحد، أما الواحد فلا يحتاج إلى شيء، إذن: المفرد الحق هو الذي لا يحتاج لشيء، وهذه لا تكون إلا لله عز وجل.
إذن: الزوج يحتاج إلى الفرد، والفرد لا يحتاج إلى الزوج.
وما دام أنه سبحانه خالق الأزواج كلها. إذن: هو فرد لا مثيلَ له، والمتأمل يجد أنَّ الزوجين مختلفان في الصفات مثل الذكر والأنثى، لكل منهما صفاته مع وجود صفات مشتركة بينهما.
فالصفات المشتركة تعني أن لكل زوج منهما مثلاً، والصفات المختلفة تعني أن كلاً منهما فيه نقص عن الآخر، والله سبحانه وتعالى فرد لا مِثْلَ له، وكامل لا نقصَ فيه، فكأن الآية تثبت أن الله تعالى فرد خالق لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كلُّ شيء.
وقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] الفلك. أي: السُّفن. ومن الأنعام التي تُركب مثل الإبل، كما قال سبحانه: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ.. [النحل: ٧].
فالمعنى: خلق لكم من الفلك والأنعام ما تركبونه، لكنه قال مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] ولم ما تركبونها ليطمر الفلك في الأنعام، والسفن لا نركبها إنما نركب فيها، لذلك سماها ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [الصافات: ١٤٠] وقال: حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ.. [يونس: ٢٢].
إذن: نحن نركب على الأنعام ونستوي على ظهورها، ونركب في السفن، حتى السفن القديمة كان لها جدران وبداخلها مقاعد، فما بالُكَ بالسفن المكوّنة من أدوار مثل البيوت والتي وصفها القرآن بأنها كالأعلام.
لكن لماذا غلَّب الأنعام وطمر فيها السفن؟ لا بدَّ أنَّ هنا حكمة، لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك تجد كل لفظة في موضعها بدقة تعبيرية، فغلَّب الأنعام وقال مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] لأننا نركب على الأنعام، أما السفن ففي السفن.
ثم لأن الأنعام خَلْقُ الله المباشر، والفلك خَلْق الإنسان، كما أن الحق سبحانه يخاطب بهذه الآية العرب في المقام الأول، والعرب لم يكُنْ عندهم دراية بالسفن ولا يركبونها، إنما كانت وسائلهم في الانتقال والحمل هي الأنعام، فهي معهودة لهم.
آية رقم ١٣
قوله تعالى: لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ.. [الزخرف: ١٣] الاستواء هنا يدل على الراحة، فبعد أنْ كنتَ تسير وتتحمَّل مشقة السير ركبت على دابة مُذللة لك، لذلك طلب منك أنْ تتذكر أنها نعمة من الله عليك تستوجب شكره وذكره، والحذر من الغفلة عن تذكُّر النعم وشكْر المنعم، والدابة تسير بك على أربعة قوائم تجعلها مُمهَّدة لك سهلة السير.
والسفن تحتاج في سَيْرها إلى ثلاثة عناصر: السفينة، والبحر الذي تسير فيه، والهواء الذي يُحركها، فساعة تسير بك تتذكر كلّ هذه النعم التي اجتمعتْ لك لتسير بك حيث تريد.
ثم يُعلِّمنا ربنا عز وجل كيفية الذكْر المناسب لهذه النعمة، وهو أنْ نقول كما جاء في القرآن: سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣].
والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء السفر والركوب، وعلَّمنا أن نذكر الله كما باشرنا عملاً جديداً، لذلك قال سبحانه في قصة السفينة بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا.. [هود: ٤١] وذكر الله هو الطاقة التي نستمد منها العون، القوة على السفر أو على أداء العمل.
وأنت حين تدعو بدعاء الركوب وتقول "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" إنما تنفي عن نفسك الغرور، وتعترف أنك تركب هذا المركب لا بقدرتك عليه، إنما بقدرة الله الذي سهَّله لك وسخَّره لخدمتك، ولولا أن الله سخَّره ما استطعتَ السيطرة عليه ولا اعتلاء ظهره.
فالسفينة ربما تغرق بمَنْ فيها، والدابة ربما تَنْفَق منك في وسط الطريق، إذن: تذكَّر دائماً قدرة الله في هذه المسألة، وبادر بذكر الله عند الركوب.
هذه الدوابّ التي تركبها وتحمل عليها، أَلَكَ فَضْلٌ فيها؟ حتى السفن التي هي صناعة يدك لولا أن الله علَّم نوحاً صناعة السفن ما كان الإنسان عرفها وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] وقال: وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [هود: ٣٧] فالفكرة الأولى فيها من الله عز وجل.
تذكر أن الحصان الذي تركبه، والجمل الذي تحمل عليه أقوى منك، وإذا حَرنَ لا تستطيع السيطرة عليه؛ لذلك قال تعالى في هذه الدواب أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢] فلولا أن الله ذلَّلها ما ذللناها.
وسبق أنْ قلنا: إن الطفل الصغير يقود الجمل ويركبه ويُنيخه، والجمل يطاوعه في يُسْر وسهولة، صحيح منظر يدعوك إلى التأمل في قدرة الله الذي سخَّر هذا المخلوق الضخم لخدمة هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على شيء.
وفي المقابل، تجد البرغوث مثلاً يقُضّ مضجعك ويُقلقك طوال الليل، ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً، لماذا؟ لأن الخالق سبحانه سخَّر لك هذا ولم يُسخِّر لك ذاك، فتأمل ولا تظن أنك تركب هذه المراكب بقوتك ولا بقدرتك عليها.
ومعنى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين أو غالبين، يعني: ليس لنا قدرة عليه ولا سيطرة ولا تحكّم إلا بتسخير الله له وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف: ١٤] أي: راجعون وآيبون.
والسفن تحتاج في سَيْرها إلى ثلاثة عناصر: السفينة، والبحر الذي تسير فيه، والهواء الذي يُحركها، فساعة تسير بك تتذكر كلّ هذه النعم التي اجتمعتْ لك لتسير بك حيث تريد.
ثم يُعلِّمنا ربنا عز وجل كيفية الذكْر المناسب لهذه النعمة، وهو أنْ نقول كما جاء في القرآن: سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣].
والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء السفر والركوب، وعلَّمنا أن نذكر الله كما باشرنا عملاً جديداً، لذلك قال سبحانه في قصة السفينة بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا.. [هود: ٤١] وذكر الله هو الطاقة التي نستمد منها العون، القوة على السفر أو على أداء العمل.
وأنت حين تدعو بدعاء الركوب وتقول "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" إنما تنفي عن نفسك الغرور، وتعترف أنك تركب هذا المركب لا بقدرتك عليه، إنما بقدرة الله الذي سهَّله لك وسخَّره لخدمتك، ولولا أن الله سخَّره ما استطعتَ السيطرة عليه ولا اعتلاء ظهره.
فالسفينة ربما تغرق بمَنْ فيها، والدابة ربما تَنْفَق منك في وسط الطريق، إذن: تذكَّر دائماً قدرة الله في هذه المسألة، وبادر بذكر الله عند الركوب.
هذه الدوابّ التي تركبها وتحمل عليها، أَلَكَ فَضْلٌ فيها؟ حتى السفن التي هي صناعة يدك لولا أن الله علَّم نوحاً صناعة السفن ما كان الإنسان عرفها وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] وقال: وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [هود: ٣٧] فالفكرة الأولى فيها من الله عز وجل.
تذكر أن الحصان الذي تركبه، والجمل الذي تحمل عليه أقوى منك، وإذا حَرنَ لا تستطيع السيطرة عليه؛ لذلك قال تعالى في هذه الدواب أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢] فلولا أن الله ذلَّلها ما ذللناها.
وسبق أنْ قلنا: إن الطفل الصغير يقود الجمل ويركبه ويُنيخه، والجمل يطاوعه في يُسْر وسهولة، صحيح منظر يدعوك إلى التأمل في قدرة الله الذي سخَّر هذا المخلوق الضخم لخدمة هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على شيء.
وفي المقابل، تجد البرغوث مثلاً يقُضّ مضجعك ويُقلقك طوال الليل، ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً، لماذا؟ لأن الخالق سبحانه سخَّر لك هذا ولم يُسخِّر لك ذاك، فتأمل ولا تظن أنك تركب هذه المراكب بقوتك ولا بقدرتك عليها.
ومعنى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين أو غالبين، يعني: ليس لنا قدرة عليه ولا سيطرة ولا تحكّم إلا بتسخير الله له وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف: ١٤] أي: راجعون وآيبون.
آية رقم ١٤
ﮀﮁﮂﮃ
ﮄ
قوله تعالى: لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ.. [الزخرف: ١٣] الاستواء هنا يدل على الراحة، فبعد أنْ كنتَ تسير وتتحمَّل مشقة السير ركبت على دابة مُذللة لك، لذلك طلب منك أنْ تتذكر أنها نعمة من الله عليك تستوجب شكره وذكره، والحذر من الغفلة عن تذكُّر النعم وشكْر المنعم، والدابة تسير بك على أربعة قوائم تجعلها مُمهَّدة لك سهلة السير.
والسفن تحتاج في سَيْرها إلى ثلاثة عناصر: السفينة، والبحر الذي تسير فيه، والهواء الذي يُحركها، فساعة تسير بك تتذكر كلّ هذه النعم التي اجتمعتْ لك لتسير بك حيث تريد.
ثم يُعلِّمنا ربنا عز وجل كيفية الذكْر المناسب لهذه النعمة، وهو أنْ نقول كما جاء في القرآن: سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣].
والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء السفر والركوب، وعلَّمنا أن نذكر الله كما باشرنا عملاً جديداً، لذلك قال سبحانه في قصة السفينة بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا.. [هود: ٤١] وذكر الله هو الطاقة التي نستمد منها العون، القوة على السفر أو على أداء العمل.
وأنت حين تدعو بدعاء الركوب وتقول "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" إنما تنفي عن نفسك الغرور، وتعترف أنك تركب هذا المركب لا بقدرتك عليه، إنما بقدرة الله الذي سهَّله لك وسخَّره لخدمتك، ولولا أن الله سخَّره ما استطعتَ السيطرة عليه ولا اعتلاء ظهره.
فالسفينة ربما تغرق بمَنْ فيها، والدابة ربما تَنْفَق منك في وسط الطريق، إذن: تذكَّر دائماً قدرة الله في هذه المسألة، وبادر بذكر الله عند الركوب.
هذه الدوابّ التي تركبها وتحمل عليها، أَلَكَ فَضْلٌ فيها؟ حتى السفن التي هي صناعة يدك لولا أن الله علَّم نوحاً صناعة السفن ما كان الإنسان عرفها وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] وقال: وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [هود: ٣٧] فالفكرة الأولى فيها من الله عز وجل.
تذكر أن الحصان الذي تركبه، والجمل الذي تحمل عليه أقوى منك، وإذا حَرنَ لا تستطيع السيطرة عليه؛ لذلك قال تعالى في هذه الدواب أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢] فلولا أن الله ذلَّلها ما ذللناها.
وسبق أنْ قلنا: إن الطفل الصغير يقود الجمل ويركبه ويُنيخه، والجمل يطاوعه في يُسْر وسهولة، صحيح منظر يدعوك إلى التأمل في قدرة الله الذي سخَّر هذا المخلوق الضخم لخدمة هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على شيء.
وفي المقابل، تجد البرغوث مثلاً يقُضّ مضجعك ويُقلقك طوال الليل، ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً، لماذا؟ لأن الخالق سبحانه سخَّر لك هذا ولم يُسخِّر لك ذاك، فتأمل ولا تظن أنك تركب هذه المراكب بقوتك ولا بقدرتك عليها.
ومعنى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين أو غالبين، يعني: ليس لنا قدرة عليه ولا سيطرة ولا تحكّم إلا بتسخير الله له وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف: ١٤] أي: راجعون وآيبون.
والسفن تحتاج في سَيْرها إلى ثلاثة عناصر: السفينة، والبحر الذي تسير فيه، والهواء الذي يُحركها، فساعة تسير بك تتذكر كلّ هذه النعم التي اجتمعتْ لك لتسير بك حيث تريد.
ثم يُعلِّمنا ربنا عز وجل كيفية الذكْر المناسب لهذه النعمة، وهو أنْ نقول كما جاء في القرآن: سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣].
والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء السفر والركوب، وعلَّمنا أن نذكر الله كما باشرنا عملاً جديداً، لذلك قال سبحانه في قصة السفينة بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا.. [هود: ٤١] وذكر الله هو الطاقة التي نستمد منها العون، القوة على السفر أو على أداء العمل.
وأنت حين تدعو بدعاء الركوب وتقول "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" إنما تنفي عن نفسك الغرور، وتعترف أنك تركب هذا المركب لا بقدرتك عليه، إنما بقدرة الله الذي سهَّله لك وسخَّره لخدمتك، ولولا أن الله سخَّره ما استطعتَ السيطرة عليه ولا اعتلاء ظهره.
فالسفينة ربما تغرق بمَنْ فيها، والدابة ربما تَنْفَق منك في وسط الطريق، إذن: تذكَّر دائماً قدرة الله في هذه المسألة، وبادر بذكر الله عند الركوب.
هذه الدوابّ التي تركبها وتحمل عليها، أَلَكَ فَضْلٌ فيها؟ حتى السفن التي هي صناعة يدك لولا أن الله علَّم نوحاً صناعة السفن ما كان الإنسان عرفها وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] وقال: وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [هود: ٣٧] فالفكرة الأولى فيها من الله عز وجل.
تذكر أن الحصان الذي تركبه، والجمل الذي تحمل عليه أقوى منك، وإذا حَرنَ لا تستطيع السيطرة عليه؛ لذلك قال تعالى في هذه الدواب أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧١-٧٢] فلولا أن الله ذلَّلها ما ذللناها.
وسبق أنْ قلنا: إن الطفل الصغير يقود الجمل ويركبه ويُنيخه، والجمل يطاوعه في يُسْر وسهولة، صحيح منظر يدعوك إلى التأمل في قدرة الله الذي سخَّر هذا المخلوق الضخم لخدمة هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على شيء.
وفي المقابل، تجد البرغوث مثلاً يقُضّ مضجعك ويُقلقك طوال الليل، ولا تستطيع أن تفعل له شيئاً، لماذا؟ لأن الخالق سبحانه سخَّر لك هذا ولم يُسخِّر لك ذاك، فتأمل ولا تظن أنك تركب هذه المراكب بقوتك ولا بقدرتك عليها.
ومعنى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين أو غالبين، يعني: ليس لنا قدرة عليه ولا سيطرة ولا تحكّم إلا بتسخير الله له وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف: ١٤] أي: راجعون وآيبون.
آية رقم ١٥
قوله سبحانه وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا.. [الزخرف: ١٥] إشارة إلى الذين نسبوا إلى الله تعالى الولد، تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً، ذلك لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: يعني: قطعة مني.
ولما نسبوا لله تعالى الولد مرة سمَّوْهُ ابن الله، ومرة قالوا: الله، ومرة قالوا: ثالث ثلاثة. والعجيب أنهم وقعوا في هذا الخطأ مع مَنْ؟ مع النبي الذي أرسله الله إليهم، فجعلوا النبي ذاته وسيلة للشرك.
الأمر الثاني: أن الجزء المنفصل عن الأبوين إما ذكر وإما أنثى، ومعلوم أن الذكر عندهم أشرف من الأنثى ومُقدَّم عليها، بدليل قوله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ.. [النحل: ٥٨-٥٩].
وهؤلاء لما نسبوا لله تعالى الولد نسبوا له الأنثى، وهي مذمومة عندهم، تعلمون قصة أبي حمزة لما تزوج من امرأة لا تلد ذكراً، فهجرها إلى غيرها، فقالت تُنفِّس عن نفسها:
مَا لأَبِي حَمْزَةَ لاَ يأْتينَا يَظَلُّ فِي البَيْت الذِي يَلِينَا
غَضْبَانَ إلاَّ نلِدَ البَنِينَا تَالله مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا
فنَحنُ كالأرْضِ لغَارسِينَا نُعطِي الذي غَرَسُوه فِينَا
وهكذا أخبرتْ المرأة العربية قديماً ما أثبته العلم الحديث من أن المرأة غير مسئولة عن الذكورة أو الأنوثة في الولد، فهي مُتلقية وحاضنة فقط، والرجل هو المسئول عن هذه المسألة.
والقرآن يقول: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] والنطفة هي ماء الرجل الذي يُلقح البويضة، ويتحكم في الذكورة والأنوثة.
ولأن نسبة الولد إلى الله تعالى أمرٌ عظيم وفادح ذُيِّلَتْ الآية بقوله سبحانه: إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ [الزخرف: ١٥] تأمل دقة التعبير هنا الذي يناسب فداحة الاتهام، فـ إِنَّ.. للتوكيد و لَكَفُورٌ [الزخرف: ١٥] صيغة مبالغة من كافر. و مُّبِينٌ [الزخرف: ١٥] يعني: بيِّن وواضح الكفر، فكفره لا يَخْفى على أحد.
ولما نسبوا لله تعالى الولد مرة سمَّوْهُ ابن الله، ومرة قالوا: الله، ومرة قالوا: ثالث ثلاثة. والعجيب أنهم وقعوا في هذا الخطأ مع مَنْ؟ مع النبي الذي أرسله الله إليهم، فجعلوا النبي ذاته وسيلة للشرك.
الأمر الثاني: أن الجزء المنفصل عن الأبوين إما ذكر وإما أنثى، ومعلوم أن الذكر عندهم أشرف من الأنثى ومُقدَّم عليها، بدليل قوله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ.. [النحل: ٥٨-٥٩].
وهؤلاء لما نسبوا لله تعالى الولد نسبوا له الأنثى، وهي مذمومة عندهم، تعلمون قصة أبي حمزة لما تزوج من امرأة لا تلد ذكراً، فهجرها إلى غيرها، فقالت تُنفِّس عن نفسها:
مَا لأَبِي حَمْزَةَ لاَ يأْتينَا يَظَلُّ فِي البَيْت الذِي يَلِينَا
غَضْبَانَ إلاَّ نلِدَ البَنِينَا تَالله مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا
فنَحنُ كالأرْضِ لغَارسِينَا نُعطِي الذي غَرَسُوه فِينَا
وهكذا أخبرتْ المرأة العربية قديماً ما أثبته العلم الحديث من أن المرأة غير مسئولة عن الذكورة أو الأنوثة في الولد، فهي مُتلقية وحاضنة فقط، والرجل هو المسئول عن هذه المسألة.
والقرآن يقول: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ [النجم: ٤٥-٤٦] والنطفة هي ماء الرجل الذي يُلقح البويضة، ويتحكم في الذكورة والأنوثة.
ولأن نسبة الولد إلى الله تعالى أمرٌ عظيم وفادح ذُيِّلَتْ الآية بقوله سبحانه: إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ [الزخرف: ١٥] تأمل دقة التعبير هنا الذي يناسب فداحة الاتهام، فـ إِنَّ.. للتوكيد و لَكَفُورٌ [الزخرف: ١٥] صيغة مبالغة من كافر. و مُّبِينٌ [الزخرف: ١٥] يعني: بيِّن وواضح الكفر، فكفره لا يَخْفى على أحد.
آية رقم ١٦
الحق سبحانه يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي يفيد التعجب أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ [الزخرف: ١٦] يعني: أيُعقل وهو سبحانه الخالق أنْ يصطفيكم بالبنين وهم الجنس الأعلى ويختصُّ نفسه بالبنات وهُنَّ الجنس الأدنى؟
وفي موضع آخر يقول سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ [النحل: ٦٢].
ثم يعطينا الحق سبحانه الدليل على كذبهم وافترائهم عليه:
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ... .
وفي موضع آخر يقول سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ [النحل: ٦٢].
ثم يعطينا الحق سبحانه الدليل على كذبهم وافترائهم عليه:
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ... .
آية رقم ١٧
قوله تعالى بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً.. [الزخرف: ١٧] كناية عن البنات اللاتي نسبوها إلى الله وجعلوها مثيلاً له سبحانه؛ لأن الولد كما قلنا مثيلٌ لأبيه وجُزْءٌ منه، وهم في حين ينسبون لله البنات يكرههن ويسودّ وجه الرجل منهم إذا بُشِّر بالبنت.
وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف: ١٧] يعني: يملؤه الغيظ والنكد والغم.
إذن: كيف تنسبون لله ما لا تقبلونه لأنفسكم، لذلك عبَّر القرآن عن هذه المسألة بأنها قسْمة جائرة ظالمة، فقال تعالى في سورة النجم: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢].
واختار هذا اللفظ الغريب الذي لم يأت في القرآن إلا مرة واحدة ليدلّ بغرابة اللفظ على غرابة القول الذي قالوه.
وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف: ١٧] يعني: يملؤه الغيظ والنكد والغم.
إذن: كيف تنسبون لله ما لا تقبلونه لأنفسكم، لذلك عبَّر القرآن عن هذه المسألة بأنها قسْمة جائرة ظالمة، فقال تعالى في سورة النجم: أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم: ٢١-٢٢].
واختار هذا اللفظ الغريب الذي لم يأت في القرآن إلا مرة واحدة ليدلّ بغرابة اللفظ على غرابة القول الذي قالوه.
آية رقم ١٨
الهمزة هنا أيضاً للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي تُنشَّأ في الحلية بالولد. ومعنى أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ [الزخرف: ١٨] يعني: تُربَّى في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلاً نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نُلبسها الحَلَق والأسوْرة والثياب الجميلة على خلاف الولد.
وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ.. [الزخرف: ١٨] أي: في مواقف الجدل والدفاع غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة.
إذن: البنت التي نسبوها لله تُربَّى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خُلقَتْ للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونُزيِّنها أولاً وأخيراً لتتزوج.
وفي الغالب نلجأ للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن العرب كانت تسمي المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن أيِّ زينة.
أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاقّ، فهل يستويان؟
وهذا لا يعني أن هذه قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة القوية التي فاقتْ الرجال. تذكرون لما مُنع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطرَّ رسول الله لأنْ يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أنْ يعودَ هذا العام ويحجّ في العام الذي يليه.
عندما غضب الصحابة وثاروا وعزَّ عليهم أنْ يُمنعوا من البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فَلِمَ نعطى الدَّنية في ديننا؟
وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مُغْضَب، فقالت له: ما لي أراك مُغْضباً يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتُهم فلم يمتثلوا.
فقالت: يا رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ويشقّ عليهم أنْ يُمْنَعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوْكَ تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا جدالَ فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا إلى المدينة.
ورحمةً بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول الله وهو في الطريق وقبل أنْ يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من عودتهم هذا العام، فقال تعالى: هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ٢٥].
إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من المسلمين الذين أخفوْا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عُنْوة، وحدث بينكم وبين الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تُلحقون بهم الضرر دون علم منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على الحق.
هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطاً أن يكون الرجال جميعاً عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعاً عندهُنَّ ضعف في الرأي وعدم قدرة على الجدال، فالقاعدة لابدَّ أنْ يكون لها شواذ.
فإذا كانت القاعدةُ في النساء أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء مَنْ كانت ملكة على قومها، مثل ملكة سبأ مثلاً التي قصَّ القرآنُ قصَّتها مع سيدنا سليمان.
فهل وصلت للمُلْك لعدم وجود الرجال؟ أبداً، بل تفوقتْ بذكائها وقوة رأيها حتى سلَم لها الرجال وقدَّموها عليهم.
وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما وصفها الهدهد قال: إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣].
ولما وصلها كتاب سليمان لم تستأثر بالرأي؛ إنما شاورت أهل الرأي: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] وأخذت بمبدأ الشورى قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
ثم تحاول حَلَّ المسألة بطريقة ودية بعيدة عن العنف وإراقة الدماء لأنها تعلم طبيعة الملوك: قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٤-٣٥].
وتأمل لباقتها وسياستها في الرد لما نكّروا لها عرشها وسألوها: أَهَكَذَا عَرْشُكِ.. [النمل: ٤٢]؟ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.. [النمل: ٤٢] ولما انتهى الأمر بإسلامها قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤] فهي لم تُسلم خوفاً من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمتْ معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى.
وعندنا في مصر (شجر الدر)، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكنَّتها من تجاوز الأزمة لمَّا مات زوجها فأخفتْ نبأ موته، وأدارت هي دفّة الحكم حتى لا تفُتّ في عَضُد الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية (شجر الدر) هي التي أوصلتنا بالكعبة وهي التي كسَتْهَا، وهي امرأة.
وهذه الأمثلة ليستْ في تاريخ الإسلام فحسب، إنما أيضاً في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهُنَّ رأي وحكمة تفوق الرجال.
ويُروَى أن أُمامة بنت الحارث بن عمر تزوجتْ من عوف بن مُحلِّم الشيباني وأنجبتْ له بنتاً اسمها أم أُناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها وفصاحتها، فأراد أنْ يتزوجها عمرو بن حُجْر أمير كندة، وكان سيِّداً من سادات العرب.
فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيتَ يا بن سنان لو أنِّي خطبتُ من أيِّ حَيٍّ من العرب أيردُّونني؟ قال: نعم، أعرف مَنْ يردك، قال: مَنْ؟ قال: عوف بن مُحلِّم، قال: فهيا نذهب إليه.
فلما ذهبا ودخلا عليه قال: مرحباً بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتُكَ خاطباً، قال له: ولكنك لستَ هنالك - يعني: لستَ كُفْؤاً لأنْ تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجلٌ جاء إليك راكباً فلم يُطِلْ معك الكلام؟
فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم تستنزله؟ يعني: تستضيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: أتاني خاطباً، قالت: إنْ كان سيداً من سادات العرب وجاءك خاطباً، فمَنْ تُزوِّج بناتك إنْ لم تُزوِّجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه.
لحق عوفٌ بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو أربع عليَّ ولك عندي ما تحب، فرجع عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مُغْضَب وقلتُ لك ما قلتُ، ولكن راجعتُ نفسي، وأخذه إلى البيت.
وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطى وصغرى. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حُجْر جاء يخطبك، فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إنِّي امرأة فيَّ ردة - يعني في وجهي شيء يردُّ الناظر إليها - وفي خُلُقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا بنت عمه، وأخشى إنْ حدث شيء مني أنْ يطلقني فيصبح ذلك سُبَّة لي، قال: قُومي بارك الله فيك.
ثم ذهب إلى الوسطى فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا يا أبي إنِّي امرأة لستُ جميلة ولا صَنَاع وأخشى أنْ يُطلِّقني فيصبح ذلك سُبَّة لي.
فقال لها: قومي بارك الله فيك.
ثم جاء بالصغرى وقال لها مثل ما قال لأختيْها، فقالت له: نعم يا أبي، فأنا الحسنة خُلُقاً، والجميلة خَلْقاً، والصَّنَاع يداً، فإنْ طلَّقني فلا باركَ الله له ولا أخلف عليه.
فخرج عوف وقال لعمرو: زوَّجتُكَ ابنتي الصغرى بهيسة، ثم أعدَّ له خباءً في بيته ليدخل فيه على عروسه، فلما دخل عليها قالت له: لقد كنتُ أحببتُك واحترمتُك، لكني الآن زهدتُ فيك، قال: لم؟ قالت: أيكون هذا عند أبي وبين إخوتي، والله لا يكون أبداً.
فقال: إذن نرحل إلى ديارنا.
وأمر صاحبه ابن سنان أنْ يسير مع الركْب، وتخلَّف هو في جانب الطريق ودخل عليها، فقالت: أهكذا كما يُفعل بالسَّبية الأخيذة، والله لا يكون أبداً إلا حين تذهب إلى حَيِّكَ وتنحر وتذبح وتُطعم الناس، وتصنع ما يصنع مثلُك لمثلي.
فلما وصل إلى حَيِّه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أنْ يدخل عليها، فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حَيَّانِ يقتتلان، اذهب فأصلح بينهما أولاً، ثم لا يفوتك من أهلك شيء.
خرج عمرو وأصلح بين الحيَّيْن ودفع دِيَة القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى زوجته فلما علمتْ بما فعل قالت له: الآن يا حارث. هذه أمثلة من النساء اللاتي كان لهُنَّ عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل.
ولما أراد عمر خطبة أم أُناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي عِلْمَ ابنة عوف، فذهبتْ إلى بيت عوف وقابلتْها أمامة، وعرفتْ منها سبب مجيئها، جعلتْ أُمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخَلْق، وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا.
دخلتْ عصام على أُم أناس فوجدتها كما أرادتْ، لم تُخْفِ عنها شيئاً. فقالت: تَرَكَ الخداع من كَشَف القناع، فصارت مثلاً عند العرب حتى الآن.
فلما انتهت إلى عمرو قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءتْ بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقاً وصدقاً، ثم أخذتْ تصف له أم أُناس (من ساسها لراسها) ونكتفي هنا بوصف ما لا يحرم.
قالت: رأيتُ جبهة كالمرآة الصقيلة، يُزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، إن مشطته خِلْتَه السلاسل، وإنْ أرسلتْهُ قلتَ: عناقيد كَرْم جَلاَها الوابل، تحته حاجبان مُتقوِّسان كأنما خُطَّا بقلم أو سُوِّدا بحمم، قد تقوَّسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يُفزعها قسورة.
بينهما أنف كحدِّ السيف المصقول لم يخنس به قِصَر، ولم يُمعن به طول، حَلَّقت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجُمان، فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، ذو ثنايا غُرّ، وفيه لسان مُليء بياناً، يزينه شفتان حمراوان كأنهما الورد، يجلبان ريقاً كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به عضدان ممتلئان.. إلى آخر ما قالتْ عصام في الوصف.
وقبل أنْ تغادر أم أُناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يَفُتْ أمامة بنت الحارث أنْ توصي ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إنْ هي التزمت بها، واسمع أمامة تقول:
أي بُنيَّة.. إن الوصية لو تُركَتْ لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لِغَنى أبويها وشدَّة حاجتهما إليك كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهُنَّ خُلِق الرجال.
أي بنية.. إنك مفارقة الجو الذي منه خرجتِ، وخلفتِ العُشَّ الذي فيه درجتْ، إلى وكْر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكُنْ لكِ ذُخراً:
أما الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحُسْن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقُّد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينُه منكِ على قبيح. ولا يشمُّ أنفه منكِ إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتُرَ الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مَغْضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حَشمه وعياله، ومِلاك الأمر في المال حُسْن التدبير وفي العيال حُسْن التقدير.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تَعصِينَّ له أمراً، ولا تُفشِينَّ له سراً، فإنك إنْ خالفت أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إنْ كان مُهتماً، والكآبة بين يديه إنْ كان فَرحاً.. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ولو أخذت الزوجاتُ بهذه النصيحة لكفَتْنا شراً كثيراً من الخلافات الزوجية التي نعاني منها اليوم.
وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ.. [الزخرف: ١٨] أي: في مواقف الجدل والدفاع غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة.
إذن: البنت التي نسبوها لله تُربَّى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خُلقَتْ للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونُزيِّنها أولاً وأخيراً لتتزوج.
وفي الغالب نلجأ للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن العرب كانت تسمي المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن أيِّ زينة.
أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاقّ، فهل يستويان؟
وهذا لا يعني أن هذه قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة القوية التي فاقتْ الرجال. تذكرون لما مُنع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطرَّ رسول الله لأنْ يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أنْ يعودَ هذا العام ويحجّ في العام الذي يليه.
عندما غضب الصحابة وثاروا وعزَّ عليهم أنْ يُمنعوا من البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فَلِمَ نعطى الدَّنية في ديننا؟
وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مُغْضَب، فقالت له: ما لي أراك مُغْضباً يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتُهم فلم يمتثلوا.
فقالت: يا رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ويشقّ عليهم أنْ يُمْنَعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوْكَ تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا جدالَ فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا إلى المدينة.
ورحمةً بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول الله وهو في الطريق وقبل أنْ يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من عودتهم هذا العام، فقال تعالى: هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ٢٥].
إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من المسلمين الذين أخفوْا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عُنْوة، وحدث بينكم وبين الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تُلحقون بهم الضرر دون علم منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على الحق.
هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطاً أن يكون الرجال جميعاً عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعاً عندهُنَّ ضعف في الرأي وعدم قدرة على الجدال، فالقاعدة لابدَّ أنْ يكون لها شواذ.
فإذا كانت القاعدةُ في النساء أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء مَنْ كانت ملكة على قومها، مثل ملكة سبأ مثلاً التي قصَّ القرآنُ قصَّتها مع سيدنا سليمان.
فهل وصلت للمُلْك لعدم وجود الرجال؟ أبداً، بل تفوقتْ بذكائها وقوة رأيها حتى سلَم لها الرجال وقدَّموها عليهم.
وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما وصفها الهدهد قال: إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣].
ولما وصلها كتاب سليمان لم تستأثر بالرأي؛ إنما شاورت أهل الرأي: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] وأخذت بمبدأ الشورى قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
ثم تحاول حَلَّ المسألة بطريقة ودية بعيدة عن العنف وإراقة الدماء لأنها تعلم طبيعة الملوك: قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٤-٣٥].
وتأمل لباقتها وسياستها في الرد لما نكّروا لها عرشها وسألوها: أَهَكَذَا عَرْشُكِ.. [النمل: ٤٢]؟ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.. [النمل: ٤٢] ولما انتهى الأمر بإسلامها قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤] فهي لم تُسلم خوفاً من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمتْ معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى.
وعندنا في مصر (شجر الدر)، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكنَّتها من تجاوز الأزمة لمَّا مات زوجها فأخفتْ نبأ موته، وأدارت هي دفّة الحكم حتى لا تفُتّ في عَضُد الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية (شجر الدر) هي التي أوصلتنا بالكعبة وهي التي كسَتْهَا، وهي امرأة.
وهذه الأمثلة ليستْ في تاريخ الإسلام فحسب، إنما أيضاً في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهُنَّ رأي وحكمة تفوق الرجال.
ويُروَى أن أُمامة بنت الحارث بن عمر تزوجتْ من عوف بن مُحلِّم الشيباني وأنجبتْ له بنتاً اسمها أم أُناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها وفصاحتها، فأراد أنْ يتزوجها عمرو بن حُجْر أمير كندة، وكان سيِّداً من سادات العرب.
فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيتَ يا بن سنان لو أنِّي خطبتُ من أيِّ حَيٍّ من العرب أيردُّونني؟ قال: نعم، أعرف مَنْ يردك، قال: مَنْ؟ قال: عوف بن مُحلِّم، قال: فهيا نذهب إليه.
فلما ذهبا ودخلا عليه قال: مرحباً بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتُكَ خاطباً، قال له: ولكنك لستَ هنالك - يعني: لستَ كُفْؤاً لأنْ تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجلٌ جاء إليك راكباً فلم يُطِلْ معك الكلام؟
فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم تستنزله؟ يعني: تستضيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: أتاني خاطباً، قالت: إنْ كان سيداً من سادات العرب وجاءك خاطباً، فمَنْ تُزوِّج بناتك إنْ لم تُزوِّجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه.
لحق عوفٌ بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو أربع عليَّ ولك عندي ما تحب، فرجع عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مُغْضَب وقلتُ لك ما قلتُ، ولكن راجعتُ نفسي، وأخذه إلى البيت.
وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطى وصغرى. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حُجْر جاء يخطبك، فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إنِّي امرأة فيَّ ردة - يعني في وجهي شيء يردُّ الناظر إليها - وفي خُلُقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا بنت عمه، وأخشى إنْ حدث شيء مني أنْ يطلقني فيصبح ذلك سُبَّة لي، قال: قُومي بارك الله فيك.
ثم ذهب إلى الوسطى فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا يا أبي إنِّي امرأة لستُ جميلة ولا صَنَاع وأخشى أنْ يُطلِّقني فيصبح ذلك سُبَّة لي.
فقال لها: قومي بارك الله فيك.
ثم جاء بالصغرى وقال لها مثل ما قال لأختيْها، فقالت له: نعم يا أبي، فأنا الحسنة خُلُقاً، والجميلة خَلْقاً، والصَّنَاع يداً، فإنْ طلَّقني فلا باركَ الله له ولا أخلف عليه.
فخرج عوف وقال لعمرو: زوَّجتُكَ ابنتي الصغرى بهيسة، ثم أعدَّ له خباءً في بيته ليدخل فيه على عروسه، فلما دخل عليها قالت له: لقد كنتُ أحببتُك واحترمتُك، لكني الآن زهدتُ فيك، قال: لم؟ قالت: أيكون هذا عند أبي وبين إخوتي، والله لا يكون أبداً.
فقال: إذن نرحل إلى ديارنا.
وأمر صاحبه ابن سنان أنْ يسير مع الركْب، وتخلَّف هو في جانب الطريق ودخل عليها، فقالت: أهكذا كما يُفعل بالسَّبية الأخيذة، والله لا يكون أبداً إلا حين تذهب إلى حَيِّكَ وتنحر وتذبح وتُطعم الناس، وتصنع ما يصنع مثلُك لمثلي.
فلما وصل إلى حَيِّه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أنْ يدخل عليها، فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حَيَّانِ يقتتلان، اذهب فأصلح بينهما أولاً، ثم لا يفوتك من أهلك شيء.
خرج عمرو وأصلح بين الحيَّيْن ودفع دِيَة القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى زوجته فلما علمتْ بما فعل قالت له: الآن يا حارث. هذه أمثلة من النساء اللاتي كان لهُنَّ عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل.
ولما أراد عمر خطبة أم أُناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي عِلْمَ ابنة عوف، فذهبتْ إلى بيت عوف وقابلتْها أمامة، وعرفتْ منها سبب مجيئها، جعلتْ أُمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخَلْق، وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا.
دخلتْ عصام على أُم أناس فوجدتها كما أرادتْ، لم تُخْفِ عنها شيئاً. فقالت: تَرَكَ الخداع من كَشَف القناع، فصارت مثلاً عند العرب حتى الآن.
فلما انتهت إلى عمرو قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءتْ بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقاً وصدقاً، ثم أخذتْ تصف له أم أُناس (من ساسها لراسها) ونكتفي هنا بوصف ما لا يحرم.
قالت: رأيتُ جبهة كالمرآة الصقيلة، يُزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، إن مشطته خِلْتَه السلاسل، وإنْ أرسلتْهُ قلتَ: عناقيد كَرْم جَلاَها الوابل، تحته حاجبان مُتقوِّسان كأنما خُطَّا بقلم أو سُوِّدا بحمم، قد تقوَّسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يُفزعها قسورة.
بينهما أنف كحدِّ السيف المصقول لم يخنس به قِصَر، ولم يُمعن به طول، حَلَّقت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجُمان، فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، ذو ثنايا غُرّ، وفيه لسان مُليء بياناً، يزينه شفتان حمراوان كأنهما الورد، يجلبان ريقاً كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به عضدان ممتلئان.. إلى آخر ما قالتْ عصام في الوصف.
وقبل أنْ تغادر أم أُناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يَفُتْ أمامة بنت الحارث أنْ توصي ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إنْ هي التزمت بها، واسمع أمامة تقول:
أي بُنيَّة.. إن الوصية لو تُركَتْ لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لِغَنى أبويها وشدَّة حاجتهما إليك كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهُنَّ خُلِق الرجال.
أي بنية.. إنك مفارقة الجو الذي منه خرجتِ، وخلفتِ العُشَّ الذي فيه درجتْ، إلى وكْر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكُنْ لكِ ذُخراً:
أما الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحُسْن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقُّد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينُه منكِ على قبيح. ولا يشمُّ أنفه منكِ إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتُرَ الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مَغْضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حَشمه وعياله، ومِلاك الأمر في المال حُسْن التدبير وفي العيال حُسْن التقدير.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تَعصِينَّ له أمراً، ولا تُفشِينَّ له سراً، فإنك إنْ خالفت أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إنْ كان مُهتماً، والكآبة بين يديه إنْ كان فَرحاً.. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ولو أخذت الزوجاتُ بهذه النصيحة لكفَتْنا شراً كثيراً من الخلافات الزوجية التي نعاني منها اليوم.
آية رقم ١٩
هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، وتأتي هذه الآية بعد أنْ نسبوا إلى الله الولد وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا.. [الزخرف: ١٥] ثانياً نسبوا إلى الله البنات واستأثروا لأنفسهم بالبنين، وقد أوضح الحق سبحانه فساد معتقداتهم وردَّ عليهم بالحجة وبالدليل من واقعهم المعاش.
وهنا يصفون الملائكة الذين هم عباد الرحمن بالأنوثة وهذا افتراء آخر، يردّ الله عليهم أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ.. [الزخرف: ١٩] يعني: كيف يحكمون هذا الحكم على الملائكة، أشهدوا خلق الملائكة وعلموا أنهم إناث، ثم يهددهم سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩] ستُكتب وتُسجَّل عليهم ويُسألون عنها يوم القيامة، ويُحاسبون على كل هذه الافتراءات.
وفي موضع آخر يقول سبحانه مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
وجاء الواقع ليثبت صدق هذه الآية، ورأينا المضلين في كل زمان يُضلون الناس ويصرفونهم عن الحق، بدايةً من الذين نسبوا لله الولد، ونسبوا لله البنات، ووصفوا الملائكة بأنهم إناثٌ إلى الذين قالوا بأن الإنسان أصله قرد وتطور.
ونسأل كل هؤلاء: أشهدتُم خلق الله؟ الله الخالق يقول: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١] إذن: لا تُصدِّقوا هؤلاء فهم كذابون ومُضلون، وقد سخرهم الله تعالى لخدمة الحق، وجعلهم دليلاً على صدق كلامه.
ومن هؤلاء المضلين قوم أنكروا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نأخذ بما في القرآن فقط ولا نعترف بالسنة، وقد جاءت هذه الجماعة دليلاً على صدق سيدنا رسول الله الذي أخبر بمجيئهم قبل أربعة عشر قرناً، فقال صلى الله عليه وسلم:
وهنا يصفون الملائكة الذين هم عباد الرحمن بالأنوثة وهذا افتراء آخر، يردّ الله عليهم أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ.. [الزخرف: ١٩] يعني: كيف يحكمون هذا الحكم على الملائكة، أشهدوا خلق الملائكة وعلموا أنهم إناث، ثم يهددهم سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩] ستُكتب وتُسجَّل عليهم ويُسألون عنها يوم القيامة، ويُحاسبون على كل هذه الافتراءات.
وفي موضع آخر يقول سبحانه مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
وجاء الواقع ليثبت صدق هذه الآية، ورأينا المضلين في كل زمان يُضلون الناس ويصرفونهم عن الحق، بدايةً من الذين نسبوا لله الولد، ونسبوا لله البنات، ووصفوا الملائكة بأنهم إناثٌ إلى الذين قالوا بأن الإنسان أصله قرد وتطور.
ونسأل كل هؤلاء: أشهدتُم خلق الله؟ الله الخالق يقول: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١] إذن: لا تُصدِّقوا هؤلاء فهم كذابون ومُضلون، وقد سخرهم الله تعالى لخدمة الحق، وجعلهم دليلاً على صدق كلامه.
ومن هؤلاء المضلين قوم أنكروا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نأخذ بما في القرآن فقط ولا نعترف بالسنة، وقد جاءت هذه الجماعة دليلاً على صدق سيدنا رسول الله الذي أخبر بمجيئهم قبل أربعة عشر قرناً، فقال صلى الله عليه وسلم:
آية رقم ٢٠
هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، لذلك يرد الله عليهم بأن هذا الكلام كذب وافتراء تقولونه دون وعي ودون علم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [الزخرف: ٢٠] يعني: ما هم إلا يكذبون في هذا الادعاء.
آية رقم ٢١
لماذا يفعلون هذا؟ هل جاءهم بذلك رسول يقول لهم هذا الكلام، أو يجيز لهم أنْ يعبدوا الأصنام فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ [الزخرف: ٢١] يعني: بقوة.
آية رقم ٢٢
إذن: القضية قضية تقليد أعمى دون تفكير أو تأويل، فقالوا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] يعني: على دين أو على ملَّة أو طريقة مقصودة من الفعل (أمَّ) يعني: قصد وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم [الزخرف: ٢٢] على طريقتهم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢] يعني: هذه الطريقة هي التي تدلنا وتهدينا.
والقرآن الكريم تناول هذه القضية بتفصيل في مواضع أخرى، ففي آية قال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤].
وتأمل دقة الأداء القرآني في هاتين الآيتين، وكيف خُتمت كل آية بما يناسبها، أولاً تجد أن المعنى العام للآيتين واحد، لكنهم في الأولى قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] وفي الأخرى قالوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ [المائدة: ١٠٤].
فاستخدموا أسلوب القصر والحصر، وقصروا عبادتهم على ما وجدوا عليه الآباء، فالإعراض في هذه أقوى من الأولى، لذلك جاء ذيل الآية بما يناسب إعراضهم.
ففي الأولى قال تعالى رداً عليهم بهذا الاستفهام التعجبي أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠] وقال في الأخرى: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤] فما الفرق بين لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧٠] و لاَ يَعْلَمُونَ [المائدة: ١٠٤]؟ يعقلون يعني: هو الذي يستنبط المسائل بنفسه وبعقله، أمَّا يعلمون. أي: لا يقدر على الاستنباط إنما يعلم من استنباط غيره.
والقرآن الكريم تناول هذه القضية بتفصيل في مواضع أخرى، ففي آية قال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠].
وفي آية أخرى قال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤].
وتأمل دقة الأداء القرآني في هاتين الآيتين، وكيف خُتمت كل آية بما يناسبها، أولاً تجد أن المعنى العام للآيتين واحد، لكنهم في الأولى قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] وفي الأخرى قالوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ [المائدة: ١٠٤].
فاستخدموا أسلوب القصر والحصر، وقصروا عبادتهم على ما وجدوا عليه الآباء، فالإعراض في هذه أقوى من الأولى، لذلك جاء ذيل الآية بما يناسب إعراضهم.
ففي الأولى قال تعالى رداً عليهم بهذا الاستفهام التعجبي أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠] وقال في الأخرى: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤] فما الفرق بين لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧٠] و لاَ يَعْلَمُونَ [المائدة: ١٠٤]؟ يعقلون يعني: هو الذي يستنبط المسائل بنفسه وبعقله، أمَّا يعلمون. أي: لا يقدر على الاستنباط إنما يعلم من استنباط غيره.
آية رقم ٢٣
قوله تعالى: مِّن نَّذِيرٍ [الزخرف: ٢٣] يعني: من رسول، فما من رسول أُرسل إلا وُوجِه بهذا التكذيب وبهذا العناد إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ [الزخرف: ٢٣] المترفون هم المنعَّمون المنغَمسون في الشهوات، فهم دائماً قادة الكفر وقادة التكذيب للرسل عَلَىٰ أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٣] على ملَّة أو على طريقة وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] يعني: سائرون وسالكون نفس طريقتهم.
آية رقم ٢٤
هذا يدل على تصميمهم على الإعراض وتمسكهم بالضلال الذي هم عليه وآباؤهم.
آية رقم ٢٥
لأن هذه سُنة الله في الرسل وفي كلِّ مُكذِّب للرسل وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ثم يأتي الحق سبحانه بما يفسد عملية التقليد هذه ويبطلها ويُبيِّن كذبهم فيها، فيقول تعالى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ... .
ثم يأتي الحق سبحانه بما يفسد عملية التقليد هذه ويبطلها ويُبيِّن كذبهم فيها، فيقول تعالى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ... .
آية رقم ٢٦
يريد الحق سبحانه أنْ يكشف زيفهم ويفضح كذبهم في قولهم بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ [البقرة: ١٧٠] ويسوق لهم الدليل الواقعي من واقع حياتهم، فها هو سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ومحطّ أنظار العرب جميعاً يُقدِّسونه ويفتخرون بالانتساب إليه.
يقولون: نحن من نسل إبراهيم، وإبراهيم لم يُقلِّد أباه في عبادته للأصنام، فلماذا تقلدون أنتم آباءكم ولم تقلدوا إبراهيم؟
فالحق سبحانه ينقض مسألة التقليد عملياً في قصة سيدنا إبراهيم وينقضها فلسفياً أيضاً، فلو تتبعتَ الوجود الأول لم نجد إلا آدم عليه السلام، وآدم جاء بمنهج وسار عليه وسار عليه أولاده من بعده، فكيف حدث الانحراف عن هذا المنهج؟
إذن: لا بدَّ أنه جاء مع مرور الزمان أنَاسٌ خرجوا على المنهج وقلبوا الحقائق لهوىً في أنفسهم، ومن هؤلاء جاء جيل يعبد الأصنام، لأنهم غير محكومين بمنهج السماء ولا بقضية التكاليف: افعل ولا تفعل، فناسبهم عبادة آلهة لا تكليفَ عندها، لذلك عبدوا الأصنام.
قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ [الزخرف: ٢٦] دار حولها جدلٌ واسع بين العلماء: أهو أبوه الحقيقي أو هو عمه آزر؟ المتتبع لكلمة (أبيه) في القرآن يجد أنها وردت ثماني مرات، أولها في سورة الأنعام وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] وآخرها في سورة الممتحنة، ولم تأت كلمة (لأبيه) بعد ذلك إلا مرة واحدة في قصة سيدنا يوسف إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ [يوسف: ٤].
إذن: لم تأتِ آزر إلا في آية الأنعام فقط، وهي أول الآيات الثمانية، فكأن الحق سبحانه حسم الخلاف في هذه المسألة، فأراد أنْ يُبيِّن لنا أن آزر عمه، بدليل أنه قال لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] وفي باقي المواضع قال (لأبيه) أي: الذي عرفتموه أولاً. أي: في سورة الأنعام.
وهذا أمر شائع في لغتنا أن نقول للعم أب، فحين يسأل رجل: أبوك موجود؟ تفهم أنه يريد الأب الحقيقي، إنما لو قال لك: أبوك محمد موجود؟ فهو يقصد عمك لأنه حدَّده بالعَلَم بعد الوصف.
والقرآن يُدخل العَمَّ ضمن الآباء في قوله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة: ١٣٣].
فكلمة آبَائِكَ [البقرة: ١٣٣] جمع يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، وإسماعيل أخو إسحاق، وإنْ كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أباً، بل هو عَمّ. إذن: سُمِّيَ العَمُّ أباً.
لذلك الحق سبحانه في أول آية تتكلم عن سيدنا إبراهيم ذكر لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] ليُبيِّن أن آزر الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، إنما هو عمه.
ونجد دليلاً على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم: وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أنْ يكون أبو إبراهيم كافراً عابداً للأصنام.
وقوله: إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف: ٢٦] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء تُقَال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتُثنَّى وتُجمع، وتُذكَّر وتُؤنَّث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو: فَإِنَّهُمْ [الشعراء: ٧٧] أي: الأصنام عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٧] فما دام في المسألة شِرْك أو كفر بالله فأنا أتبرّأ منه.
يقولون: نحن من نسل إبراهيم، وإبراهيم لم يُقلِّد أباه في عبادته للأصنام، فلماذا تقلدون أنتم آباءكم ولم تقلدوا إبراهيم؟
فالحق سبحانه ينقض مسألة التقليد عملياً في قصة سيدنا إبراهيم وينقضها فلسفياً أيضاً، فلو تتبعتَ الوجود الأول لم نجد إلا آدم عليه السلام، وآدم جاء بمنهج وسار عليه وسار عليه أولاده من بعده، فكيف حدث الانحراف عن هذا المنهج؟
إذن: لا بدَّ أنه جاء مع مرور الزمان أنَاسٌ خرجوا على المنهج وقلبوا الحقائق لهوىً في أنفسهم، ومن هؤلاء جاء جيل يعبد الأصنام، لأنهم غير محكومين بمنهج السماء ولا بقضية التكاليف: افعل ولا تفعل، فناسبهم عبادة آلهة لا تكليفَ عندها، لذلك عبدوا الأصنام.
قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ [الزخرف: ٢٦] دار حولها جدلٌ واسع بين العلماء: أهو أبوه الحقيقي أو هو عمه آزر؟ المتتبع لكلمة (أبيه) في القرآن يجد أنها وردت ثماني مرات، أولها في سورة الأنعام وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] وآخرها في سورة الممتحنة، ولم تأت كلمة (لأبيه) بعد ذلك إلا مرة واحدة في قصة سيدنا يوسف إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ [يوسف: ٤].
إذن: لم تأتِ آزر إلا في آية الأنعام فقط، وهي أول الآيات الثمانية، فكأن الحق سبحانه حسم الخلاف في هذه المسألة، فأراد أنْ يُبيِّن لنا أن آزر عمه، بدليل أنه قال لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] وفي باقي المواضع قال (لأبيه) أي: الذي عرفتموه أولاً. أي: في سورة الأنعام.
وهذا أمر شائع في لغتنا أن نقول للعم أب، فحين يسأل رجل: أبوك موجود؟ تفهم أنه يريد الأب الحقيقي، إنما لو قال لك: أبوك محمد موجود؟ فهو يقصد عمك لأنه حدَّده بالعَلَم بعد الوصف.
والقرآن يُدخل العَمَّ ضمن الآباء في قوله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة: ١٣٣].
فكلمة آبَائِكَ [البقرة: ١٣٣] جمع يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، وإسماعيل أخو إسحاق، وإنْ كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أباً، بل هو عَمّ. إذن: سُمِّيَ العَمُّ أباً.
لذلك الحق سبحانه في أول آية تتكلم عن سيدنا إبراهيم ذكر لأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] ليُبيِّن أن آزر الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، إنما هو عمه.
ونجد دليلاً على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم: وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أنْ يكون أبو إبراهيم كافراً عابداً للأصنام.
وقوله: إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف: ٢٦] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء تُقَال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتُثنَّى وتُجمع، وتُذكَّر وتُؤنَّث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو: فَإِنَّهُمْ [الشعراء: ٧٧] أي: الأصنام عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٧] فما دام في المسألة شِرْك أو كفر بالله فأنا أتبرّأ منه.
آية رقم ٢٧
ﮋﮌﮍﮎﮏ
ﮐ
معنى: فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٧] خلقني وأبدعني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧] دلَّتْ على أن المنهج لا بدَّ أن يكون من الذي خلق، فهو الذي يضع المنهج، وهو الذي يهدي، ولا يصح أن الله يخلق والناس تضع المنهج.
كما قلنا في مسألة الصانع الذي يضع (كتالوج) لصيانة صَنْعته لأنه الأدْرى بها الخبير بما يُصلحها.
هنا قال: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧] بالسين الدالة على الاستقبال، وفي موضع آخر قال فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] بالمضارع، وهذا يدل على الهداية من الله متصلة في الحاضر والمستقبل.
ولأن الهداية والمنهج لا يكون إلا من الذي خلق؛ استخدم أسلوب القصر: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧] وفي آية الشعراء ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٧٨-٨٠].
فقدَّم الضمير المنفصل على الفعل، ليدل على قَصْر الفعل على الله تعالى، لأن هذه الأفعال بها شُبْهة المشاركة مع الله تعالى، أما في الأفعال التي لله وحده لا شبهةَ للمشاركة فيها، فتأتي بدون قَصْر: وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: ٨١].
كما قلنا في مسألة الصانع الذي يضع (كتالوج) لصيانة صَنْعته لأنه الأدْرى بها الخبير بما يُصلحها.
هنا قال: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧] بالسين الدالة على الاستقبال، وفي موضع آخر قال فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: ٧٨] بالمضارع، وهذا يدل على الهداية من الله متصلة في الحاضر والمستقبل.
ولأن الهداية والمنهج لا يكون إلا من الذي خلق؛ استخدم أسلوب القصر: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧] وفي آية الشعراء ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٧٨-٨٠].
فقدَّم الضمير المنفصل على الفعل، ليدل على قَصْر الفعل على الله تعالى، لأن هذه الأفعال بها شُبْهة المشاركة مع الله تعالى، أما في الأفعال التي لله وحده لا شبهةَ للمشاركة فيها، فتأتي بدون قَصْر: وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: ٨١].
آية رقم ٢٨
قوله تعالى وَجَعَلَهَا [الزخرف: ٢٨] أي سيدنا إبراهيم جعل كلمة البراءة من الشرك، أو كلمة التوحيد التي وردتْ في قوله تعالى: وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢].
جعل هذه الكلمة بَاقِيَةً [الزخرف: ٢٨] سائرة فِي عَقِبِهِ [الزخرف: ٢٨] في ذريته من بعده، وما زالت هذه الكلمةُ باقيةً ودائرة على ألسنة الناس حتى يوم القيامة، لأنها كلمةٌ طيبة، والكلمة الطيبة ضَمنَ الحق سبحانه لها البقاء في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
وسماها كلمة مع أنها كلام، لأن الكلمة في اللغة تُطلق على الكلام، كما نقول: ألقى فلانٌ كلمة في الحفل، وابنُ مالك في الألفية يقول:
وكَلِمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤمّ
يعني: نقصد بالكلمة الكلام الكثير.
جعل هذه الكلمة بَاقِيَةً [الزخرف: ٢٨] سائرة فِي عَقِبِهِ [الزخرف: ٢٨] في ذريته من بعده، وما زالت هذه الكلمةُ باقيةً ودائرة على ألسنة الناس حتى يوم القيامة، لأنها كلمةٌ طيبة، والكلمة الطيبة ضَمنَ الحق سبحانه لها البقاء في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: ٢٤-٢٥].
وسماها كلمة مع أنها كلام، لأن الكلمة في اللغة تُطلق على الكلام، كما نقول: ألقى فلانٌ كلمة في الحفل، وابنُ مالك في الألفية يقول:
وكَلِمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤمّ
يعني: نقصد بالكلمة الكلام الكثير.
آية رقم ٢٩
قلنا: إن المنهج ينطمس وينصرف الناسُ عنه بمرور الزمن حتى تدعوَ الحاجةُ لنبي جديد يُعيد الناس إلى الجادَّة، لأن الحق سبحانه خلق في النفس البشرية مناعة طبيعية لأنه خليفة الله في أرضه، فهو الذي سيعمر هذه الأرض، فلا بدَّ أن يُوفر له أسباب الاستقامة والحركة الإيجابية التي يعمر بها الأرض.
لذلك نرى الإنسان السَّوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يُسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرْءُ في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعةَ لم يَبْق إلا أن تتدخَّل السماء برسول جديد ومنهج جديد.
إذن: حدث الانصرافُ عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه لَعَلَّهُمْ أي: ذريته من بعده يَرْجِعُونَ أي: إلى الله.
لكن لم يحدث، فقال سبحانه: بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ أي: كفار مكة وَآبَآءَهُمْ بالجاه والسلطان والنعيم والأمن أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلَّتْ لهم هذه المنزلة حَتَّىٰ جَآءَهُمُ الْحَقُّ أي: القرآن وَرَسُولٌ مُّبِينٌ أي: محمد صلى الله عليه وسلم و مُّبِينٌ يعني: يظهر الحقَّ على يديه وفي كل شيء فيه.
لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدَّقوا بهذا الرسول؟ لا
لذلك نرى الإنسان السَّوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يُسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرْءُ في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعةَ لم يَبْق إلا أن تتدخَّل السماء برسول جديد ومنهج جديد.
إذن: حدث الانصرافُ عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه لَعَلَّهُمْ أي: ذريته من بعده يَرْجِعُونَ أي: إلى الله.
لكن لم يحدث، فقال سبحانه: بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ أي: كفار مكة وَآبَآءَهُمْ بالجاه والسلطان والنعيم والأمن أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلَّتْ لهم هذه المنزلة حَتَّىٰ جَآءَهُمُ الْحَقُّ أي: القرآن وَرَسُولٌ مُّبِينٌ أي: محمد صلى الله عليه وسلم و مُّبِينٌ يعني: يظهر الحقَّ على يديه وفي كل شيء فيه.
لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدَّقوا بهذا الرسول؟ لا
آية رقم ٣٠
قلنا: إن المنهج ينطمس وينصرف الناسُ عنه بمرور الزمن حتى تدعوَ الحاجةُ لنبي جديد يُعيد الناس إلى الجادَّة، لأن الحق سبحانه خلق في النفس البشرية مناعة طبيعية لأنه خليفة الله في أرضه، فهو الذي سيعمر هذه الأرض، فلا بدَّ أن يُوفر له أسباب الاستقامة والحركة الإيجابية التي يعمر بها الأرض.
لذلك نرى الإنسان السَّوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يُسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرْءُ في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعةَ لم يَبْق إلا أن تتدخَّل السماء برسول جديد ومنهج جديد.
إذن: حدث الانصرافُ عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه لَعَلَّهُمْ [الزخرف: ٢٨] أي: ذريته من بعده يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٨] أي: إلى الله.
لكن لم يحدث، فقال سبحانه: بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ [الزخرف: ٢٩] أي: كفار مكة وَآبَآءَهُمْ [الزخرف: ٢٩] بالجاه والسلطان والنعيم والأمن أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلَّتْ لهم هذه المنزلة حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ [الزخرف: ٢٩] أي: القرآن وَرَسُولٌ مُّبِينٌ [الزخرف: ٢٩] أي: محمد صلى الله عليه وسلم و مُّبِينٌ [الزخرف: ٢٩] يعني: يظهر الحقَّ على يديه وفي كل شيء فيه.
لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدَّقوا بهذا الرسول؟ لا وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٣٠] أي: أن القرآن سحرٌ يَسحر مَن استمعه، وفي موضع آخر قالوا عن الرسول أنه ساحر.
وقلنا: إن الرد على هذا الافتراء سهلٌ، فلو كان القرآن سحراً ولو كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، وتنتهي المسألة؟ إذن: وجودكم على الكفر دليلُ صدق محمد، وأنه نبي ليس بساحر.
ولما لم تفلح هذه الشبهة قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] أي: أن رسول الله يختلف إلى رجل فارسي يُعلِّمه القرآن، فرد الله عليهم لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم: مجنون، فردَّ الله عليهم: مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٢-٤] والمجنون لا يكون صاحب خُلْق عظيم، لأن الخُلقَ يضبط سلوك صاحبه.
فلما أبطل الحق سبحانه دعاواهم وافتراءاتهم وردّ عليهم بما يُظهر غباءهم قالوا:
وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا... .
لذلك نرى الإنسان السَّوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يُسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرْءُ في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعةَ لم يَبْق إلا أن تتدخَّل السماء برسول جديد ومنهج جديد.
إذن: حدث الانصرافُ عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه لَعَلَّهُمْ [الزخرف: ٢٨] أي: ذريته من بعده يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٨] أي: إلى الله.
لكن لم يحدث، فقال سبحانه: بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ [الزخرف: ٢٩] أي: كفار مكة وَآبَآءَهُمْ [الزخرف: ٢٩] بالجاه والسلطان والنعيم والأمن أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلَّتْ لهم هذه المنزلة حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ [الزخرف: ٢٩] أي: القرآن وَرَسُولٌ مُّبِينٌ [الزخرف: ٢٩] أي: محمد صلى الله عليه وسلم و مُّبِينٌ [الزخرف: ٢٩] يعني: يظهر الحقَّ على يديه وفي كل شيء فيه.
لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدَّقوا بهذا الرسول؟ لا وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٣٠] أي: أن القرآن سحرٌ يَسحر مَن استمعه، وفي موضع آخر قالوا عن الرسول أنه ساحر.
وقلنا: إن الرد على هذا الافتراء سهلٌ، فلو كان القرآن سحراً ولو كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، وتنتهي المسألة؟ إذن: وجودكم على الكفر دليلُ صدق محمد، وأنه نبي ليس بساحر.
ولما لم تفلح هذه الشبهة قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] أي: أن رسول الله يختلف إلى رجل فارسي يُعلِّمه القرآن، فرد الله عليهم لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم: مجنون، فردَّ الله عليهم: مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٢-٤] والمجنون لا يكون صاحب خُلْق عظيم، لأن الخُلقَ يضبط سلوك صاحبه.
فلما أبطل الحق سبحانه دعاواهم وافتراءاتهم وردّ عليهم بما يُظهر غباءهم قالوا:
وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا... .
آية رقم ٣١
وهذا إقرار منهم بأن القرآن حَقّ ولا اعتراضَ عليه، إنما اعتراضهم على شخص رسول الله، وأنه من أوسط الناس وليس عظيماً من عظمائهم، ولا سيداً من ساداتهم في القريتين أي: مكة والطائف. وقد كان في الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وفي مكة الوليد بن المغيرة وغيرهم. فردَّ الله عليهم: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ....
آية رقم ٣٢
يعني: إذا كنا قسمنا بينهم أبسط الأشياء وهي معايشهم في الدنيا أيريدون هم أنْ يقسموا رحمة الله وفضل الله حسْب أهوائهم، ورحمة الله يختصُّ بها مَنْ يشاء من عباده، فهي من يده سبحانه لا دخَلْ لأحد في توزيعها.
فقوله تعالى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ دلَّ على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح إلا بمنهج الله الذي ينظمها.
ومن حكمة هذه القسمة أنْ جعل بعضَ الناس أغنياء وبعضهم فقراء، بعضهم سادةٌ وبعضهم خَدَم، ولولا هذه القسمة ما استقامتْ حركة المجتمع وما وجدنا مَنْ يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة.
وسبق أنْ أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضُّل، إنما على الحاجة، فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل.
والرحمة المرادة هنا أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ هي النبوة، فهم يطمعون في أنْ يجعلوها اختياراً يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق سبحانه يُصحِّح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة أبسط الأشياء؟
ثم تلاحظ أن كلمة وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ كلمة مبهمة تعني أن الكلّ مرفوع ومرفوع عليه، مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر.
وهكذا يتكامل الخَلْق، وتتم المصالح، وتُقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر:
فأنت مرفوع فيما تُحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا معنى قوله تعالى: لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً..
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخَلْق إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خيرٌ من هذا المتاع الزائل الذي تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء.
أما منهج الله فيُورثك فوزاً باقياً تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير وهو أبْقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاحَ الدنيا وسلامة الآخرة؛ لذلك كان هو خَيْرٌ من كل ما تراه من بريق الدنيا.
فقوله تعالى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ دلَّ على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح إلا بمنهج الله الذي ينظمها.
ومن حكمة هذه القسمة أنْ جعل بعضَ الناس أغنياء وبعضهم فقراء، بعضهم سادةٌ وبعضهم خَدَم، ولولا هذه القسمة ما استقامتْ حركة المجتمع وما وجدنا مَنْ يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة.
وسبق أنْ أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضُّل، إنما على الحاجة، فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل.
والرحمة المرادة هنا أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ هي النبوة، فهم يطمعون في أنْ يجعلوها اختياراً يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق سبحانه يُصحِّح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة أبسط الأشياء؟
ثم تلاحظ أن كلمة وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ كلمة مبهمة تعني أن الكلّ مرفوع ومرفوع عليه، مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر.
وهكذا يتكامل الخَلْق، وتتم المصالح، وتُقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر:
فأنت مرفوع فيما تُحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا معنى قوله تعالى: لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً..
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخَلْق إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خيرٌ من هذا المتاع الزائل الذي تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء.
أما منهج الله فيُورثك فوزاً باقياً تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير وهو أبْقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاحَ الدنيا وسلامة الآخرة؛ لذلك كان هو خَيْرٌ من كل ما تراه من بريق الدنيا.
آية رقم ٣٣
معنى أُمَّةً وَاحِدَةً [الزخرف: ٣٣] يعني: على دين واحد مجتمعين على الكفر، ولولا أن الناس يروْنَ الكافرين مُنعَّمين فيفتنون بهم لجعلتُ لهم كلَّ هذا النعيم، بحيث لا يكون أحدٌ أفضلَ منهم لأن هذا النعيم نعيم الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإنْ كانت الدنيا لحساب الكافرين فالآخرين للمتقين.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
آية رقم ٣٤
ﭑﭒﭓﭔﭕ
ﭖ
معنى أُمَّةً وَاحِدَةً [الزخرف: ٣٣] يعني: على دين واحد مجتمعين على الكفر، ولولا أن الناس يروْنَ الكافرين مُنعَّمين فيفتنون بهم لجعلتُ لهم كلَّ هذا النعيم، بحيث لا يكون أحدٌ أفضلَ منهم لأن هذا النعيم نعيم الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإنْ كانت الدنيا لحساب الكافرين فالآخرين للمتقين.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
آية رقم ٣٥
معنى أُمَّةً وَاحِدَةً [الزخرف: ٣٣] يعني: على دين واحد مجتمعين على الكفر، ولولا أن الناس يروْنَ الكافرين مُنعَّمين فيفتنون بهم لجعلتُ لهم كلَّ هذا النعيم، بحيث لا يكون أحدٌ أفضلَ منهم لأن هذا النعيم نعيم الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإنْ كانت الدنيا لحساب الكافرين فالآخرين للمتقين.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣] يعني: يصعدون ويرتقون.
فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل.
وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
آية رقم ٣٦
معنى: يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ يعني: يُعرض عنه أو يتعامى ويغفل عنه، ولأنه غفل عن شيء هام لا ينبغي أن يغفل عنه أو يعرض يعاقبه الله نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً نعد له شيطاناً ونهيئ له شيطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يعني: ملازم له يضله ويوسوس له.
قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خَلْقه، وهو ربّ المؤمن وربّ الكافر، لذلك يُعين كلاً على ما يريد، فمَنْ أراد الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومَنْ أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتَى هنا بصفة (الرحمن).
لذلك أكثر ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه...
قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خَلْقه، وهو ربّ المؤمن وربّ الكافر، لذلك يُعين كلاً على ما يريد، فمَنْ أراد الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومَنْ أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتَى هنا بصفة (الرحمن).
لذلك أكثر ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه...
آية رقم ٣٧
أي: هؤلاء القرناء قرناء السوء لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ [الزخرف: ٣٧] يعني: يصرفونهم ويمنعونهم عن الحق وعن الطريق المستقيم وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٣٧].
لذلك قال في موضع آخر: وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً * يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان: ٢٧-٢٩].
وقرناء السوء قرناء في الدنيا فحسب، أما في الآخرة فسيكونون أعداء، يلوم كُلٌّ منهم صاحبه ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كذلك الشيطان سيتبرأ من أتباعه ويخذلهم في الآخرة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
وقد علَّمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف نتحصَّن من الشيطان، فقال: وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠].
لذلك قال في موضع آخر: وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً * يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان: ٢٧-٢٩].
وقرناء السوء قرناء في الدنيا فحسب، أما في الآخرة فسيكونون أعداء، يلوم كُلٌّ منهم صاحبه ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كذلك الشيطان سيتبرأ من أتباعه ويخذلهم في الآخرة: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢].
وقد علَّمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف نتحصَّن من الشيطان، فقال: وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠].
آية رقم ٣٨
قوله تعالى: بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف: ٣٨] بُعْد المشرق من المغرب، وهذا الأسلوب يُسمَّى في اللغة (التغليب)، لأن المشرق يقابله المغرب، والعرب في المتقابلات تُغلب أحدهما على الآخر، كما يقولون مثلاً في الشيخين أبي بكر وعمر يقولون (العمرين).
وحينما نتأمل في المشرق والمغرب من الناحية الفلكية الجغرافية نجد أن المشرق مغرب آخرين، والمغرب مشرق آخرين، إذن: كلاهما مشرق، وكلاهما مغرب.
وحينما نتأمل في المشرق والمغرب من الناحية الفلكية الجغرافية نجد أن المشرق مغرب آخرين، والمغرب مشرق آخرين، إذن: كلاهما مشرق، وكلاهما مغرب.
آية رقم ٣٩
لأن هذه بلوى عامة تشمل الجميع، فالبلوى حينما تصيب رجلاً واحداً من بين الناس يعز عليه ذلك، ويشق عليه أن يحزن والآخرون سعداء، لكن لمَّا تعمُّ البلوى تهون ويخفّ وَطْؤها على الجماعة لمشاعر المشاركة، حتى ولو كانت المشاركة في الحزن.
وهذا المعنى عبَّرتْ عنه الخنساء في رثائها لأخيها صخر حين قالت:
وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي عَلَى إخْوانِهمْ لَقتلْتُ نَفْسي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي ولَكِنْ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي
وقال آخر:
وَهوَّنَ فجَعاتِ المصَائِب أنَّني وَإنْ هَصَرَتْنِي لَسْتُ في مُرِّهَا وَحْدِي
نعم، إذا عمَّتْ المصائب هانتْ، لكن هذا في مصائب الدنيا، أما مصيبة الآخرة فلا تهون ولا تُخفَّف وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ [الزخرف: ٣٩] أي: يوم القيامة إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩].
وهذا المعنى عبَّرتْ عنه الخنساء في رثائها لأخيها صخر حين قالت:
وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي عَلَى إخْوانِهمْ لَقتلْتُ نَفْسي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي ولَكِنْ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي
وقال آخر:
وَهوَّنَ فجَعاتِ المصَائِب أنَّني وَإنْ هَصَرَتْنِي لَسْتُ في مُرِّهَا وَحْدِي
نعم، إذا عمَّتْ المصائب هانتْ، لكن هذا في مصائب الدنيا، أما مصيبة الآخرة فلا تهون ولا تُخفَّف وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ [الزخرف: ٣٩] أي: يوم القيامة إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩].
آية رقم ٤٠
المعنى - والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفِّر نفسك يا محمد، ولا تُجهدها ولا تُحملها مَا لا تُطيق في سبيل هداية هؤلاء.
ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يُبصرون ويسمعون، يسمعون الحق ولا يتبعونه، ويروْنَ الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ [الحج: ٤٦] إذن: هم مُعرضون معاندون متكبِّرون عن قبول الحق.
وهذا هو معنى الضلال في وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الزخرف: ٤٠].
وهل هناك ضلال أبْيَن وأوضح من ضلال مَنْ يرى الحق ولا يتبعه؟
والحق سبحانه وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلاً يشقُّ على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] وخطابه بقوله إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ [الشورى: ٤٨] ذلك لأن رسول الله كان محباً لرسالته، ومحباً لمنهجه، محباً لأمته جميعاً يريد أنْ يُذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أنْ يُطبِّق في نفسه أنْ تحب لأخيك ما تحبّ لنفسك.
ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يُبصرون ويسمعون، يسمعون الحق ولا يتبعونه، ويروْنَ الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى.
لذلك قال سبحانه في موضع آخر: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ [الحج: ٤٦] إذن: هم مُعرضون معاندون متكبِّرون عن قبول الحق.
وهذا هو معنى الضلال في وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الزخرف: ٤٠].
وهل هناك ضلال أبْيَن وأوضح من ضلال مَنْ يرى الحق ولا يتبعه؟
والحق سبحانه وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلاً يشقُّ على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] وخطابه بقوله إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ [الشورى: ٤٨] ذلك لأن رسول الله كان محباً لرسالته، ومحباً لمنهجه، محباً لأمته جميعاً يريد أنْ يُذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أنْ يُطبِّق في نفسه أنْ تحب لأخيك ما تحبّ لنفسك.
آية رقم ٤١
ﮜﮝﮞﮟﮠﮡ
ﮢ
يعني: يا محمد اطمئن، فإنْ متّ فسوف نُريك عذابهم وانتقامنا منهم في الآخرة، وإنْ كنتَ موجوداً على قيد الحياة سنُريك عذابهم المعجَّل لهم في الدنيا.
ومعنى ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٤٢] يعني: عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤٢] مقتدرون: مبالغة من قادر، يعني: نحن مقتدرون عليهم متمكِّنون من إنزال العذاب بهم، ولن يُفلتوا منا.
ومعنى ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٤٢] يعني: عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤٢] مقتدرون: مبالغة من قادر، يعني: نحن مقتدرون عليهم متمكِّنون من إنزال العذاب بهم، ولن يُفلتوا منا.
آية رقم ٤٢
يعني: يا محمد اطمئن، فإنْ متّ فسوف نُريك عذابهم وانتقامنا منهم في الآخرة، وإنْ كنتَ موجوداً على قيد الحياة سنُريك عذابهم المعجَّل لهم في الدنيا.
ومعنى ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٤٢] يعني: عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤٢] مقتدرون: مبالغة من قادر، يعني: نحن مقتدرون عليهم متمكِّنون من إنزال العذاب بهم، ولن يُفلتوا منا.
ومعنى ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٤٢] يعني: عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤٢] مقتدرون: مبالغة من قادر، يعني: نحن مقتدرون عليهم متمكِّنون من إنزال العذاب بهم، ولن يُفلتوا منا.
آية رقم ٤٣
يعني: تمسَّك بقوة بما يُلقَى إليك من الوحي، ولا يغرنك إعراضهم عن دين الله، لأنك أنت على الحق وهم على الباطل إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الزخرف: ٤٣] طريق قويم معتدل.
آية رقم ٤٤
قوله تعالى وَإِنَّهُ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن الكريم الذي أُرسلْتَ به يا محمد، هذا الكتاب منهج حياة وهو معجزة باقية خالدة إلى قيام الساعة، وهذا القرآن لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] يعني: شرف وعِزَّة وفَخْر لك ولقومك - أي العرب - لأنه نزل بالعربية، وكم عَزَّ أقوام بعزِّ لغات.
فشرفٌ للعربية، وشرفٌ لكلِّ عربي أنْ ينزل القرآن بها، والإنسان في طبْعه يحب الفخر، ويحب الشهرة وذيوع الصيت، ولا يخفى على أحد الآن أن القرآن هو الذي أعطى العربية مكانتها بين لغات العالم.
ولولا القرآن لاندثرتْ العربية كما اندثر غيرها من اللغات، ونجد الآن كثيرين من أمم أخرى يُقبلون على تعلُّم العربية وإجادتها ليتمكَّنوا من حفظ القرآن وتفسيره وفهْم معانيه.
فشرفٌ للعربية، وشرفٌ لكلِّ عربي أنْ ينزل القرآن بها، والإنسان في طبْعه يحب الفخر، ويحب الشهرة وذيوع الصيت، ولا يخفى على أحد الآن أن القرآن هو الذي أعطى العربية مكانتها بين لغات العالم.
ولولا القرآن لاندثرتْ العربية كما اندثر غيرها من اللغات، ونجد الآن كثيرين من أمم أخرى يُقبلون على تعلُّم العربية وإجادتها ليتمكَّنوا من حفظ القرآن وتفسيره وفهْم معانيه.
آية رقم ٤٥
هنا وقفة تأمل لنفهم الآية وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ كيف يسألهم رسول الله وهم أموات، لماذا يأمره ربه عزَّ وجل هذا الأمر؟ وإذا أمر الحق سبحانه رسوله أمراً وجب عليه أن يطيع.
وقد هيَّأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلاً بإخوانه الأنبياء السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماماً في بيت المقدس وهم أموات بقانون الموت وهو حَيٌّ بقانون الأحياء.
وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى أنْ جعلها الله خمساً.
فإنْ قلتَ: كيف يجتمع الضِّدان (ميت) و (حي) ويكون بينهما كلامٌ وتفاهم؟ نقول: يجوز ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحيِّ والميت.
وسبق أنْ قلنا: إنه ينبغي أنْ ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غَيْبٌ نؤمن به وننسب كلَّ عجيب فيها إلى مُنشئ هذا العجب.
تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ألقوْهُ في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إنْ أرادها الله بَرْداً وسلاماً وهي ما زالت ناراً مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وتعطَّل فيها قانون الإحراق.
ولو شاء سبحانه لسخَّر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما تمكَّنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكَّنهم الله من إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي طلاقة القدرة.
كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب بها البحرَ فانفلقَ، وتجمَّد فيه الماءُ حتى صار كل فِرْق كالطوْد العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، فالحق يعطينا لقطاتٍ لطلاقة القدرة وخَرْق العادة والقوانين لنقيسَ عليها.
بعض المفسِّرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت -ويُؤوِّلون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أنْ يُفلتوا من مسألة التقاء الحيِّ بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، لكن لا غرابةَ في ذلك ولا عجبَ لأن الفاعل مَنْ؟ الله.
أو: أن المراد بالسؤال في وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ليس السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العِظَة والاعتبار على حَدِّ قول الخطيب مثلاً في خطبة الجمعة: سَل الأرض مَنْ أجرى فيها الأنهار، ومَنْ أنبت فيها الأشجار، سَل الروض مُزداناً، سَل الماء جارياً.. إلخ. إذن: ليس المراد أنْ نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ونتأمل.
كذلك في قوله سبحانه: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ..
لكن اسألَ رسولُ الله مَنْ قبله من الرسل عن هذه المسألة أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله في غِنًى عن هذا السؤال، فرسولُ الله ليس في حاجة لمَنْ يؤكد له أنه ليس مع الله آلهةٌ تُعبد.
لذلك ورد عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كُشِفَ عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات إيماناً راسخاً مستقراً، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كُشف لي ما زاد في يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدقُ من رؤيتنا له...
والاستفهام في أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يُراد منه النفي والإنكار، فعبادةُ غير الله أمر غير وارد من الرسل، إذن: هو من صُنْع البشر، استحدثوه لإرضاء أهوائهم في أنْ يكونَ لهم معبود، لكن معبودٌ على هواهم، معبود لا يُقيد شهواتهم ورغباتهم بمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا).
ومن هنا عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب وغيرها، وكلها معبوداتٌ بزعمهم هم- ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شرَّعها في أيِّ شريعة من الشرائع.
وقد هيَّأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلاً بإخوانه الأنبياء السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماماً في بيت المقدس وهم أموات بقانون الموت وهو حَيٌّ بقانون الأحياء.
وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى أنْ جعلها الله خمساً.
فإنْ قلتَ: كيف يجتمع الضِّدان (ميت) و (حي) ويكون بينهما كلامٌ وتفاهم؟ نقول: يجوز ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحيِّ والميت.
وسبق أنْ قلنا: إنه ينبغي أنْ ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غَيْبٌ نؤمن به وننسب كلَّ عجيب فيها إلى مُنشئ هذا العجب.
تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ألقوْهُ في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إنْ أرادها الله بَرْداً وسلاماً وهي ما زالت ناراً مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وتعطَّل فيها قانون الإحراق.
ولو شاء سبحانه لسخَّر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما تمكَّنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكَّنهم الله من إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي طلاقة القدرة.
كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب بها البحرَ فانفلقَ، وتجمَّد فيه الماءُ حتى صار كل فِرْق كالطوْد العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، فالحق يعطينا لقطاتٍ لطلاقة القدرة وخَرْق العادة والقوانين لنقيسَ عليها.
بعض المفسِّرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت -ويُؤوِّلون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أنْ يُفلتوا من مسألة التقاء الحيِّ بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، لكن لا غرابةَ في ذلك ولا عجبَ لأن الفاعل مَنْ؟ الله.
أو: أن المراد بالسؤال في وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ليس السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العِظَة والاعتبار على حَدِّ قول الخطيب مثلاً في خطبة الجمعة: سَل الأرض مَنْ أجرى فيها الأنهار، ومَنْ أنبت فيها الأشجار، سَل الروض مُزداناً، سَل الماء جارياً.. إلخ. إذن: ليس المراد أنْ نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ونتأمل.
كذلك في قوله سبحانه: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ..
لكن اسألَ رسولُ الله مَنْ قبله من الرسل عن هذه المسألة أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله في غِنًى عن هذا السؤال، فرسولُ الله ليس في حاجة لمَنْ يؤكد له أنه ليس مع الله آلهةٌ تُعبد.
لذلك ورد عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كُشِفَ عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات إيماناً راسخاً مستقراً، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كُشف لي ما زاد في يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدقُ من رؤيتنا له...
والاستفهام في أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يُراد منه النفي والإنكار، فعبادةُ غير الله أمر غير وارد من الرسل، إذن: هو من صُنْع البشر، استحدثوه لإرضاء أهوائهم في أنْ يكونَ لهم معبود، لكن معبودٌ على هواهم، معبود لا يُقيد شهواتهم ورغباتهم بمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا).
ومن هنا عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب وغيرها، وكلها معبوداتٌ بزعمهم هم- ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شرَّعها في أيِّ شريعة من الشرائع.
آية رقم ٤٦
قلنا: الآيات هي المعجزات الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كان من أكثر الرسل حيازةً للمعجزات وخوارق العادات، وهذا يعني أن قومه كانوا أكثر خَلْق الله عناداً وإعراضاً عن المنهج، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١].
ما مناسبة أنْ يأتي القرآنُ بلقطة من قصة سيدنا موسى في هذا الموضع؟ قالوا: لأن كفار مكة كانوا قد اجتمعوا ووقفوا في وجه الدعوة، واعترضوا على أنْ تأتي الدعوة على يد محمد بالذات، فقالوا: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
يقصدون مكة وكان فيها الوليد بن المغيرة، والطائف وكان بها عروة بن مسعود الثقفي، وغيرهما من سادة القوم أصحاب المال والجاه والهيبة في القوم.
إذن: لم يكُنْ الاعتراض على القرآن، إنما الاعتراض على مَنْ جاء القرآنُ على يديه.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطيهم مثلاً من موكب الرسالات، فهذا موسى - عليه السلام - لم يكُنْ صاحبَ مال، ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، وأرسله الله إلى مَنْ هو أشدّ كفراً من أهل مكة وصناديدها، أرسله إلى فرعون الذي لم يكُنْ يعارض الدعوة إلى الله فقط، إنما كان يقول: أنا إله.
إذن: لا عجبَ في إرسال محمد، وهو من عامة القوم وفقرائهم إلى السادة الأغنياء، وهو الوليد وعروة وغيرهما من رؤوس الكفر كانوا أشدَّ من فرعون.
فالرسالة إذن لا يُطلب فيها أنْ يكون الرسولُ صاحبَ مال ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، ثم هذه رحمة الله يقسمها كيف يشاء، ويختار لها مَنْ يشاء، ويصطفي من عباده.
والمتأمل في رسالتَيْ موسى ومحمد يجد أن حياة موسى في مجتمعه أقل من حياة محمد في مجتمعه، لأن موسى تربَّى في بيت فرعون إلى أنْ شبَّ وحدَثتْ حادثة القتل التي قَتلَ فيها موسى واحداً من القوم، ثم جاء رجل من أقصى المدينة، وقال يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ [القصص: ٢٠-٢١].
بعد ذلك وصل إلى مديْنَ وهناك وجد: وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٣-٢٤].
أولاً: نقول إن هذه الأيام تعطينا منهجاً ودستوراً للتعامل مع المرأة المسلمة، وكيف ومتى تخرج من بيتها، فالعلة في خروج هاتين المرأتين أن أباهما شيخ كبير، ولا يوجد مَنْ يقضي لهما حاجتهما.
إذن: لا تخرج المرأة من بيتها إلا لضرورة، وإذا خرجتْ تحشَّمتْ وتحجبتْ ولم تخالط الرجال، ثم مهمة المجتمع الإيماني أنْ يراعي حَقَّ المرأة وأنْ يأخذ بيدها فيما تريده من عمل، لأنه مجتمع الرحمة والقربى بين المسلمين جميعاً.
وأذكر أننا أول مرة سافرنا مكة سنة ١٩٥٠ كنا نسكن في بيت رجل مُوسِر، كان يتطوع ويُوصِّلنا إلى العمل بسيارته الخاصة، وفي مرة ونحن نسير وجد أمام أحد البيوت لوحاً من الخشب الذي يُوضع عليه العجين، وكان بابُ البيت مغلقاً فنزل وأخذ اللوح في سيارته وذهب.
فلما سألتهُ عن ذلك قال: والله عندنا عادة لما نرى البابَ مُغلقاً، وأمامه شيء مثل هذا، نعرف أن صاحبَ البيت غائبٌ وأهلُ البيت يحتاجون شيئاً فنقضيه لهم، المهم أخذ الرجل لوحَ العجين وملأه بالخبز، وبما قدَّره الله عليه، وأعاده إلى أصحابه.
وهذا هو المعنى الذي تعلَّمناه من قصة سيدنا موسى فَسَقَىٰ لَهُمَا [القصص: ٢٤] ونعود إلى القصة ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] يعني: موسى كان رجلاً فقيراً، لا يملك من الدنيا سِوَى قوته البدنية، فهذا الذي يجلس تحت ظل شجرة ليس له مأوى، أبعد ذلك مسكنة وضعف؟
هذا يدل على أنه كان رجلاً (غلبان) لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولو قارنّا بينه وبين محمد نجد محمداً أطولَ إقامة في قومه، فقد نشأ بينهم منذ مولده، وكان يرعى الغنم لأهله بأجرة، ولما كبر اشتغل بالتجارة، وكان كما نقول (مدير أعمال) السيدة خديجة، وكان يكسب ومعه مالٌ.
ومع ذلك أرسل اللهُ موسى الذي هو أضعف من محمد إلى فرعون الذي هو أقوى وأشدّ من الوليد وعروة وغيرهم. وبهذا نفهم لماذا أتى ذكْرُ سيدنا موسى في هذا الموضع: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ [الزخرف: ٤٦].
ثم هناك نقطة ضَعْف أخرى في رسالة سيدنا موسى أنه أُرسِلَ إلى فرعون الذي تربَّى في بيته، لذلك الحق سبحانه يُعلِّمه كيفية الدخول إليه في أمر الدعوة لأنه كان يمتنُّ عليه. قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨] فعلَّمه الله أن يقول له القول اللين فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [طه: ٤٤].
وقوله: بِآيَـٰتِنَآ [الزخرف: ٤٦] أي: بالمعجزات الظاهرات التي صاحبتْ دعوة سيدنا موسى لتؤيده وتُثبت للقوم صِدْقه في البلاغ عن الله، وقلنا: إنه يُشترط في المعجزة أنْ تكون موضعاً للتحدي، بحيث لا يقدر أحدٌ على الإتيان بمثلها، وأنْ تكونَ من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدي له معنى، وإلا كيف أتحدَّاك بشيء لا تعرفه أنت ولا تجيده؟
ولأن قوْم موسى نبغوا في السحر كانت معجزةُ العصا من المعجزات التي أعطاها الله تعالى لسيدنا موسى، وقد درَّبه ربُّه عز وجل على استخدام هذه العصا وعرَّفه ما فيها من أسرار قبل لقائه بفرعون.
واقرأ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ١٧-٢٠].
كان هذا الموقف تدريباً لموسى على استخدام معجزته أمام فرعون، وعندها علم موسى أنه إذا كانت مآربه من عصاته أنْ يتوكأ عليها ويهشَّ بها على غنمه، فلله تعالى مآربُ أخرى غير هذه المآرب الظاهرة.
لذلك رأينا بعض المستشرقين يقولون: إن القرآن كرَّر قصة عصا موسى هذه في أكثر من موضع، والواقع أن القصة لا تكرارَ فيها، بل هي مواقف مختلفة للعصا مع موسى، فالمرة الأولى كما قلنا كانت تدريباً لموسى حتى لا يُفاجأ بما تفعله العصا إذا ألقاها أمام فرعون.
وكانت المرة الثانية أمام فرعون، والثالثة لما جمع فرعونُ السَّحرةَ.
إذن: ليس في المسألة تكرار، إنما هي مواقفُ مختلفة لشيء واحد، والقرآن حينما عرض لنا هذه القصة علَّمنا الفرق بين السحر والمعجزة، السحر: تخييل وخداع للنظر إنما المعجزة حقيقة واقعة.
لذلك قال عن العصا: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ٢٠] يعني: على وجه الحقيقة، ولما تكلَّم عن حبال السحرة قال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦] والدليل على ذلك أن السَّحرة وأهل التمرُّس والخبرة في هذا المجال لما رأوا العصا ساعة انقلبت حيَّة خرُّوا سُجَّداً وآمنوا بموسى وبما جاء به، لأنهم أدْرى القوم بهذه المسألة قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ [طه: ٧٠].
والحق سبحانه في موضع آخر يقول: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: ١١٦] معنى: سحروا أعين الناس أن الأمر في السحر موقوف عند العين وعند النظر، فهو تخييل في مرأى العين فحسب.
وواقع حياتنا أيضاً يشهد بذلك، فأذكر أنني كنتُ رئيس بعثة الأزهر في الجزائر، وهناك تعرفتُ على سفير السعودية بالجزائر الشيخ رياض الخطيب بن فؤاد الخطيب الشاعر العظيم، وحدث بيني وبينه مودة، وصادف أنه نُقِلَ من الجزائر إلى باكستان، وبعدها سافرتُ أنا إلى باكستان ونزلتُ على الشيخ رياض.
وفي يوم تحدَّثنا عن السحر فقال: سأريك مسألة غريبة، هنا ساحر هندي يفعل كذا وكذا. فقلت: والله فرصة نرى ماذا يفعل، وفي الصباح ذهبنا إلى قرية وأتوْا بالساحر الهندي، فقعد وعمل (نصبة) وأتى بقطن جعله على هيئة حبل ولَواه هكذا، وكان معه ولد صغير، أشار إليه أنْ يصعد على هذا الحبل حتى رأى جميعُ الجالسين الولد فعلاً طالعاً على الحبل.
في اليوم التالي وبعد أنْ راجعتُ آيات السحر في كتاب الله أخذتُ معي كاميرا فوتوغرافيا وأحببتُ أنْ أُصوِّر هذا المشهد، وفعلاً صوَّرته، في اليوم التالي وجدت الصورة بعد تحميضها بيضاء ليس بها شيء أبداً.
فقال لي صاحبي: إذن بمَ تفسِّر هذا التخييل الذي رأيناه؟ قلت: والله من حديث القرآن عن الجن نعلم أنه يتشكل بكل الصور، ولا مانعَ أبداً أن الساحر يستعين بالجن، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن: ٦].
إذن: لا مانع عقلاً أنْ يُسخِّر الساحر من الجن مَنْ يساعده في هذه المسألة، ويتشكل له كما يريد.
والقرآن الكريم نصَّ على أن الآيات والمعجزات التي أُرسِلَ بها سيدنا موسى كانت تسع آيات: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً [الإسراء: ١٠١].
وقال في موضع آخر: وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا.. [الزخرف: ٤٨] وهذا يعني أنها كانت آيات كثيرة واضحة ظاهرة بينة.
وقوله سبحانه إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ [الزخرف: ٤٦] الملأ: هم القوم، خاصة الوجهاء منهم، وأصحاب المنزلة من قولنا: فلان ملءَ العين. وفي آية أخرى قال: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ [العنكبوت: ٣٩].
وقوله تعالى: فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [الزخرف: ٤٦] ملخص لرسالته وموجز لما جاء به.
ما مناسبة أنْ يأتي القرآنُ بلقطة من قصة سيدنا موسى في هذا الموضع؟ قالوا: لأن كفار مكة كانوا قد اجتمعوا ووقفوا في وجه الدعوة، واعترضوا على أنْ تأتي الدعوة على يد محمد بالذات، فقالوا: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
يقصدون مكة وكان فيها الوليد بن المغيرة، والطائف وكان بها عروة بن مسعود الثقفي، وغيرهما من سادة القوم أصحاب المال والجاه والهيبة في القوم.
إذن: لم يكُنْ الاعتراض على القرآن، إنما الاعتراض على مَنْ جاء القرآنُ على يديه.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطيهم مثلاً من موكب الرسالات، فهذا موسى - عليه السلام - لم يكُنْ صاحبَ مال، ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، وأرسله الله إلى مَنْ هو أشدّ كفراً من أهل مكة وصناديدها، أرسله إلى فرعون الذي لم يكُنْ يعارض الدعوة إلى الله فقط، إنما كان يقول: أنا إله.
إذن: لا عجبَ في إرسال محمد، وهو من عامة القوم وفقرائهم إلى السادة الأغنياء، وهو الوليد وعروة وغيرهما من رؤوس الكفر كانوا أشدَّ من فرعون.
فالرسالة إذن لا يُطلب فيها أنْ يكون الرسولُ صاحبَ مال ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، ثم هذه رحمة الله يقسمها كيف يشاء، ويختار لها مَنْ يشاء، ويصطفي من عباده.
والمتأمل في رسالتَيْ موسى ومحمد يجد أن حياة موسى في مجتمعه أقل من حياة محمد في مجتمعه، لأن موسى تربَّى في بيت فرعون إلى أنْ شبَّ وحدَثتْ حادثة القتل التي قَتلَ فيها موسى واحداً من القوم، ثم جاء رجل من أقصى المدينة، وقال يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ [القصص: ٢٠-٢١].
بعد ذلك وصل إلى مديْنَ وهناك وجد: وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٣-٢٤].
أولاً: نقول إن هذه الأيام تعطينا منهجاً ودستوراً للتعامل مع المرأة المسلمة، وكيف ومتى تخرج من بيتها، فالعلة في خروج هاتين المرأتين أن أباهما شيخ كبير، ولا يوجد مَنْ يقضي لهما حاجتهما.
إذن: لا تخرج المرأة من بيتها إلا لضرورة، وإذا خرجتْ تحشَّمتْ وتحجبتْ ولم تخالط الرجال، ثم مهمة المجتمع الإيماني أنْ يراعي حَقَّ المرأة وأنْ يأخذ بيدها فيما تريده من عمل، لأنه مجتمع الرحمة والقربى بين المسلمين جميعاً.
وأذكر أننا أول مرة سافرنا مكة سنة ١٩٥٠ كنا نسكن في بيت رجل مُوسِر، كان يتطوع ويُوصِّلنا إلى العمل بسيارته الخاصة، وفي مرة ونحن نسير وجد أمام أحد البيوت لوحاً من الخشب الذي يُوضع عليه العجين، وكان بابُ البيت مغلقاً فنزل وأخذ اللوح في سيارته وذهب.
فلما سألتهُ عن ذلك قال: والله عندنا عادة لما نرى البابَ مُغلقاً، وأمامه شيء مثل هذا، نعرف أن صاحبَ البيت غائبٌ وأهلُ البيت يحتاجون شيئاً فنقضيه لهم، المهم أخذ الرجل لوحَ العجين وملأه بالخبز، وبما قدَّره الله عليه، وأعاده إلى أصحابه.
وهذا هو المعنى الذي تعلَّمناه من قصة سيدنا موسى فَسَقَىٰ لَهُمَا [القصص: ٢٤] ونعود إلى القصة ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] يعني: موسى كان رجلاً فقيراً، لا يملك من الدنيا سِوَى قوته البدنية، فهذا الذي يجلس تحت ظل شجرة ليس له مأوى، أبعد ذلك مسكنة وضعف؟
هذا يدل على أنه كان رجلاً (غلبان) لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولو قارنّا بينه وبين محمد نجد محمداً أطولَ إقامة في قومه، فقد نشأ بينهم منذ مولده، وكان يرعى الغنم لأهله بأجرة، ولما كبر اشتغل بالتجارة، وكان كما نقول (مدير أعمال) السيدة خديجة، وكان يكسب ومعه مالٌ.
ومع ذلك أرسل اللهُ موسى الذي هو أضعف من محمد إلى فرعون الذي هو أقوى وأشدّ من الوليد وعروة وغيرهم. وبهذا نفهم لماذا أتى ذكْرُ سيدنا موسى في هذا الموضع: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ [الزخرف: ٤٦].
ثم هناك نقطة ضَعْف أخرى في رسالة سيدنا موسى أنه أُرسِلَ إلى فرعون الذي تربَّى في بيته، لذلك الحق سبحانه يُعلِّمه كيفية الدخول إليه في أمر الدعوة لأنه كان يمتنُّ عليه. قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨] فعلَّمه الله أن يقول له القول اللين فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [طه: ٤٤].
وقوله: بِآيَـٰتِنَآ [الزخرف: ٤٦] أي: بالمعجزات الظاهرات التي صاحبتْ دعوة سيدنا موسى لتؤيده وتُثبت للقوم صِدْقه في البلاغ عن الله، وقلنا: إنه يُشترط في المعجزة أنْ تكون موضعاً للتحدي، بحيث لا يقدر أحدٌ على الإتيان بمثلها، وأنْ تكونَ من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدي له معنى، وإلا كيف أتحدَّاك بشيء لا تعرفه أنت ولا تجيده؟
ولأن قوْم موسى نبغوا في السحر كانت معجزةُ العصا من المعجزات التي أعطاها الله تعالى لسيدنا موسى، وقد درَّبه ربُّه عز وجل على استخدام هذه العصا وعرَّفه ما فيها من أسرار قبل لقائه بفرعون.
واقرأ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ١٧-٢٠].
كان هذا الموقف تدريباً لموسى على استخدام معجزته أمام فرعون، وعندها علم موسى أنه إذا كانت مآربه من عصاته أنْ يتوكأ عليها ويهشَّ بها على غنمه، فلله تعالى مآربُ أخرى غير هذه المآرب الظاهرة.
لذلك رأينا بعض المستشرقين يقولون: إن القرآن كرَّر قصة عصا موسى هذه في أكثر من موضع، والواقع أن القصة لا تكرارَ فيها، بل هي مواقف مختلفة للعصا مع موسى، فالمرة الأولى كما قلنا كانت تدريباً لموسى حتى لا يُفاجأ بما تفعله العصا إذا ألقاها أمام فرعون.
وكانت المرة الثانية أمام فرعون، والثالثة لما جمع فرعونُ السَّحرةَ.
إذن: ليس في المسألة تكرار، إنما هي مواقفُ مختلفة لشيء واحد، والقرآن حينما عرض لنا هذه القصة علَّمنا الفرق بين السحر والمعجزة، السحر: تخييل وخداع للنظر إنما المعجزة حقيقة واقعة.
لذلك قال عن العصا: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ٢٠] يعني: على وجه الحقيقة، ولما تكلَّم عن حبال السحرة قال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه: ٦٦] والدليل على ذلك أن السَّحرة وأهل التمرُّس والخبرة في هذا المجال لما رأوا العصا ساعة انقلبت حيَّة خرُّوا سُجَّداً وآمنوا بموسى وبما جاء به، لأنهم أدْرى القوم بهذه المسألة قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ [طه: ٧٠].
والحق سبحانه في موضع آخر يقول: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: ١١٦] معنى: سحروا أعين الناس أن الأمر في السحر موقوف عند العين وعند النظر، فهو تخييل في مرأى العين فحسب.
وواقع حياتنا أيضاً يشهد بذلك، فأذكر أنني كنتُ رئيس بعثة الأزهر في الجزائر، وهناك تعرفتُ على سفير السعودية بالجزائر الشيخ رياض الخطيب بن فؤاد الخطيب الشاعر العظيم، وحدث بيني وبينه مودة، وصادف أنه نُقِلَ من الجزائر إلى باكستان، وبعدها سافرتُ أنا إلى باكستان ونزلتُ على الشيخ رياض.
وفي يوم تحدَّثنا عن السحر فقال: سأريك مسألة غريبة، هنا ساحر هندي يفعل كذا وكذا. فقلت: والله فرصة نرى ماذا يفعل، وفي الصباح ذهبنا إلى قرية وأتوْا بالساحر الهندي، فقعد وعمل (نصبة) وأتى بقطن جعله على هيئة حبل ولَواه هكذا، وكان معه ولد صغير، أشار إليه أنْ يصعد على هذا الحبل حتى رأى جميعُ الجالسين الولد فعلاً طالعاً على الحبل.
في اليوم التالي وبعد أنْ راجعتُ آيات السحر في كتاب الله أخذتُ معي كاميرا فوتوغرافيا وأحببتُ أنْ أُصوِّر هذا المشهد، وفعلاً صوَّرته، في اليوم التالي وجدت الصورة بعد تحميضها بيضاء ليس بها شيء أبداً.
فقال لي صاحبي: إذن بمَ تفسِّر هذا التخييل الذي رأيناه؟ قلت: والله من حديث القرآن عن الجن نعلم أنه يتشكل بكل الصور، ولا مانعَ أبداً أن الساحر يستعين بالجن، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن: ٦].
إذن: لا مانع عقلاً أنْ يُسخِّر الساحر من الجن مَنْ يساعده في هذه المسألة، ويتشكل له كما يريد.
والقرآن الكريم نصَّ على أن الآيات والمعجزات التي أُرسِلَ بها سيدنا موسى كانت تسع آيات: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً [الإسراء: ١٠١].
وقال في موضع آخر: وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا.. [الزخرف: ٤٨] وهذا يعني أنها كانت آيات كثيرة واضحة ظاهرة بينة.
وقوله سبحانه إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ [الزخرف: ٤٦] الملأ: هم القوم، خاصة الوجهاء منهم، وأصحاب المنزلة من قولنا: فلان ملءَ العين. وفي آية أخرى قال: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ [العنكبوت: ٣٩].
وقوله تعالى: فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [الزخرف: ٤٦] ملخص لرسالته وموجز لما جاء به.
آية رقم ٤٧
في آية العنكبوت السابقة بينت رد فعلهم وهو الاستكبار، والاستكبار هنا يعني أنهم علموا أن موسى على الحق، وأنه صاحب معجزات ومع ذلك استكبروا على أنْ يؤمنوا به، وهنا بينتْ الآيةُ وجهاً آخر للاستكبار.
إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ [الزخرف: ٤٧] يضحكون إما إعجاباً بالمعجزة وللآية التي رأوها، وأنها خارقة للعادة وخلاف كل ما رأوْهُ من السحرة، أو يضحكون سُخرية واستخفافاً.
إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ [الزخرف: ٤٧] يضحكون إما إعجاباً بالمعجزة وللآية التي رأوها، وأنها خارقة للعادة وخلاف كل ما رأوْهُ من السحرة، أو يضحكون سُخرية واستخفافاً.
آية رقم ٤٨
معنى آيَةٍ يعني: معجزة إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا يعني: كل معجزة أعظم وأوضح من سابقتها، وهذا يعني أن الإعجاز واضح في جميع الآيات على كثرتها، فكل آية كبيرة من جهة ما؛ لأن المقصود من الآيات الإعجاز وإثبات شيء ليس في مقدور البشر ولا طاقتهم، وما دام أن كل آية تؤدي هذا الغرض فهي آية كبيرة.
وقوله: وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ أي: عاقبناهم على تكذيبهم بالعذاب، وقد أوضح الحق سبحانه هذا العذاب في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠]؟
وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ومرة لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠] فالحق سبحانه لا يُعذِّب خَلْقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: عن المكابرة والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبداً ظَلُّوا على كفرهم وجحودهم، حتى بعد أنْ أخذهم اللهُ بالسنين يعني: القحط وجَدْب الأرض وجفافها، فنتج عن ذلك نقص الثمرات وضيق العيش.
ثم بعد ذلك كله فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ [الأعراف: ١٣٣] يعني: آيات واضحة الدلالة بيِّنة، فأصبحوا في ضيق وهُزَال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد أنْ يئسوا وقالوا: وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ....
وقوله: وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ أي: عاقبناهم على تكذيبهم بالعذاب، وقد أوضح الحق سبحانه هذا العذاب في موضع آخر، فقال: وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠]؟
وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ومرة لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠] فالحق سبحانه لا يُعذِّب خَلْقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: عن المكابرة والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبداً ظَلُّوا على كفرهم وجحودهم، حتى بعد أنْ أخذهم اللهُ بالسنين يعني: القحط وجَدْب الأرض وجفافها، فنتج عن ذلك نقص الثمرات وضيق العيش.
ثم بعد ذلك كله فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ [الأعراف: ١٣٣] يعني: آيات واضحة الدلالة بيِّنة، فأصبحوا في ضيق وهُزَال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد أنْ يئسوا وقالوا: وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ....
آية رقم ٤٩
كلمة الساحر هنا لا تعني اعترافهم بتفوقه في مجال السحر فحسب، إنما تعني الرجل الماهر في كل شيء، المتفوق عليهم في السحر وفي العلم وفي الإحاطة بأمور الحياة، يعني لا مثيل له.
وهذا يُذكِّرُنا بموقف من سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثالشاهد هنا أن السحر يأتي بمعنى التفوق عامة في أيِّ ناحية من نواحي الحياة. إذن: لما رأوا تصرُّفات موسى خضعوا له وسلَّموا له بالتفوق عليهم، وإنْ كانوا لم يؤمنوا به، ولكن لأنهم مقتنعون بتفوقه بل وبصدق دعوته ذهبوا إليه وطلبوا منه أنْ يدعو لهم، وأنْ يُفرِّج عنهم ما هم فيه من ضَنْك العيش.
فقالوا: يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] إذن: يعترفون بصلته بربه، لكن ربه هو لا ربهم أيضاً بدليل ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] ولم يقولوا مثلاً: ربنا.
بِمَا عَهِدَ عِندَكَ [الزخرف: ٤٩] لأن ربك يطاوعك ويفعل لك ما تريد، ووعدك بكشف العذاب عمَّنْ آمن بك إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: ٤٩] يعني: لو كشفتَ عنَّا ما نحن فيه فسوف نهتدي ونؤمن بك.
وهذا يُذكِّرُنا بموقف من سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثالشاهد هنا أن السحر يأتي بمعنى التفوق عامة في أيِّ ناحية من نواحي الحياة. إذن: لما رأوا تصرُّفات موسى خضعوا له وسلَّموا له بالتفوق عليهم، وإنْ كانوا لم يؤمنوا به، ولكن لأنهم مقتنعون بتفوقه بل وبصدق دعوته ذهبوا إليه وطلبوا منه أنْ يدعو لهم، وأنْ يُفرِّج عنهم ما هم فيه من ضَنْك العيش.
فقالوا: يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] إذن: يعترفون بصلته بربه، لكن ربه هو لا ربهم أيضاً بدليل ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] ولم يقولوا مثلاً: ربنا.
بِمَا عَهِدَ عِندَكَ [الزخرف: ٤٩] لأن ربك يطاوعك ويفعل لك ما تريد، ووعدك بكشف العذاب عمَّنْ آمن بك إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: ٤٩] يعني: لو كشفتَ عنَّا ما نحن فيه فسوف نهتدي ونؤمن بك.
آية رقم ٥٠
إذن: قولهم إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف: ٤٩] كانت مجرد كلمة تُقال نفاقاً من طرف اللسان، ليس لها رصيد من صدق الواقع؛ لأن الحق سبحانه كشف عنهم العذاب فعادوا لما كانوا عليه، ومعنى يَنكُثُونَ [الزخرف: ٥٠] يرجعون إلى ما كانوا عليه، وينقضُون العهد الذي قطعوه على أنفسهم بأنْ يهتدوا.
آية رقم ٥١
هنا يشعر فرعون بالخطر، وتهتز مكانته أمام قومه، يشعر أن موسى يسحب البساط من تحت قدميه حيث تتجه إليه الأنظار خاصة بعد حادثة السحرة الذين آمنوا بربِّ هارون وموسى ولم ينتظروا إذناً من فرعون.
وبعد أنْ نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه.
وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ بماذا نادى مُناديه؟
قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ يعني: انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم.
أَفَلاَ تُبْصِرُونَ لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقُلْ شيئاً عن ألوهيته. ولم يقُلْ: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم يَعُدْ لها موضع بعد ما حدث مع موسى.
ثم تأمل صيغة النداء أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قُولوا لي ألم أزل ملكاً عليكم، ولم يأت مثلاً بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر.
إذن: يتحدثُ فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ [النازعات: ٢٤] والآن يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: ٥١]...
قوله: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ فرعون لم يُنادِ هو، إنما أمر مَنْ ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه... وقوله: وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ كلمة مِن تَحْتِيۤ تدل على التمكُّن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمرُّ من تحتها. وَجَمَع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهراً واحداً هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ.
قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرَّعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تُبنى عليها قصورهم.
وبعد أنْ نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه.
وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ بماذا نادى مُناديه؟
قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ يعني: انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم.
أَفَلاَ تُبْصِرُونَ لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقُلْ شيئاً عن ألوهيته. ولم يقُلْ: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم يَعُدْ لها موضع بعد ما حدث مع موسى.
ثم تأمل صيغة النداء أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قُولوا لي ألم أزل ملكاً عليكم، ولم يأت مثلاً بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر.
إذن: يتحدثُ فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ [النازعات: ٢٤] والآن يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: ٥١]...
قوله: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ فرعون لم يُنادِ هو، إنما أمر مَنْ ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه... وقوله: وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ كلمة مِن تَحْتِيۤ تدل على التمكُّن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمرُّ من تحتها. وَجَمَع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهراً واحداً هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال وَهَـٰذِهِ الأَنْهَارُ.
قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرَّعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تُبنى عليها قصورهم.
آية رقم ٥٢
فرعون يُجري هذه المفاضلة بينه وبين موسى فيقول: أنا خير من هذا يقصد موسى، واكتفى بالإشارة إليه امتهاناً به (مَهِين) يعني: ضعيف حقير، حيث لا قوةَ تحميه، وليس له جند يُدافعون عنه.
وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢] أي: يُبين عن نفسه ويفصح عنها. والمعنى: لا يستطيع الكلام بإبانة وطلاقة، ذلك لأن موسى عليه السلام كان به لثغة في لسانه.
لذلك قالوا أنه طلب من ربه عز وجل أنْ يُعينه على هذه المسألة بأن يرسل معه أخاه هارون وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤].
ويُروى أن سبب هذه اللثغة في لسانه وهو صغير قال كلمة فيها جرأة على فرعون حتى شكَّ في أمره وتخوَّف منه، فقالوا له: إنه صغير لا يعرف شيئاً. وليثبتوا لفرعون ذلك أتوا لموسى بتمرة وجمرة، فأخذ الجمرة فلسعتْه في لسانه، وأحدثت به هذه اللثغة.
وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢] أي: يُبين عن نفسه ويفصح عنها. والمعنى: لا يستطيع الكلام بإبانة وطلاقة، ذلك لأن موسى عليه السلام كان به لثغة في لسانه.
لذلك قالوا أنه طلب من ربه عز وجل أنْ يُعينه على هذه المسألة بأن يرسل معه أخاه هارون وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص: ٣٤].
ويُروى أن سبب هذه اللثغة في لسانه وهو صغير قال كلمة فيها جرأة على فرعون حتى شكَّ في أمره وتخوَّف منه، فقالوا له: إنه صغير لا يعرف شيئاً. وليثبتوا لفرعون ذلك أتوا لموسى بتمرة وجمرة، فأخذ الجمرة فلسعتْه في لسانه، وأحدثت به هذه اللثغة.
آية رقم ٥٣
هذه هي الصورة المادية التي يتصوَّرها فرعونُ للرسول أنْ يأتي يرتدي الأسْورة من الذهب، وهي دلالةٌ على القوة والسيطرة والعظمة، أو يأتي ومعه ملائكة مصاحبون له يُؤيدونه ويشهدون بصدقه.
آية رقم ٥٤
الاستخفاف يعني العجلة والطيش وعدم التدبّر في المسائل، أي: استخفهم فرعونُ بهذا الكلام فأطاعوه على الضلال الذي هو فيه ووافقوه على الفساد، ولا يوافق على الفساد إلا المنتفع به، أو وجدهم أهلَ طيش ورعونة وعدم تفكّر في الأمور، فضحك عليهم بهذا الكلام.
آية رقم ٥٥
ﮨﮩﮪﮫﮬﮭ
ﮮ
معنى آسَفُونَا [الزخرف: ٥٥] أغضبونا فكانت النتيجة ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] كيف فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥] وبالغرق جعلهم الله (سَلَفاً) السلف مَنْ تقدَّم. أي: جعلهم الله قدوة وعبرةً لمنْ يأتي بعدهم وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ [الزخرف: ٥٦] عبرةً لغيرهم من الكافرين.
آية رقم ٥٦
ﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
معنى آسَفُونَا [الزخرف: ٥٥] أغضبونا فكانت النتيجة ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] كيف فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥] وبالغرق جعلهم الله (سَلَفاً) السلف مَنْ تقدَّم. أي: جعلهم الله قدوة وعبرةً لمنْ يأتي بعدهم وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ [الزخرف: ٥٦] عبرةً لغيرهم من الكافرين.
آية رقم ٥٧
هنا الفعل (ضُرِب) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، فمَنِ الذي ضرب ابن مريم مثلاً؟ الحق سبحانه وتعالى هو الذي جعل ابن مريم مثلاً، لأنه وُلِد لأم بلا أب، وجاء من نفخة الحق سبحانه في مريم، فنسبوه إلى الله، تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً، فردَّ الله عليهم بأن عيسى في الخَلْق مثل آدم. إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] فإذا كان عيسى بلا أب، فآدم بلا أب وبلا أم، والذي يقدر على الأعلى يقدر على الأدنى من باب أَوْلَى، فلا تُفتنوا فيه.
وبعد أن نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] تبيَّن أنه الضّال بعبادة غير الله هو ومعبوده في جهنم معاً حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] يعني: وقودها.
ولما بلغتْ هذه المسألة سيدنا علياً رضي الله عنه قال: (ما) هنا لغير العاقل، فلا يدخل في هذا الحكم عيسى ولا العُزير ولا الملائكة، وهذه من حكمة الإمام علي الذي تربَّى في حضن النبي وتعلَّم في مدرسته منذ صِغَره، وجاءت ثقافته من نور النبوة.
لذلك ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: وكان من الفقهاء أصحاب الاستنباط الواعي حتى أمام كبار الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب الذي كان ينزل القرآن وِفْق رأيه يقف في مسألة لا يحلُّها إلا على، حيث عُرضَتْ عليه مسألة المرأة التي ولدتْ لستة أشهر فقال بإقامة الحدِّ عليها، لأن المشهور في أشهر الحمل تسعة أشهر.
فقال: يا أمير المؤمنين لا شيء عليها لأن الله يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً [الأحقاف: ١٥] ويقول: وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة: ٢٢٣] إذن: مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر.
ومرة دخل على سيدنا عمر ومعه درّة، يريد أن يضرب بها سيدنا حذيفة فقال له: ما لي أراكَ مُغضباً يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فقال علي: صدق والله يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: أما الفتنة فقال تعالى: وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٢٨] والحق الذي يكرهه هو الموت، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد وليس لله زوجة ولا ولد.
عندها قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن.
ومن لطائف ما رُوِي عنه رضي الله عنه أنه مرّ بجماعة اختلفوا في أيِّ مخلوقات الله أشد وأكثر قوة، فسألوه: ما أشدَّ جنود الله يا أبا الحسن؟ فكأنه كان على علم مُسْبق بهذه المسألة، وأنه سيُسأل عنها، لذلك قال - وحصر العدد قبل المعدود: وأشار بيده أنها عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب ويمضي إلى حاجته، والسُّكْر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُّكْر، والهم يغلب النوم، فأشدُّ جنود الله الهَمُّ.
وفي بعض أحاديثنا مع الإخوان طلبوا مني أنْ أذكر لهم خطبة الإمام على التي قالها لما ماتتْ فاطمة بنت محمد، وكنتُ كلما ذكرتها لهم قالوا أعِدْ مرة أخرى، قلتُ: لما ماتت فاطمة دُفنَتْ بجوار رسول الله والصحابة.
وبعد أن دُفنَت قالوا له: يا علي لو أننا أبحنا لكل أولاد الرسول أنْ يُدفنوا إلى جواره لضاقَ المسجد بالناس، فقال: ضعوها نهارنا وسوف أنقلها ليلاً كي لا تحدث فتنة، وبالليل نقلها إلى البقيع.
وكان مما قاله الإمام علي وهو يدفن فاطمة إلى جوار أبيها، قال: السلام عليك يا رسول الله، مني ومن ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورَقَّ عنها تجلُّدي، إلا أن لي في التعزِّي بمصيبتك موضعَ سَلْوى.
فقد وسَّدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضتْ بين سَحْري ونحري نفسُك، أما ليلي فمسهَّد، وأما حزني فسَرْمد إلى أنْ يختار الله لي داره التي أنت فيها مقيم، وستخبرك ابنتك عن حال أُمتك فأصْفِهَا السؤال، واستخبرها الحال - هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر.
فلما أراد أنْ ينصرف قال: والسَّلام عليكما سلامَ مُودّع لا قالٍ ولا سَئم، فإنْ أنصرف فلا عن ملالة، وإنْ نُقِم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده الصابرين.
ومعنى يَصِدُّونَ [الزخرف: ٥٧] أي: يرفعون أصواتهم بالضحك والسخرية من رسول الله.
وبعد أن نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] تبيَّن أنه الضّال بعبادة غير الله هو ومعبوده في جهنم معاً حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] يعني: وقودها.
ولما بلغتْ هذه المسألة سيدنا علياً رضي الله عنه قال: (ما) هنا لغير العاقل، فلا يدخل في هذا الحكم عيسى ولا العُزير ولا الملائكة، وهذه من حكمة الإمام علي الذي تربَّى في حضن النبي وتعلَّم في مدرسته منذ صِغَره، وجاءت ثقافته من نور النبوة.
لذلك ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: وكان من الفقهاء أصحاب الاستنباط الواعي حتى أمام كبار الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب الذي كان ينزل القرآن وِفْق رأيه يقف في مسألة لا يحلُّها إلا على، حيث عُرضَتْ عليه مسألة المرأة التي ولدتْ لستة أشهر فقال بإقامة الحدِّ عليها، لأن المشهور في أشهر الحمل تسعة أشهر.
فقال: يا أمير المؤمنين لا شيء عليها لأن الله يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً [الأحقاف: ١٥] ويقول: وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة: ٢٢٣] إذن: مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر.
ومرة دخل على سيدنا عمر ومعه درّة، يريد أن يضرب بها سيدنا حذيفة فقال له: ما لي أراكَ مُغضباً يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فقال علي: صدق والله يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: أما الفتنة فقال تعالى: وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٢٨] والحق الذي يكرهه هو الموت، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد وليس لله زوجة ولا ولد.
عندها قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن.
ومن لطائف ما رُوِي عنه رضي الله عنه أنه مرّ بجماعة اختلفوا في أيِّ مخلوقات الله أشد وأكثر قوة، فسألوه: ما أشدَّ جنود الله يا أبا الحسن؟ فكأنه كان على علم مُسْبق بهذه المسألة، وأنه سيُسأل عنها، لذلك قال - وحصر العدد قبل المعدود: وأشار بيده أنها عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب ويمضي إلى حاجته، والسُّكْر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُّكْر، والهم يغلب النوم، فأشدُّ جنود الله الهَمُّ.
وفي بعض أحاديثنا مع الإخوان طلبوا مني أنْ أذكر لهم خطبة الإمام على التي قالها لما ماتتْ فاطمة بنت محمد، وكنتُ كلما ذكرتها لهم قالوا أعِدْ مرة أخرى، قلتُ: لما ماتت فاطمة دُفنَتْ بجوار رسول الله والصحابة.
وبعد أن دُفنَت قالوا له: يا علي لو أننا أبحنا لكل أولاد الرسول أنْ يُدفنوا إلى جواره لضاقَ المسجد بالناس، فقال: ضعوها نهارنا وسوف أنقلها ليلاً كي لا تحدث فتنة، وبالليل نقلها إلى البقيع.
وكان مما قاله الإمام علي وهو يدفن فاطمة إلى جوار أبيها، قال: السلام عليك يا رسول الله، مني ومن ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورَقَّ عنها تجلُّدي، إلا أن لي في التعزِّي بمصيبتك موضعَ سَلْوى.
فقد وسَّدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضتْ بين سَحْري ونحري نفسُك، أما ليلي فمسهَّد، وأما حزني فسَرْمد إلى أنْ يختار الله لي داره التي أنت فيها مقيم، وستخبرك ابنتك عن حال أُمتك فأصْفِهَا السؤال، واستخبرها الحال - هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر.
فلما أراد أنْ ينصرف قال: والسَّلام عليكما سلامَ مُودّع لا قالٍ ولا سَئم، فإنْ أنصرف فلا عن ملالة، وإنْ نُقِم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده الصابرين.
ومعنى يَصِدُّونَ [الزخرف: ٥٧] أي: يرفعون أصواتهم بالضحك والسخرية من رسول الله.
آية رقم ٥٨
يعني: كان هدفهم من الحديث عن عيسى والعُزَير والملائكة، وسؤالهم: أيدخلون النار من عابديهم، مجرد جدل، وهذا جدل مذموم، لأنهم يريدون أن يُبرروا باطلهم. إذن: جدل باطل ممنوع، أما الجدل المحمود الذي شرعه الشارع فهو الجدل البنَّاء الموصِّل إلى الحق.
لذلك قال الحق عنهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨] معنى (خصم) يعني: مبالغة في الخصومة، وهي الجدل بالباطل، واللَّدد والعناد، نقول: خاصمني فلان فخصمْتُه يعني: انتصرتُ عليه.
لذلك قال الحق عنهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨] معنى (خصم) يعني: مبالغة في الخصومة، وهي الجدل بالباطل، واللَّدد والعناد، نقول: خاصمني فلان فخصمْتُه يعني: انتصرتُ عليه.
آية رقم ٥٩
إِنْ هُوَ [الزخرف: ٥٩] هنا تفيد النفي يعني: ما هو أي سيدنا عيسى إِلاَّ عَبْدٌ [الزخرف: ٥٩] عبد لله كسائر الخلْقِ يعني ليس إلهاً كما يدَّعُون أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩] مثلاً يعني عبرة أو عجيبة من عجائب الخَلْق تظل باقية أبد الدهر، أليس عجيباً أن يتكلم عيسى في المهد؟
فلما سُئلَتْ عنه أمه لم تشأ أنْ تتكلم، لأن كلامها لن ينفي عنها تهمة القوم، فأشارت إليه، عندها تعجبوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً [مريم: ٢٩] فنطق عيسى وهو في مهده: قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ [مريم: ٣٠].
فكان أول كلامه أنْ أثبت عبوديته لله، وهذه المسألة يُخفيها بعض النصارى، لأنها تتعارض ومعتقداتهم في المسيح.
وعجيب أنْ يقول بعد ذلك آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً [مريم: ٣٠] هكذا بصيغة الماضي وهو ما يزال في مهده، كيف؟ لقد آتاه اللهُ الكتابَ وجعله نبياً بعد أنْ كبر وبلغ مبلغَ التكليف وحمل الرسالة، إذن: ما يريده الله سوف يحدث لا محالة، وقد أخبره الله بذلك وهو في مهده.
وكلمة عَبْدٌ [الزخرف: ٥٩] محل العطاء الأوفى من الله، ما دُمْتَ تخلص العبودية لله. هذا الإخلاص الذي رفع العبد الصالح إلى أنْ يسير موسى عليه السلام في ركابه ويتعلم منه، وقال الله عنه: فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً [الكهف: ٦٥].
وفي الإسراء قال تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فكأن العبودية هي محلُّ العطاء، عطاء الرسالة وما هو فوق رسالة.
وهنا أيضاً كانت عبودية المسيح هي محلُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف: ٥٩] بماذا؟ أنعمنا عليه بالاصطفاء للرسالة، وخلقناه على غير مثال سابق في الخلق؛ لذلك قال سبحانه: وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠] أي: معجزة عجيبة دالة على طلاقة القدرة.
وقال هنا وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩] لأنهم قوم ماديون لا يؤمنون بالغيبيات، ودائماً يطلبون الشيء المادي الذي تقع عليه حواسّهم.
ألم يقولوا لموسى: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] وهو سبحانه غَيْب لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ [الأنعام: ١٠٣].
ولما أنزل الله عليهم المنَّ والسَّلْوى، وهو من أجود الطعام وأحسنه قالوا: يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١].
فلما سُئلَتْ عنه أمه لم تشأ أنْ تتكلم، لأن كلامها لن ينفي عنها تهمة القوم، فأشارت إليه، عندها تعجبوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً [مريم: ٢٩] فنطق عيسى وهو في مهده: قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ [مريم: ٣٠].
فكان أول كلامه أنْ أثبت عبوديته لله، وهذه المسألة يُخفيها بعض النصارى، لأنها تتعارض ومعتقداتهم في المسيح.
وعجيب أنْ يقول بعد ذلك آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً [مريم: ٣٠] هكذا بصيغة الماضي وهو ما يزال في مهده، كيف؟ لقد آتاه اللهُ الكتابَ وجعله نبياً بعد أنْ كبر وبلغ مبلغَ التكليف وحمل الرسالة، إذن: ما يريده الله سوف يحدث لا محالة، وقد أخبره الله بذلك وهو في مهده.
وكلمة عَبْدٌ [الزخرف: ٥٩] محل العطاء الأوفى من الله، ما دُمْتَ تخلص العبودية لله. هذا الإخلاص الذي رفع العبد الصالح إلى أنْ يسير موسى عليه السلام في ركابه ويتعلم منه، وقال الله عنه: فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً [الكهف: ٦٥].
وفي الإسراء قال تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فكأن العبودية هي محلُّ العطاء، عطاء الرسالة وما هو فوق رسالة.
وهنا أيضاً كانت عبودية المسيح هي محلُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف: ٥٩] بماذا؟ أنعمنا عليه بالاصطفاء للرسالة، وخلقناه على غير مثال سابق في الخلق؛ لذلك قال سبحانه: وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠] أي: معجزة عجيبة دالة على طلاقة القدرة.
وقال هنا وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩] لأنهم قوم ماديون لا يؤمنون بالغيبيات، ودائماً يطلبون الشيء المادي الذي تقع عليه حواسّهم.
ألم يقولوا لموسى: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] وهو سبحانه غَيْب لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ [الأنعام: ١٠٣].
ولما أنزل الله عليهم المنَّ والسَّلْوى، وهو من أجود الطعام وأحسنه قالوا: يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١].
آية رقم ٦٠
يعني: لو أراد الحق سبحانه لجعل بدلاً منهم - أي: بني إسرائيل - ملائكة يخلفونهم في عمارة الأرض، ولا يكون ذلك إلا بهلاكهم وإبادتهم، فهذا الأمر ليس بعسير على قدرة الله، وفي الآية دليلٌ على طلاقة القدرة، وأنه سبحانه يفعل ما يريد، فلو شاء لَفعلَ.
آية رقم ٦١
وَإِنَّهُ [الزخرف: ٦١] أي: عيسى عليه السلام لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ [الزخرف: ٦١] يعني: علامة من علاماتها يدلُّ على قرب وقوعها فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف: ٦١] لا تشكُّون فيها ولا تجادلون في وقوعها لأنها حق لا مرية فيه.
وَٱتَّبِعُونِ [الزخرف: ٦١] كونوا تابعين لي مقتنعين بكلامي مُقلِّدين لي، لأني أُسْوة لكم في حركة الحياة وفي العبادة هَـٰذَا [الزخرف: ٦١] أي: ما جئتكم به صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [الزخرف: ٦١].
والحق سبحانه وتعالى جعل للساعة علامات واضحة تدل عليها، لأنها من الغيب الذي لا يطلع عليه أحدٌ إلا الله ولا يعرفها أحد، وكلُّ ما نعرفه عن الساعة علاماتها الدالة عليها.
والذي نعتقده في سيدنا عيسى أنه حَيٌّ في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض.
وفي حديث الإسراء أنه نزل وصلَّى خلف رسول الله، وهو وإنْ كان حياً في السماء إلا أنه سينزل إلى الأرض ويموت ويُدفن.
ونقول لمن يعارض هذه المسألة، وكيف أن عيسى حَيٌّ في السماء: لقد أُسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم وعُرِج به إلى السماء، وظل هناك فترة من الزمن طالتْ أم قصرتْ، فحين نقول: إن عيسى في السماء، فالخلاف فقط في مسألة الفترة، والذي يمكث في السماء ساعة أو ساعتين يمكث أكثر.
وَٱتَّبِعُونِ [الزخرف: ٦١] كونوا تابعين لي مقتنعين بكلامي مُقلِّدين لي، لأني أُسْوة لكم في حركة الحياة وفي العبادة هَـٰذَا [الزخرف: ٦١] أي: ما جئتكم به صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [الزخرف: ٦١].
والحق سبحانه وتعالى جعل للساعة علامات واضحة تدل عليها، لأنها من الغيب الذي لا يطلع عليه أحدٌ إلا الله ولا يعرفها أحد، وكلُّ ما نعرفه عن الساعة علاماتها الدالة عليها.
والذي نعتقده في سيدنا عيسى أنه حَيٌّ في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض.
وفي حديث الإسراء أنه نزل وصلَّى خلف رسول الله، وهو وإنْ كان حياً في السماء إلا أنه سينزل إلى الأرض ويموت ويُدفن.
ونقول لمن يعارض هذه المسألة، وكيف أن عيسى حَيٌّ في السماء: لقد أُسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم وعُرِج به إلى السماء، وظل هناك فترة من الزمن طالتْ أم قصرتْ، فحين نقول: إن عيسى في السماء، فالخلاف فقط في مسألة الفترة، والذي يمكث في السماء ساعة أو ساعتين يمكث أكثر.
آية رقم ٦٢
يعني: لا يمنعكم ولا يصرفكم عن الحق والهدى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الزخرف: ٦٢] يعني: واضح العداوة، وعداوته لكم راسخة وقديمة منذ أبيكم آدم، فلا تعطوه الفرصة لأنْ يصدكم عن الحق أو يفتح لكم أبواب الشبهة، لأنه يتصيَّد مواطن الخلاف ويحوم حولها حتى يُوقعكم في الضلال.
فهو القائل: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] أي: في أماكن الطاعة ليفسدها عليهم، والحق سبحانه يُعلِّمنا كيف نتحصَّن منه وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] فاسم الله هو الذي يطرد عنك وساوسَ الشيطان ونزغاته، لأن وارد الشيطان لا بقاء له أبداً مع وارد الرحمن.
قلنا: لو أن لصاً يحوم حول بيتك فسمعك تقول إحم، فإنه يتراجع وينصرف ولو قلتها حتى مصادفة، فأيُّ نزغ من الشيطان ساعةَ تشعر بأنه يحوم حولك، ما عليك إلا أنْ تذكر الله وتستعيذ به من وساوسه.
تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تقولها بصوت عَالٍ، وقد اعترف الشيطان نفسه بأنه لا سلطانَ له على الذين آمنوا وأخلصوا لله تعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢-٨٣].
فهو القائل: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] أي: في أماكن الطاعة ليفسدها عليهم، والحق سبحانه يُعلِّمنا كيف نتحصَّن منه وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] فاسم الله هو الذي يطرد عنك وساوسَ الشيطان ونزغاته، لأن وارد الشيطان لا بقاء له أبداً مع وارد الرحمن.
قلنا: لو أن لصاً يحوم حول بيتك فسمعك تقول إحم، فإنه يتراجع وينصرف ولو قلتها حتى مصادفة، فأيُّ نزغ من الشيطان ساعةَ تشعر بأنه يحوم حولك، ما عليك إلا أنْ تذكر الله وتستعيذ به من وساوسه.
تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تقولها بصوت عَالٍ، وقد اعترف الشيطان نفسه بأنه لا سلطانَ له على الذين آمنوا وأخلصوا لله تعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢-٨٣].
آية رقم ٦٣
بِٱلْبَيِّنَاتِ [الزخرف: ٦٣] الآيات والمعجزات قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ [الزخرف: ٦٣] يعني: الإنجيل وما فيه من أحكام وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] والذي اختلفوا فيه قبل عيسى أو بعد أن انتقل عيسى، فقالوا عنه: ابن الله. وقالوا: ثالث ثلاثة. واليهود قالوا أكثر من هذا.
الحق سبحانه يقول: أنا أعطيتُه الحكمة يعني: الإنجيل. والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه، وعيسى عليه السلام جاء بعد اليهودية، وكانت اليهودية مسرفة في المادية ومنها ينطلقون في كل شيء.
وقلنا: إن هذه المادية هي التي دعتهم إلى أنْ يطلبوا من رسولهم رؤية الله فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] فلا مجالَ للغيبيات في حياتهم، حتى في طعامهم وشرابهم لما أنزل الله عليهم المنّ والسَّلْوى لم يقتنعوا به، وأرادوا طعاماً يصنعونه بأيديهم، فقال لهم: ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ [البقرة: ٦١].
لذلك حينما تقرأ التوراة لا تجد فيها ذكراً لليوم الآخر وكذلك التلمود، مع أن اليوم الآخر والإيمان به ركن من أركان الإيمان، لكنهم لماديتهم لا يُصدقون به؛ لذلك لما جاءت رسالة عيسى عليه السلام جاءت كلها روحانيات لتَجْبُرَ النقص الروحي في اليهودية ولتستوي كفّة الاعتدال في الخَلْق.
لذلك لا نجد في الإنجيل شيئاً عن تقنينات المجتمع، فإنْ أرادوا شيئاً من ذلك أخذوه من التوراة، وقد اضطروا - مع ما بينهم من عداء - إلى أنْ يجمعوا التوراة والإنجيل في كتاب واحد وأسْموه العهد القديم؛ لأن عيسى عليه السلام سُئِلَ مرة عن الميراث فقال: أنا لم أُبعث مُورِّثاً.
إذن: لما طغَتْ المادية قابلها بروحانية، ليحدثَ الاعتدالُ في حركة الحياة لأن الروحانيةَ هي التي تدفع الحركة المادية؛ لذلك جاءت رسالة عيسى تُربِّي المواجيد الدينية وترتفع بالروحانيات.
فالحياة تحتاج للجانبين معاً الحركة المادية التي تتفاعل مع الكون والطبيعة، ففي الكون أشياء تعطيك دون أنْ تتفاعل معها كالشمس والقمر والنجوم والماء والهواء، فأنت فقط مُستقبل، وأشياء أخرى لا تعطيك إلا حين تتفاعل معها، كالأرض تزرعها وتحرثها وترعاها فتعطيك الزرع.
ولأن اليهودية بالغتْ في المادية بالغتْ كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال: "مَنْ كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"، وقال: من ضربك على خَدِّك الأيمن أعطه خدك الأيسر.
وهذه رهبانية لم يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوْهَا حَقَّ رعايتها، يقول تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ٢٧].
إذن: الذي أُخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أُخذ عليهم أنهم ما رَعوْهَا حَقَّ رعايتها، وما دامت اليهودية بالغتْ في المادية، وجاءت المسيحية روحانية صِرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا بدَّ من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام.
وتأمل كيف ضرب القرآن مثلاً لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩].
هكذا جمعتْ أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم يُطبع على الشدة، ولم يُطبع على الرحمة، بل يُشكِّله الموقف، لكن أشداء على مَنْ؟ ورحماءُ لمنْ؟
وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مَثَل لأمة الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي في الإسلام: تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ [الفتح: ٢٩].
أما في الإنجيل فذكر الجانب المادي في الإسلام: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩].
فكأن الإسلام بجمعه بين المادية والروحية هو المنهج المناسب الصالح لقيادة حركة الحياة، فالروحية لا تستقيمُ أبداً بدون المادية، فالعابد مثلاً لا يقيم عبادته إلا برغيف يقيم أَوْده وثوب يستر عورته، فمن أين يأتي بالرغيف؟ ومن أين يأتي بالثوب؟ الرغيف يحتاج إلى فلاح يزرع ويحصد، ويحتاج إلى مطحن، وإلى مخبز وعمال.. إلخ وكذلك الثوب وكلها حركة مادية.
لذلك جعل الحق سبحانه القرآن مهيمناً على الكتب السابقة وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] وقال: وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] أي: يعلو على كُلِّ الكتب السماوية.
وقوله تعالى: وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] مثل الأشياء المحرمة على اليهود، والتي أحلَّها الله لهم مثل الإبل، كما قال تعالى: وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠] وقال: وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦].
الحق سبحانه يقول: أنا أعطيتُه الحكمة يعني: الإنجيل. والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه، وعيسى عليه السلام جاء بعد اليهودية، وكانت اليهودية مسرفة في المادية ومنها ينطلقون في كل شيء.
وقلنا: إن هذه المادية هي التي دعتهم إلى أنْ يطلبوا من رسولهم رؤية الله فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] فلا مجالَ للغيبيات في حياتهم، حتى في طعامهم وشرابهم لما أنزل الله عليهم المنّ والسَّلْوى لم يقتنعوا به، وأرادوا طعاماً يصنعونه بأيديهم، فقال لهم: ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ [البقرة: ٦١].
لذلك حينما تقرأ التوراة لا تجد فيها ذكراً لليوم الآخر وكذلك التلمود، مع أن اليوم الآخر والإيمان به ركن من أركان الإيمان، لكنهم لماديتهم لا يُصدقون به؛ لذلك لما جاءت رسالة عيسى عليه السلام جاءت كلها روحانيات لتَجْبُرَ النقص الروحي في اليهودية ولتستوي كفّة الاعتدال في الخَلْق.
لذلك لا نجد في الإنجيل شيئاً عن تقنينات المجتمع، فإنْ أرادوا شيئاً من ذلك أخذوه من التوراة، وقد اضطروا - مع ما بينهم من عداء - إلى أنْ يجمعوا التوراة والإنجيل في كتاب واحد وأسْموه العهد القديم؛ لأن عيسى عليه السلام سُئِلَ مرة عن الميراث فقال: أنا لم أُبعث مُورِّثاً.
إذن: لما طغَتْ المادية قابلها بروحانية، ليحدثَ الاعتدالُ في حركة الحياة لأن الروحانيةَ هي التي تدفع الحركة المادية؛ لذلك جاءت رسالة عيسى تُربِّي المواجيد الدينية وترتفع بالروحانيات.
فالحياة تحتاج للجانبين معاً الحركة المادية التي تتفاعل مع الكون والطبيعة، ففي الكون أشياء تعطيك دون أنْ تتفاعل معها كالشمس والقمر والنجوم والماء والهواء، فأنت فقط مُستقبل، وأشياء أخرى لا تعطيك إلا حين تتفاعل معها، كالأرض تزرعها وتحرثها وترعاها فتعطيك الزرع.
ولأن اليهودية بالغتْ في المادية بالغتْ كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال: "مَنْ كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"، وقال: من ضربك على خَدِّك الأيمن أعطه خدك الأيسر.
وهذه رهبانية لم يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوْهَا حَقَّ رعايتها، يقول تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ٢٧].
إذن: الذي أُخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أُخذ عليهم أنهم ما رَعوْهَا حَقَّ رعايتها، وما دامت اليهودية بالغتْ في المادية، وجاءت المسيحية روحانية صِرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا بدَّ من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام.
وتأمل كيف ضرب القرآن مثلاً لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩].
هكذا جمعتْ أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم يُطبع على الشدة، ولم يُطبع على الرحمة، بل يُشكِّله الموقف، لكن أشداء على مَنْ؟ ورحماءُ لمنْ؟
وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مَثَل لأمة الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي في الإسلام: تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ [الفتح: ٢٩].
أما في الإنجيل فذكر الجانب المادي في الإسلام: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩].
فكأن الإسلام بجمعه بين المادية والروحية هو المنهج المناسب الصالح لقيادة حركة الحياة، فالروحية لا تستقيمُ أبداً بدون المادية، فالعابد مثلاً لا يقيم عبادته إلا برغيف يقيم أَوْده وثوب يستر عورته، فمن أين يأتي بالرغيف؟ ومن أين يأتي بالثوب؟ الرغيف يحتاج إلى فلاح يزرع ويحصد، ويحتاج إلى مطحن، وإلى مخبز وعمال.. إلخ وكذلك الثوب وكلها حركة مادية.
لذلك جعل الحق سبحانه القرآن مهيمناً على الكتب السابقة وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] وقال: وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] أي: يعلو على كُلِّ الكتب السماوية.
وقوله تعالى: وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] مثل الأشياء المحرمة على اليهود، والتي أحلَّها الله لهم مثل الإبل، كما قال تعالى: وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠] وقال: وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦].
آية رقم ٦٤
نلاحظ هنا استخدام الضمير المنفصل هُوَ [الزخرف: ٦٤] الذي يفيد القصر، فالله هو ربي، ليس غيره رباً لي ولا لكم فَٱعْبُدُوهُ [الزخرف: ٦٤] لأنه حَق هَـٰذَا [الزخرف: ٦٤] أي: ما أدعوكم إليه صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [الزخرف: ٦٤] طريق سويّ لا عِوجَ فيه.
وقلنا: إن الصراط المستقيم هو الطريق (العِدِل) الذي يُوصِّلك للغاية من أقرب مسافة وبأقل مشقَّة، وإذا كان الطريق يوصلك من إلى، فالطريق إلى الله يُوصِّلك من الله إلى الله، من الله تكليفاً، وإلى الله ثمرة وأجراً، حيث الرجوع إليه وحده.
وقلنا: إن الصراط المستقيم هو الطريق (العِدِل) الذي يُوصِّلك للغاية من أقرب مسافة وبأقل مشقَّة، وإذا كان الطريق يوصلك من إلى، فالطريق إلى الله يُوصِّلك من الله إلى الله، من الله تكليفاً، وإلى الله ثمرة وأجراً، حيث الرجوع إليه وحده.
آية رقم ٦٥
ٱلأَحْزَابُ [الزخرف: ٦٥] جمع: حزب وهم الجماعة من الناس يجمعهم فكرٌ واحد واعتقاد واحد، واختلاف الأحزاب يدل على أنها على خطأ وأنها أحزابُ الشيطان، لأن حزبَ الله واحد يأخذ فكره ومعتقداته من كتاب الله: أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: ٦٥] ويل يعني: هلاك، هلاك ممَّنْ؟ من الله والفعل كما قلنا يُقاس بقوة الفاعل، فما بالك إنْ كان العذابُ والهلاكُ من الله؟
وقالوا: ويْلٌ وادٍ في جهنم لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ [الزخرف: ٦٥] أي: ظلموا أنفسهم بالشهوات وبالمعاصي، أو ظلموا غيرهم من الناس مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: ٦٥] فما بالك بالعذاب نفسه، إذا كان اليوم الذي يحدث فيه العذاب يوماً مؤلماً، فكيف يكون العذاب؟
والعذاب يُوصف بأنه أليم يعني: مؤلم للحسن. ويُوصف بأنه مقيم يعني: دائم لا ينقطع. ويُوصف بأنه عظيم وشديد، ويُوصف بأنه مُهين لمَنْ أراد الله إهانته وإذلاله فوق العذاب. إذن: لكل مُجَرَّمٍ ما يناسبه من العذاب.
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: ٦٥] ويل يعني: هلاك، هلاك ممَّنْ؟ من الله والفعل كما قلنا يُقاس بقوة الفاعل، فما بالك إنْ كان العذابُ والهلاكُ من الله؟
وقالوا: ويْلٌ وادٍ في جهنم لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ [الزخرف: ٦٥] أي: ظلموا أنفسهم بالشهوات وبالمعاصي، أو ظلموا غيرهم من الناس مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: ٦٥] فما بالك بالعذاب نفسه، إذا كان اليوم الذي يحدث فيه العذاب يوماً مؤلماً، فكيف يكون العذاب؟
والعذاب يُوصف بأنه أليم يعني: مؤلم للحسن. ويُوصف بأنه مقيم يعني: دائم لا ينقطع. ويُوصف بأنه عظيم وشديد، ويُوصف بأنه مُهين لمَنْ أراد الله إهانته وإذلاله فوق العذاب. إذن: لكل مُجَرَّمٍ ما يناسبه من العذاب.
آية رقم ٦٦
أي: لا ينتظرون إلا الساعة أي القيامة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [الزخرف: ٦٦] أي: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [الزخرف: ٦٦] فإذا علم أنها تأتي فجأة وجب الاستعدادُ لها، حيث لا أحدَ يعرف موعدها لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ [الأعراف: ١٨٧].
وقلنا: إبهام القيامة وإبهام الموت هو عين البيان وغاية التوضيح، فالإبهام الزمني يُوسع العظة فتستعد وتنتظره في كلِّ وقت، كذلك إبهام السبب وإبهام المكان. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤] والموت من دون أسباب هو السبب.
وقلنا: إبهام القيامة وإبهام الموت هو عين البيان وغاية التوضيح، فالإبهام الزمني يُوسع العظة فتستعد وتنتظره في كلِّ وقت، كذلك إبهام السبب وإبهام المكان. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤] والموت من دون أسباب هو السبب.
آية رقم ٦٧
الكلام هنا عن يوم القيامة، حيث تنقلب موازين الإخاء والخُلَّة، قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ [الزخرف: ٦٧] جمع: خليل، وهو الصاحب الذي تودّه وتحبه حتى كأنك تداخلتَ في أعضائه واختلط بلحمه ودمه، كما قال الشاعر:
وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقَ جَهْدَهُ خَليلَيْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا
كَأنَّ خَليلاً فِي خِلالِ خَليلِه تسرّب أثْناءَ العِنَاقِ وَغَابَا
والخُلَّة إمَّا أنْ تكونَ في الخير، وإما أنْ تكون في الشر، خُلَّة الخير هي التي تُعينك على منهج الله، والخليل الحق هو الذي إنْ رآك على الخير أعانك، وإنْ رآك على غير ذلك نصحك وأخذ بيدك.
يقول تعالى في وصف الذين آمنوا: إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وهذان هم الخِلان اللذان عَنَاهُمَا رسول الله في الحديث الشريف: وهذه خُلَّة الحق وخُلَّة الصدق التي تدوم في الدنيا وتتصل مودَّتها إلى يوم القيامة، فهُم أخلاء في الدنيا، أخلاَّء في الآخرة.
أما الأخلاَّء في الشَّر الذين يجتمعون على الشهوات وعلى انتهاك حُرمات الله، فهؤلاء تنقلب خُلَّتهم في الآخرة إلى عداوة وبغضاء، حيث يلوم كلٌّ منهم صاحبه، فالشر الذي اجتمعوا عليه في الدنيا أهلكهم في الآخرة، والمعاصي التي تحابُّوا من أجلها هي التي ألقتْهم في العذاب المقيم.
فكلُّ واحد منهم يرى في الآخر عدواً له لأنه لم يزجره ولم ينهه. ومن هنا اهتمَّ الإسلام باختيار الصديق والصاحب، وعلَّمنا كيف نختار الجليس الصالح والرفيق الصالح.
إذن: ساعة الجزاء ينكشف زَيْفُ العلاقات، ولا تبقى إلا وشائج الخير التي تربط الأخ بأخيه، والقرآن الكريم في أكثر من موضع يُصوِّر لنا ما يدور بين هؤلاء الأخلاء في الدنيا الأعداء في الآخرة.
من ذلك قوله تعالى: وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقَ جَهْدَهُ خَليلَيْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا
كَأنَّ خَليلاً فِي خِلالِ خَليلِه تسرّب أثْناءَ العِنَاقِ وَغَابَا
والخُلَّة إمَّا أنْ تكونَ في الخير، وإما أنْ تكون في الشر، خُلَّة الخير هي التي تُعينك على منهج الله، والخليل الحق هو الذي إنْ رآك على الخير أعانك، وإنْ رآك على غير ذلك نصحك وأخذ بيدك.
يقول تعالى في وصف الذين آمنوا: إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣].
وهذان هم الخِلان اللذان عَنَاهُمَا رسول الله في الحديث الشريف: وهذه خُلَّة الحق وخُلَّة الصدق التي تدوم في الدنيا وتتصل مودَّتها إلى يوم القيامة، فهُم أخلاء في الدنيا، أخلاَّء في الآخرة.
أما الأخلاَّء في الشَّر الذين يجتمعون على الشهوات وعلى انتهاك حُرمات الله، فهؤلاء تنقلب خُلَّتهم في الآخرة إلى عداوة وبغضاء، حيث يلوم كلٌّ منهم صاحبه، فالشر الذي اجتمعوا عليه في الدنيا أهلكهم في الآخرة، والمعاصي التي تحابُّوا من أجلها هي التي ألقتْهم في العذاب المقيم.
فكلُّ واحد منهم يرى في الآخر عدواً له لأنه لم يزجره ولم ينهه. ومن هنا اهتمَّ الإسلام باختيار الصديق والصاحب، وعلَّمنا كيف نختار الجليس الصالح والرفيق الصالح.
إذن: ساعة الجزاء ينكشف زَيْفُ العلاقات، ولا تبقى إلا وشائج الخير التي تربط الأخ بأخيه، والقرآن الكريم في أكثر من موضع يُصوِّر لنا ما يدور بين هؤلاء الأخلاء في الدنيا الأعداء في الآخرة.
من ذلك قوله تعالى: وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
آية رقم ٦٨
كلمة عيد تُجمع على: عبيد وعباد ولكل منهما معنى، عبيد تشمل كل الناس المؤمن والكافر والطائع والعاصي، لأنهم جميعاً عبيد بمعنى خاضعين لله في قَهْريات لا يمكنهم أبداً الفكاك عنها كالمرض والموت وغيره، كلنا مشتركون فيها، وكلنا عبيد بهذا المعنى.
أما العباد فَهُم الخاصَّة الذين اختاروا الله، وأخلصوا له العبادة، وتنازلوا عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده فاستحقوا هذه المنزلة.
يٰعِبَادِ [الزخرف: ٦٨] فنسبهم الله إليه وأضافهم إلى ذاته تعالى، ولم يأت لفظ عباد خلاف هذا المعنى إلا في موضع واحد في معرض الحديث عن يوم القيامة: أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ [الفرقان: ١٧] فسمَّاهم عباداً مع أنهم ضالون. قالوا: لأن الكلام هنا عن يوم القيامة حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار في أنْ يؤمن أو يكفر، فالجميع هنا طائع لا اختيارَ له فسمَّاهم عباداً.
فالحق سبحانه يكرمنا بهذا النداء يٰعِبَادِ [الزخرف: ٦٨] ويشرفنا بالانتساب إليه سبحانه على حَدِّ قول الشاعر:
وَممَّا زَادَنِي شَرَفاً وَعِزاً وَكِدْتُّ بِأخمُصي أَطَأُ الثُّريَّا
دُخولِي تحتَ قوْلكَ يا عبَادي وأَنْ صيَّرتَ أحمدَ لي نبيّا
وقوله: لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] نعم فأيُّ خوف ونحن عباد الله؟ أيُّ خوف يصيبنا بعد أن التحمنا به تعالى، ألسنا في الدنيا نقول: لا كرب، وأنت ربّ؟ إذن: لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] أي: على ما فاتكم من نعيم الدنيا لأنكم مُقبلون على ما هو خير وأبقى من نعيم الدنيا.
أما العباد فَهُم الخاصَّة الذين اختاروا الله، وأخلصوا له العبادة، وتنازلوا عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده فاستحقوا هذه المنزلة.
يٰعِبَادِ [الزخرف: ٦٨] فنسبهم الله إليه وأضافهم إلى ذاته تعالى، ولم يأت لفظ عباد خلاف هذا المعنى إلا في موضع واحد في معرض الحديث عن يوم القيامة: أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ [الفرقان: ١٧] فسمَّاهم عباداً مع أنهم ضالون. قالوا: لأن الكلام هنا عن يوم القيامة حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار في أنْ يؤمن أو يكفر، فالجميع هنا طائع لا اختيارَ له فسمَّاهم عباداً.
فالحق سبحانه يكرمنا بهذا النداء يٰعِبَادِ [الزخرف: ٦٨] ويشرفنا بالانتساب إليه سبحانه على حَدِّ قول الشاعر:
وَممَّا زَادَنِي شَرَفاً وَعِزاً وَكِدْتُّ بِأخمُصي أَطَأُ الثُّريَّا
دُخولِي تحتَ قوْلكَ يا عبَادي وأَنْ صيَّرتَ أحمدَ لي نبيّا
وقوله: لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] نعم فأيُّ خوف ونحن عباد الله؟ أيُّ خوف يصيبنا بعد أن التحمنا به تعالى، ألسنا في الدنيا نقول: لا كرب، وأنت ربّ؟ إذن: لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] أي: على ما فاتكم من نعيم الدنيا لأنكم مُقبلون على ما هو خير وأبقى من نعيم الدنيا.
آية رقم ٦٩
ﮭﮮﮯﮰﮱ
ﯓ
هذه الآية تبين أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح التي تنفذ المنهج الذي أمرك به الله، لذلك رأينا المنافقين هم أسبقُ الناس إلى الصلاة، مع أن قلوبهم ليست كذلك.
واقرأ قوله تعالى: قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] لذلك كانوا يقفون في الصف الأول لينفوا عن أنفسهم تهمة النفاق، ومن العجيب أن يظهر النفاق في المدينة وهي بلد الأنصار ومنطلق الإسلام، ولم يظهر في مكة معقل الكفر والأصنام، وأشد البلاد عداءً للإسلام.
ولما تأملنا هذه الظاهرة قلنا: إن النفاق لا يظهر إلا أمام قوة ترهب فيظهر مَنْ ينافقها، وقد أصبح رسول الله في المدينة قوة ترهب، وله شوكة وأنصار وجيش، أما في مكة فكان في موقف ضعف واضطهاد، فعلامَ يُنَافِق؟
قوله تعالى: ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا [الزخرف: ٦٩] أي: اقتنعتْ قلوبهم بها، والاقتناع له مراتب: علم اليقين حين يخبرك مَنْ تثق في صدقه، وعين اليقين حين تشاهد الشيء بعينك، وحق اليقين حين تباشره وتُجرِّبه بحواسِّك أنت.
أذكر أنني سافرت مرة إلى أندونيسيا، ورأيت هناك أصابع الموز الأصبع الواحد نصف متر، فتعجبتُ وأخذت منها معي حين عودتي إلى مصر ليراها أولادي، فلما عدت قلتُ لهم تصوَّروا لقد رأيت في إندونيسيا كذا وكذا، طبعاً تعجبوا وهم يعرفون أنِّي لا أكذب عليهم، هذا يُسمَّى علم اليقين.
ثم قلتُ لهم: افتحوا هذه الحقيبة، ففتحوها ووجدوا بها أصابع الموز كما أخبرتهم، هذا يسمى عين اليقين، فلما أخرجوها وتذوَّقوا طعمها وباشروا ملمسها ولونها أصبح الأمرُ حق اليقين، وهكذا.
فالذي يؤمن علمَ اليقين هل يُنفذ ما آمن به، الذي يعمل وينفذ مسلم، والذي لا ينفذ منافق، لأنه آمن باللسان ولم يعمل بما آمن به.
والأعراب لما سمعوا هذه الآية اطمأنوا إلى أنهم سيؤمنون في المستقبل، لأنهم يعرفون معنى (لما)، فهي تفيد نفي الماضي والحاضر دون المستقبل.
فقوله تعالى: قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] إذن: سيدخل فيما بعد.
واقرأ قوله تعالى: قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] لذلك كانوا يقفون في الصف الأول لينفوا عن أنفسهم تهمة النفاق، ومن العجيب أن يظهر النفاق في المدينة وهي بلد الأنصار ومنطلق الإسلام، ولم يظهر في مكة معقل الكفر والأصنام، وأشد البلاد عداءً للإسلام.
ولما تأملنا هذه الظاهرة قلنا: إن النفاق لا يظهر إلا أمام قوة ترهب فيظهر مَنْ ينافقها، وقد أصبح رسول الله في المدينة قوة ترهب، وله شوكة وأنصار وجيش، أما في مكة فكان في موقف ضعف واضطهاد، فعلامَ يُنَافِق؟
قوله تعالى: ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا [الزخرف: ٦٩] أي: اقتنعتْ قلوبهم بها، والاقتناع له مراتب: علم اليقين حين يخبرك مَنْ تثق في صدقه، وعين اليقين حين تشاهد الشيء بعينك، وحق اليقين حين تباشره وتُجرِّبه بحواسِّك أنت.
أذكر أنني سافرت مرة إلى أندونيسيا، ورأيت هناك أصابع الموز الأصبع الواحد نصف متر، فتعجبتُ وأخذت منها معي حين عودتي إلى مصر ليراها أولادي، فلما عدت قلتُ لهم تصوَّروا لقد رأيت في إندونيسيا كذا وكذا، طبعاً تعجبوا وهم يعرفون أنِّي لا أكذب عليهم، هذا يُسمَّى علم اليقين.
ثم قلتُ لهم: افتحوا هذه الحقيبة، ففتحوها ووجدوا بها أصابع الموز كما أخبرتهم، هذا يسمى عين اليقين، فلما أخرجوها وتذوَّقوا طعمها وباشروا ملمسها ولونها أصبح الأمرُ حق اليقين، وهكذا.
فالذي يؤمن علمَ اليقين هل يُنفذ ما آمن به، الذي يعمل وينفذ مسلم، والذي لا ينفذ منافق، لأنه آمن باللسان ولم يعمل بما آمن به.
والأعراب لما سمعوا هذه الآية اطمأنوا إلى أنهم سيؤمنون في المستقبل، لأنهم يعرفون معنى (لما)، فهي تفيد نفي الماضي والحاضر دون المستقبل.
فقوله تعالى: قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] إذن: سيدخل فيما بعد.
آية رقم ٧٠
ﯔﯕﯖﯗﯘ
ﯙ
هذا هو الجزاء، جزاء الذين آمنوا وكانوا مسلمين، يقول الله لهم أي يوم القيامة: ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٧٠] وخصَّ الأزواج لأن كلَّ متعة يتمتعها الإنسان ويُسَرُّ بها تدبُّ فيه غرائز المراهقة، ويميل إلى أنْ تكونَ له زوجة تشاركه متعته وسروره، وهي كذلك.
فالزوج إذن - سواء الزوج أو الزوجة - هو المرافق المشتهي أولاً، والمعين ثانياً سَكناً ومودَّة ورحمة، السكن والمودة معروفة بين الزوجين، أما الرحمة فمتى تكون؟
الرحمة نراها بين الزوجين في فترة الكِبَر والشيخوخة حينما يكون كلٌّ منهما في حاجة إلى الرحمة من الآخر، الرحمة قبل أيِّ مشاعر أخرى.
ومعنى تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٧٠] الحبور: شدة السُّرور، وهو شيء من الصفاء والوضاءة والبهاء تعلو وجه الإنسان حينما يفرح فرحاً لا ينغِّصه شيء، كما جاء في قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ [المطففين: ٢٤].
فالزوج إذن - سواء الزوج أو الزوجة - هو المرافق المشتهي أولاً، والمعين ثانياً سَكناً ومودَّة ورحمة، السكن والمودة معروفة بين الزوجين، أما الرحمة فمتى تكون؟
الرحمة نراها بين الزوجين في فترة الكِبَر والشيخوخة حينما يكون كلٌّ منهما في حاجة إلى الرحمة من الآخر، الرحمة قبل أيِّ مشاعر أخرى.
ومعنى تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٧٠] الحبور: شدة السُّرور، وهو شيء من الصفاء والوضاءة والبهاء تعلو وجه الإنسان حينما يفرح فرحاً لا ينغِّصه شيء، كما جاء في قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ [المطففين: ٢٤].
آية رقم ٧١
الحديث هنا عن نعيم الجنة، والصحاف: جمع صحفة وهي (الطبق) الواسع الذي تأكل فيه الأسرة كلها، والأكبر منها قصعة، والأكبر من القصعة جفنة، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله أخبر عن ابن جدعان أنه كان له جَفنة، كبيرة حتى أنه كان يُستظلُّ بظلها من حَرِّ الشمس.
وفي قصة سيدنا سليمان والجن الذي سخَّره الله لخدمته، قال تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ.. [سبأ: ١٣].
كذلك في الجنة صحاف لكن من ذهب.
وَأَكْوَابٍ [الزخرف: ٧١] جمع كوب، وهو إناء يُشرب فيه ليستْ له عُرْوة، وهناك الأباريق جمع إبريق، وهو إناء يُشرب فيه له عروة وفتحة من أعلى، وهناك الكأس وهي الكوب إذا كان ملآناً بالشراب.
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] هذا وَصْف مُوجز للمتعدِّد الذي يطول المقام بذكر تفاصيله، فالذي يُقدَّم في هذه الصحاف وفي هذه الأكواب مما تشتهيه الأنفسُ من الطعام والشراب، هذا من حيث الطعم.
وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] يعني: لونه رائقٌ لك جميل في عينك، مجرد النظر إليه فيه لذة، فما بالك بطعمه ومذاقه، لذلك حينما تستضيف مثلاً عزيزاً لديك تقول له: ماذا تحب أن تأكل، لماذا؟ لتصنع له ما يشتهيه وما تميل إليه نفسه.
يعني: المسألة ليست (حشو بطن) فحسب. وتلحظ أنه ذكر الصِّحاف أولاً، ثم الأكواب، لأن الإنسانَ عادة يأكل ثم يشرب، ففيها ترتيب للأهمية.
وذكر لذة الأعين بالطعام، لأنك تجد بالنظر إليه متعة ربما تفوق متعةَ الأكل، لذلك قال تعالى في موضع آخر ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ [الأنعام: ٩٩] فجمع إلى لذة الطعام لذة النظر إليه.
وقوله: وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: ٧١] لأن هذه دارُ بقاء وخلود، ليس فيها موت، وليس فيها انقطاعٌ للنعمة فلا تفوتك النعمة ولا تفوتها، يعني: لذة صافية لا ينغِّصها شيء، كما قال تعالى: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣] لأنها عطاء الله، وعطاءُ الله دائمٌ لا ينقطع.
وفي قصة سيدنا سليمان والجن الذي سخَّره الله لخدمته، قال تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ.. [سبأ: ١٣].
كذلك في الجنة صحاف لكن من ذهب.
وَأَكْوَابٍ [الزخرف: ٧١] جمع كوب، وهو إناء يُشرب فيه ليستْ له عُرْوة، وهناك الأباريق جمع إبريق، وهو إناء يُشرب فيه له عروة وفتحة من أعلى، وهناك الكأس وهي الكوب إذا كان ملآناً بالشراب.
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] هذا وَصْف مُوجز للمتعدِّد الذي يطول المقام بذكر تفاصيله، فالذي يُقدَّم في هذه الصحاف وفي هذه الأكواب مما تشتهيه الأنفسُ من الطعام والشراب، هذا من حيث الطعم.
وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] يعني: لونه رائقٌ لك جميل في عينك، مجرد النظر إليه فيه لذة، فما بالك بطعمه ومذاقه، لذلك حينما تستضيف مثلاً عزيزاً لديك تقول له: ماذا تحب أن تأكل، لماذا؟ لتصنع له ما يشتهيه وما تميل إليه نفسه.
يعني: المسألة ليست (حشو بطن) فحسب. وتلحظ أنه ذكر الصِّحاف أولاً، ثم الأكواب، لأن الإنسانَ عادة يأكل ثم يشرب، ففيها ترتيب للأهمية.
وذكر لذة الأعين بالطعام، لأنك تجد بالنظر إليه متعة ربما تفوق متعةَ الأكل، لذلك قال تعالى في موضع آخر ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ [الأنعام: ٩٩] فجمع إلى لذة الطعام لذة النظر إليه.
وقوله: وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: ٧١] لأن هذه دارُ بقاء وخلود، ليس فيها موت، وليس فيها انقطاعٌ للنعمة فلا تفوتك النعمة ولا تفوتها، يعني: لذة صافية لا ينغِّصها شيء، كما قال تعالى: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٣] لأنها عطاء الله، وعطاءُ الله دائمٌ لا ينقطع.
آية رقم ٧٢
قوله أُورِثْتُمُوهَا [الزخرف: ٧٢] أخذتموها إرثاً، والإرث يكون بعد موت صاحبه كالميت يموت ويترك ملكه وتركته لمن بعده من أولاده وأقاربه، إذن: هؤلاء يملكون التركة بدون عقد وبدون ثمن، لكن ورثوا مَنْ؟
يقول تعالى في آية أخرى: أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠-١١] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخَلْق أحصاه عدداً وكتب في الميقات الأزلي كل شيء، وقد صحَّ أن القلم قد جَفَّ على ذلك.
ولما سُئِل المأمون: ما شُغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال: أمور يُبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً، ويخفض آخرين.
قالوا في مسألة الإرث هذه أن المؤمنين في الجنة ورثوا الكافرين وأخذوا أماكنهم في الجنة، لأن الحق سبحانه جعل لكل إنسان مكاناً في الجنة ومكاناً في النار، حتى إنْ جاء كُلُّ الخَلْق مؤمنين طائعين كانت لهم أماكن تكفيهم في الجنة، وكذلك إنْ كفروا جميعاً وُجدتْ لهم أماكن في النار.
فساعة يدخل أهلُ النار النارَ تخلُو أماكنهم في الجنة فيجعلها الحق سبحانه من حَقِّ المؤمنين ويُورثهم إياها تفضُّلاً منه وتَكَرُّماً أولاً، ثم جزاء تفوقهم في الإيمان والعمل الصالح في الدنيا.
لذلك قال: أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢] فالعمل الصالح إذن هو المعوّل الأساس في دخول الجنة، وفي إرث أماكن أهل النار.
ونلاحظ في مسألة الإرث أنه ينقل ملكية الشيء من المورِّث إلى وارثه، ويكون هذا الإرث حلالاً للوارث بصرف النظر عن مصدره من أين، من حلال أو من حرام، فلو أن رجلاً كسب مالاً من حرام فيتحمَّل هو وزره وحده ويُطوَّق به يوم القيامة.
فإن انتقل إلى الوارث كان بالنسبة له حلالاً لا شيء عليه فيه، لأن المسؤولية هنا لا تتعدى، وقد حسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة لما قال: لذلك الوارث ليس له أنْ يسأل عن مصدر هذا المال الذي ورثه، فهو مثل الزوجة لا تسأل زوجها عن مصدر النفقة التي يدفعها لها، ومثل الولد دون البلوغ ليس له أنْ يسألَ والده من أين يأتي بالمال الذي ينفقه عليه.
لكن للولد ذلك لما يبلغ ويصبح قادراً على الكسب، فله أنْ يسأل لأنه أصبح قادراً على الكسب من الحلال بنفسه.
ذلك قياساً على قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فبعد البلوغ لم يبْق له حَقٌّ على أبيه، بل انتقل الحقُّ منه لأبيه إلا أنْ يتفضل الأب.
وقلنا: إن قضية تفضُّل الأب عندنا أثَّرتْ بالسلب على اقتصادياتنا، لأن حنان الآباء الزائد وتدليلَ الأولاد جعل فترة الطفولة تمتدُّ في شبابنا إلى سِنِّ الخامسة والعشرين بل والثلاثين، والولد فيها عَالةٌ على أبيه يريد منه كل شيء، حتى الشقة والجهاز والزواج، ركن الشباب عندنا إلى الراحة وألقوْا بالمسئولية على الآباء، وهذا يضيع علينا طاقات كثيرة لا تُستغل.
لذلك تفوَّق علينا الغرب في هذه المسألة، ففي مثل هذه السِّنِّ يخرج الشابُّ عندهم إلى الحياة وإلى ساحة العمل، ويتحمَّل مسؤوليته بنفسه، ويستقل كليةً عن الأسرة، صحيح أنهم وقعوا في خطأ في هذا الموضوع أنهم سَوَّوْا بين الفتى والفتاة، لأن الفتاة لها وَضْع آخر، لذلك هنا نحتضنها إلى أنْ تتزوج، فلا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها.
يقول تعالى في آية أخرى: أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠-١١] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخَلْق أحصاه عدداً وكتب في الميقات الأزلي كل شيء، وقد صحَّ أن القلم قد جَفَّ على ذلك.
ولما سُئِل المأمون: ما شُغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال: أمور يُبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً، ويخفض آخرين.
قالوا في مسألة الإرث هذه أن المؤمنين في الجنة ورثوا الكافرين وأخذوا أماكنهم في الجنة، لأن الحق سبحانه جعل لكل إنسان مكاناً في الجنة ومكاناً في النار، حتى إنْ جاء كُلُّ الخَلْق مؤمنين طائعين كانت لهم أماكن تكفيهم في الجنة، وكذلك إنْ كفروا جميعاً وُجدتْ لهم أماكن في النار.
فساعة يدخل أهلُ النار النارَ تخلُو أماكنهم في الجنة فيجعلها الحق سبحانه من حَقِّ المؤمنين ويُورثهم إياها تفضُّلاً منه وتَكَرُّماً أولاً، ثم جزاء تفوقهم في الإيمان والعمل الصالح في الدنيا.
لذلك قال: أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢] فالعمل الصالح إذن هو المعوّل الأساس في دخول الجنة، وفي إرث أماكن أهل النار.
ونلاحظ في مسألة الإرث أنه ينقل ملكية الشيء من المورِّث إلى وارثه، ويكون هذا الإرث حلالاً للوارث بصرف النظر عن مصدره من أين، من حلال أو من حرام، فلو أن رجلاً كسب مالاً من حرام فيتحمَّل هو وزره وحده ويُطوَّق به يوم القيامة.
فإن انتقل إلى الوارث كان بالنسبة له حلالاً لا شيء عليه فيه، لأن المسؤولية هنا لا تتعدى، وقد حسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة لما قال: لذلك الوارث ليس له أنْ يسأل عن مصدر هذا المال الذي ورثه، فهو مثل الزوجة لا تسأل زوجها عن مصدر النفقة التي يدفعها لها، ومثل الولد دون البلوغ ليس له أنْ يسألَ والده من أين يأتي بالمال الذي ينفقه عليه.
لكن للولد ذلك لما يبلغ ويصبح قادراً على الكسب، فله أنْ يسأل لأنه أصبح قادراً على الكسب من الحلال بنفسه.
ذلك قياساً على قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فبعد البلوغ لم يبْق له حَقٌّ على أبيه، بل انتقل الحقُّ منه لأبيه إلا أنْ يتفضل الأب.
وقلنا: إن قضية تفضُّل الأب عندنا أثَّرتْ بالسلب على اقتصادياتنا، لأن حنان الآباء الزائد وتدليلَ الأولاد جعل فترة الطفولة تمتدُّ في شبابنا إلى سِنِّ الخامسة والعشرين بل والثلاثين، والولد فيها عَالةٌ على أبيه يريد منه كل شيء، حتى الشقة والجهاز والزواج، ركن الشباب عندنا إلى الراحة وألقوْا بالمسئولية على الآباء، وهذا يضيع علينا طاقات كثيرة لا تُستغل.
لذلك تفوَّق علينا الغرب في هذه المسألة، ففي مثل هذه السِّنِّ يخرج الشابُّ عندهم إلى الحياة وإلى ساحة العمل، ويتحمَّل مسؤوليته بنفسه، ويستقل كليةً عن الأسرة، صحيح أنهم وقعوا في خطأ في هذا الموضوع أنهم سَوَّوْا بين الفتى والفتاة، لأن الفتاة لها وَضْع آخر، لذلك هنا نحتضنها إلى أنْ تتزوج، فلا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها.
آية رقم ٧٣
ﯴﯵﯶﯷﯸﯹ
ﯺ
سبق أنْ ذكر الحق سبحانه الطعام والشراب في الجنة وأنها في صِحَاف وفي أكواب وهذه معروفة للعرب، وهنا يذكر أن من نِعَم الجنة الفاكهة، والعرب لم تكُنْ تعهد الفاكهة ولا تعرف الكثير منها، لذلك خَصَّ الفاكهة بعد ذكر الطعام والشراب، والفاكهة بعد الطعام والشراب دليل على الرفاهية والمتعة التامة، والفاكهة من التفكّه. يعني: ليست من الضروريات بل من الرفاهية (فنطظية يعني).
الحق سبحانه وتعالى أعطانا ضروريات الحياة من المأكل والمشرب والملبس، ثم زادنا ما نُرفِّه به حياتنا، اقرأ مثلاً: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦] فاللباس الذي يُواري السوءة من الضروريات ورياش للزينة والترفَه، ثم نبَّه إلى ما هو أهمّ من اللباس المادي، إنه اللباس المعنوي الذي يسترك في دنياك وأُخْراك، إنه لباسُ التقوى.
وبعد أنْ أعطانا الحق سبحانه صورة موجزة لأهل الجنة وبعض ما فيها من نعيم ليعطينا المقابل لتتضح الصورة أكثر، وهذه سِمَة من سمات الأسلوب القرآني، لأن النفسَ حين تذكر لها ما تنبسط له، ثم تذكر ما تنقبض له يظهر لها الفرق، مثل قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤].
وهنا يقول تعالى:
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ... .
الحق سبحانه وتعالى أعطانا ضروريات الحياة من المأكل والمشرب والملبس، ثم زادنا ما نُرفِّه به حياتنا، اقرأ مثلاً: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦] فاللباس الذي يُواري السوءة من الضروريات ورياش للزينة والترفَه، ثم نبَّه إلى ما هو أهمّ من اللباس المادي، إنه اللباس المعنوي الذي يسترك في دنياك وأُخْراك، إنه لباسُ التقوى.
وبعد أنْ أعطانا الحق سبحانه صورة موجزة لأهل الجنة وبعض ما فيها من نعيم ليعطينا المقابل لتتضح الصورة أكثر، وهذه سِمَة من سمات الأسلوب القرآني، لأن النفسَ حين تذكر لها ما تنبسط له، ثم تذكر ما تنقبض له يظهر لها الفرق، مثل قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤].
وهنا يقول تعالى:
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ... .
آية رقم ٧٤
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ
ﭗ
الحق سبحانه يقرر لنا حقائق ثلاث عن المجرمين: أنهم خالدون في العذاب فهو عذاب ممتدٌّ لا نهاية له، ثم لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ.. [الزخرف: ٧٥] يعني: لا يُخفف عنهم وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف: ٧٥] يعني: متحسِّرون يائسون من النجاة، يائسون من الخير لا أملَ عندهم في الخروج منها، وهكذا جمع عليهم كلَّ جوانب الألم والحسرة واليأس وقَطْع الرجاء.
آية رقم ٧٥
ﭘﭙﭚﭛﭜﭝ
ﭞ
الحق سبحانه يقرر لنا حقائق ثلاث عن المجرمين: أنهم خالدون في العذاب فهو عذاب ممتدٌّ لا نهاية له، ثم لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ.. [الزخرف: ٧٥] يعني: لا يُخفف عنهم وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف: ٧٥] يعني: متحسِّرون يائسون من النجاة، يائسون من الخير لا أملَ عندهم في الخروج منها، وهكذا جمع عليهم كلَّ جوانب الألم والحسرة واليأس وقَطْع الرجاء.
آية رقم ٧٦
ﭟﭠﭡﭢﭣﭤ
ﭥ
لأن ما صاروا إليه من العذاب جزاءَ عملهم ليس ظُلْماً لهم، لأننا هديناهم وبيَّنا لهم الخير والشر وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ [البلد: ١٠] وقال: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] ومع ذلك ظلموا أنفسهم حين تعجَّلوا لها الشهوات، وأخذوها في الحرام فحرمهم الله من المتعة الحلال الأبدية في الآخرة، وشَرُّ الظلم أنْ يظلمَ الإنسانُ نفسه، وظُلم النفس حُمْق وتَعدٍّ.
آية رقم ٧٧
الكلام هنا عن أهل النار والعياذ بالله ينادون مالك خازن النار يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ.. [الزخرف: ٧٧] يعني: بالموت لنستريحَ ممَّا نحن فيه من العذاب الدائم الذي لا ينتهي، لأن الحق سبحانه يقول كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦].
وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب.
لكن نلحظ أن الفعل لِيَقْضِ.. [الزخرف: ٧٧] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه.
(قال) أي مالك إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ.. [الزخرف: ٧٨] أي: الدين الحق والمنهج الحق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨] وهذا معنى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦].
ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.
وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.
وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً... .
وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب.
لكن نلحظ أن الفعل لِيَقْضِ.. [الزخرف: ٧٧] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه.
(قال) أي مالك إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ.. [الزخرف: ٧٨] أي: الدين الحق والمنهج الحق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨] وهذا معنى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦].
ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.
وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.
وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً... .
آية رقم ٧٨
الكلام هنا عن أهل النار والعياذ بالله ينادون مالك خازن النار يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ.. [الزخرف: ٧٧] يعني: بالموت لنستريحَ ممَّا نحن فيه من العذاب الدائم الذي لا ينتهي، لأن الحق سبحانه يقول كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦].
وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب.
لكن نلحظ أن الفعل لِيَقْضِ.. [الزخرف: ٧٧] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه.
(قال) أي مالك إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ.. [الزخرف: ٧٨] أي: الدين الحق والمنهج الحق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨] وهذا معنى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦].
ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.
وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.
وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً... .
وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب.
لكن نلحظ أن الفعل لِيَقْضِ.. [الزخرف: ٧٧] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه.
(قال) أي مالك إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ.. [الزخرف: ٧٨] أي: الدين الحق والمنهج الحق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨] وهذا معنى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦].
ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.
وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.
وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠].
وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً... .
آية رقم ٧٩
ﭸﭹﭺﭻﭼ
ﭽ
يعني: أحكموا كيداً لك يا محمد وبيَّتوه واتفقوا عليه، فلا تهتمَّ لأننا لهم بالمرصاد فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [الزخرف: ٧٩] يعني: نحكم كيداً كما أحكموا كيداً. ونحن نعلم ما يُبيِّتونه ولا يخفى علينا، وهم لا يعلمون ما نُبيِّته لهم، إذن: أيُّ الفريقين أقوى؟
آية رقم ٨٠
أيظنون أنَّا لا نسمع ما يُبرمونه وما يُحكِمون تخطيطه لإيذاء رسول الله، ولا نسمع سِرهم، والسر هو الحديث تُسِرُّ به إلى آخر، أو السرُّ إذا سمعتَ شيئاً وبقي سِراً في صدرك لا يطلع أحدٌ عليه.
والنجوى هي الحديث الخافت بين اثنين بحيث لا يسمعهما ثالث لكن الله يسمع سرَّهم ويسمع نجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل وأكثر من ذلك وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] يعني: نسمعهم ونُحصي عليه ما قالوا، فلنَا رسل وملائكة تكتب وتسجل ما يقولون وما يفعلون.
فلو قلتَ: إذا كان الحق سبحانه يعلم ويسمع ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، فما فائدة التسجيل عليهم وكتابة سِرِّهم ونجواهم؟
قلنا: الكتابة تفيد الملائكة فهي من أجلهم، حتى إذا ما رأوا الأحداث تحدث كما سُجِّلتْ في اللوح المحفوظ يعلمون أن الله عليم حكيم فيزدادوا يقيناً فوق يقينهم، وإيماناً على إيمانهم.
والنجوى هي الحديث الخافت بين اثنين بحيث لا يسمعهما ثالث لكن الله يسمع سرَّهم ويسمع نجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل وأكثر من ذلك وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] يعني: نسمعهم ونُحصي عليه ما قالوا، فلنَا رسل وملائكة تكتب وتسجل ما يقولون وما يفعلون.
فلو قلتَ: إذا كان الحق سبحانه يعلم ويسمع ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، فما فائدة التسجيل عليهم وكتابة سِرِّهم ونجواهم؟
قلنا: الكتابة تفيد الملائكة فهي من أجلهم، حتى إذا ما رأوا الأحداث تحدث كما سُجِّلتْ في اللوح المحفوظ يعلمون أن الله عليم حكيم فيزدادوا يقيناً فوق يقينهم، وإيماناً على إيمانهم.
آية رقم ٨١
هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (قُلْ) يا محمد لمنْ يدَّعي أن للرحمن ولداً قُلْ [الزخرف: ٨١] أي على سبيل الفرض قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] وعلى اعتبار (إنْ) شرطية فالمعنى إنْ كان للرحمن ولد وهو سبحانه الذي يخبرني بهذه الحقيقة فأنا أولُ العابدين له، لأنني آخذ ثقافتي وآخذ أوامري من ربي لا منكم.
وبعضهم قال (إنْ) هنا نافية، مثل قوله تعالى: مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ [المجادلة: ٢] فالمعنى: قُلْ ما كان للرحمن ولد فأنا أول مَنْ ينفي ذلك لأنني أول العابدين، وأول المؤمنين بوحدانية الله تعالى.
الحق تعالى وصف نفسه سبحانه بوصفين، البعض يظن أنهما بمعنى واحد، لكن طالما هما لفظان مختلفان فلا بدَّ أن لكل منهما معنىً خاصاً لا يؤديه الوصفُ الآخر، الحق وصف نفسه بأنه واحد أحد.
قلنا: واحد يعني فرد لا ثانيَ له فهي تنفي التعددية، أما أحد أي واحد في ذاته ليس له أجزاء، لأن الشيء المكوَّن من أجزاء يكون كل جزء فيه محتاجاً إلى الأجزاء الأخرى.
وطالما أنه تعالى أحد في ذاته إذن ليس له ولد لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: يعني: جزء مني.
وإذا أخذنا بهذا المبدأ وسَلْسَلْنا نسب كلٍّ منا لا بدَّ أنْ نصلَ إلى أبينا آدم عليه السلام، وعرفنا أن كلاّ منَّا فيه بضعة أو ذرة من أبيه آدم، هذه الذرة هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في مرحلة الذَّرِّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وهذه الذرّة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في الإنسان، ومنها تنطلق حركةُ الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على التوبة؟ إنه عملُ هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول مَنْ سمع نداء الله وبلاغٌ عن الله.
والقرآن الكريم أفاد أن الجنَّ أوعى من الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسانُ قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ونسب له الولدَ؛ فالجنُّ نفتْ ذلك ونزَّهتْ الله عن الولد وعن الصاحبة، واقرأ قوله تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ولداً، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد من أسباب الفساد في الكون، يقول تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤].
ونحن نقول مثلاً في أعراف البشر: تزوج مبكراً لتجنبَ ولداً يعولك في شيخوختك، وهل الحق سبحانه يتخذ الولد لأنه في حاجة إليه كما نحتاجه نحن؟ ثم الذين قالوا إن عيسى ابنُ الله ما قولهم في الزمن قبل عيسى ألم يكُنْ لله فيه ولد؟ وما بعد عيسى أين الولد الذي اتخذه الله؟ إذن: هذا كله افتراءٌ على الله.
وبعضهم قال (إنْ) هنا نافية، مثل قوله تعالى: مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ [المجادلة: ٢] فالمعنى: قُلْ ما كان للرحمن ولد فأنا أول مَنْ ينفي ذلك لأنني أول العابدين، وأول المؤمنين بوحدانية الله تعالى.
الحق تعالى وصف نفسه سبحانه بوصفين، البعض يظن أنهما بمعنى واحد، لكن طالما هما لفظان مختلفان فلا بدَّ أن لكل منهما معنىً خاصاً لا يؤديه الوصفُ الآخر، الحق وصف نفسه بأنه واحد أحد.
قلنا: واحد يعني فرد لا ثانيَ له فهي تنفي التعددية، أما أحد أي واحد في ذاته ليس له أجزاء، لأن الشيء المكوَّن من أجزاء يكون كل جزء فيه محتاجاً إلى الأجزاء الأخرى.
وطالما أنه تعالى أحد في ذاته إذن ليس له ولد لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: يعني: جزء مني.
وإذا أخذنا بهذا المبدأ وسَلْسَلْنا نسب كلٍّ منا لا بدَّ أنْ نصلَ إلى أبينا آدم عليه السلام، وعرفنا أن كلاّ منَّا فيه بضعة أو ذرة من أبيه آدم، هذه الذرة هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في مرحلة الذَّرِّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
وهذه الذرّة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في الإنسان، ومنها تنطلق حركةُ الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على التوبة؟ إنه عملُ هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول مَنْ سمع نداء الله وبلاغٌ عن الله.
والقرآن الكريم أفاد أن الجنَّ أوعى من الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسانُ قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ونسب له الولدَ؛ فالجنُّ نفتْ ذلك ونزَّهتْ الله عن الولد وعن الصاحبة، واقرأ قوله تعالى: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣].
يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ولداً، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد من أسباب الفساد في الكون، يقول تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤].
ونحن نقول مثلاً في أعراف البشر: تزوج مبكراً لتجنبَ ولداً يعولك في شيخوختك، وهل الحق سبحانه يتخذ الولد لأنه في حاجة إليه كما نحتاجه نحن؟ ثم الذين قالوا إن عيسى ابنُ الله ما قولهم في الزمن قبل عيسى ألم يكُنْ لله فيه ولد؟ وما بعد عيسى أين الولد الذي اتخذه الله؟ إذن: هذا كله افتراءٌ على الله.
آية رقم ٨٢
من المناسب أنْ تبدأ هذه الآية بكلمة سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الزخرف: ٨٢] بعد الحديث في الآية السابقة عن نَفْي الولد عن الله تعالى، كلمة (سُبْحان) يعني: تنزيهاً لله تعالى عن كلّ ما يدور بخاطرك.
لذلك لا تأتي كلمة سبحان الله إلا مقترنة بشيء عجيب فوق تصوّر العقل البشري: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦]. سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا [الإسراء: ١].
يعني: حينما تقف عقولكم عند هذه المسائل قولوا سبحان الله، ونزِّهوا الله عن مشابهة الخَلْق، ولا تقيسوا قوته بقوتكم، ولا فعله بفعلكم، ولا قدرته بقدرتكم، نزِّهوا الله في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله.
ثم تأمل كيف يأتي الحق سبحانه في هذه الآية بالصفات التي تناسب نَفْي الولد عنه سبحانه، فيقول رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الزخرف: ٨٢] وهل مالك السماوات والأرض ومَنْ فيهن بحاجة إلى الولد؟ وفي آية أخرى يقول: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
وأعظم من السماوات والأرض العرش (رب العرش) إذن: هو سبحانه في غنىً عن اتخاذ الولد. وقوله: عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف: ٨٢] عمَّا يكذبون فيه، أو عمّا يصفون اللهَ به من اتخاذ الولد.
وقلنا: إن تسبيح الله دائرٌ في الزمن كله وثابتٌ لله تعالى قبل الزمن، فالله مُنزَّه وهي صفة ذاتية فيه سبحانه قبل أنْ يخلقَ مَنْ يُسبِّح، فكلمة (سبحان) ذاتية لله قبل أنْ يخلق الخَلْق. فلما أوجد هذا الكون سبَّح الكونُ لله سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الحشر: ١].
وهذا التسبيح مستمر في الحاضر والمستقبل يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الحشر: ٢٤] وطالما أن الكونَ منظومة واحدة مُسبِّحة لله تعالى فلا تشذ أيها الإنسان عن هذه المنظومة وكُنْ أنت أيضاً مُسبِّحاً: سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١].
لذلك لا تأتي كلمة سبحان الله إلا مقترنة بشيء عجيب فوق تصوّر العقل البشري: سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦]. سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا [الإسراء: ١].
يعني: حينما تقف عقولكم عند هذه المسائل قولوا سبحان الله، ونزِّهوا الله عن مشابهة الخَلْق، ولا تقيسوا قوته بقوتكم، ولا فعله بفعلكم، ولا قدرته بقدرتكم، نزِّهوا الله في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله.
ثم تأمل كيف يأتي الحق سبحانه في هذه الآية بالصفات التي تناسب نَفْي الولد عنه سبحانه، فيقول رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الزخرف: ٨٢] وهل مالك السماوات والأرض ومَنْ فيهن بحاجة إلى الولد؟ وفي آية أخرى يقول: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
وأعظم من السماوات والأرض العرش (رب العرش) إذن: هو سبحانه في غنىً عن اتخاذ الولد. وقوله: عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف: ٨٢] عمَّا يكذبون فيه، أو عمّا يصفون اللهَ به من اتخاذ الولد.
وقلنا: إن تسبيح الله دائرٌ في الزمن كله وثابتٌ لله تعالى قبل الزمن، فالله مُنزَّه وهي صفة ذاتية فيه سبحانه قبل أنْ يخلقَ مَنْ يُسبِّح، فكلمة (سبحان) ذاتية لله قبل أنْ يخلق الخَلْق. فلما أوجد هذا الكون سبَّح الكونُ لله سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الحشر: ١].
وهذا التسبيح مستمر في الحاضر والمستقبل يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الحشر: ٢٤] وطالما أن الكونَ منظومة واحدة مُسبِّحة لله تعالى فلا تشذ أيها الإنسان عن هذه المنظومة وكُنْ أنت أيضاً مُسبِّحاً: سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ [الأعلى: ١].
آية رقم ٨٣
هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَذَرْهُمْ [الزخرف: ٨٣] اتركهم يا محمد وما يخوضون فيه من هذا الحديث الكاذب، وكلمة يَخُوضُواْ [الزخرف: ٨٣] من الخوض. وأصلها خَوْض الإنسان في لُجة الماء الكثير، ثم استُعملَتْ مجازاً فيمَنْ يخوض في الحديث دون دراية.
وأكثر استعمالها في الحديث الباطل، والخوض توحي بالتخبط والمشي في أماكن مجهولة لا تدري ما يقابلك فيها من أخطار، فتكون أنت الجاني على نفسك. إذن: لا بدَّ أن تتحسَّس قبل أنْ تخوضَ، واحذر الخوض في الباطل.
وقوله: وَيَلْعَبُواْ [الزخرف: ٨٣] لأني أمرتهم أنْ يجدُّوا في الحياة، فإذا هم يلعبون فيها، فالجدّ يقابله اللهو واللعب، والفرْق بين اللهو واللعب أن اللعب أنْ تعمل شيئاً لا فائدةَ منه إلا التسلية، وهذا قبل أوان التكليف، فإذا كان مُكلَّفاً وفعل ما لا فائدةَ منه فهو لهو.
ومنه قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً [الجمعة: ١١] إذن: اللهو أنْ تنشغلَ بلعب لا يفيد عن واجب طُلِبَ منك.
وقوله تعالى: حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] إذن: أوعدهم الله بهذا اليوم ولم يتركهم هملاً ولم يخلقهم عبثاً، بل بيَّن لهم الحق والباطل، ووعدهم الجزاء كلٌّ بما يستحق، فالفعل يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] من أوعد من الوعيد، وهو الإنذار بالشر قبل أوانه لتتجنبه.
وهناك وَعَد من الوعْد، والوعد لا يكون إلا بالخير.
إذن: الذين يدخلون النار لم يظلمهم اللهُ ولم يأخذهم على غِرَّة، بل أوعدهم وحذرهم من هذا المصير. والقرآن مليء بالوعد والوعيد، واقرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ [الليل: ٥-١٠].
فالحق سبحانه وتعالى قدَّم لعبده الخير في وعده وفي وعيده، نعم حتى الوعيد فيه خير لأن الذي يحذرك من الشر قبل أنْ تقع فيه يُسدي لك جميلاً يستحق عليه الشكر.
وفي ضوء ذلك فهمنا قوله تعالى وهو يُعدِّد نعمه علينا في سورة الرحمن يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦] فهل النار والشواظ والنحاس يمكن أن يكون في عداد نعم الله؟ نعم هي نعمة من الله لأنه يحذرك من أسباب الوقوع فيها ويبعدك عنها.
فالآية إذن فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] دعوة لرسول الله أنْ يُهوِّن الأمر على نفسه ولا يشقّ عليها بسبب عناد قومه وتماديهم في ضلالهم.
فالحق سبحانه يُسلِّي رسوله ويُخفف عنه، كما خاطبه في آيات كثيرة بهذا المعنى مثل قوله سبحانه: فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر: ٨].
وأكثر استعمالها في الحديث الباطل، والخوض توحي بالتخبط والمشي في أماكن مجهولة لا تدري ما يقابلك فيها من أخطار، فتكون أنت الجاني على نفسك. إذن: لا بدَّ أن تتحسَّس قبل أنْ تخوضَ، واحذر الخوض في الباطل.
وقوله: وَيَلْعَبُواْ [الزخرف: ٨٣] لأني أمرتهم أنْ يجدُّوا في الحياة، فإذا هم يلعبون فيها، فالجدّ يقابله اللهو واللعب، والفرْق بين اللهو واللعب أن اللعب أنْ تعمل شيئاً لا فائدةَ منه إلا التسلية، وهذا قبل أوان التكليف، فإذا كان مُكلَّفاً وفعل ما لا فائدةَ منه فهو لهو.
ومنه قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً [الجمعة: ١١] إذن: اللهو أنْ تنشغلَ بلعب لا يفيد عن واجب طُلِبَ منك.
وقوله تعالى: حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] إذن: أوعدهم الله بهذا اليوم ولم يتركهم هملاً ولم يخلقهم عبثاً، بل بيَّن لهم الحق والباطل، ووعدهم الجزاء كلٌّ بما يستحق، فالفعل يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] من أوعد من الوعيد، وهو الإنذار بالشر قبل أوانه لتتجنبه.
وهناك وَعَد من الوعْد، والوعد لا يكون إلا بالخير.
إذن: الذين يدخلون النار لم يظلمهم اللهُ ولم يأخذهم على غِرَّة، بل أوعدهم وحذرهم من هذا المصير. والقرآن مليء بالوعد والوعيد، واقرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ [الليل: ٥-١٠].
فالحق سبحانه وتعالى قدَّم لعبده الخير في وعده وفي وعيده، نعم حتى الوعيد فيه خير لأن الذي يحذرك من الشر قبل أنْ تقع فيه يُسدي لك جميلاً يستحق عليه الشكر.
وفي ضوء ذلك فهمنا قوله تعالى وهو يُعدِّد نعمه علينا في سورة الرحمن يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦] فهل النار والشواظ والنحاس يمكن أن يكون في عداد نعم الله؟ نعم هي نعمة من الله لأنه يحذرك من أسباب الوقوع فيها ويبعدك عنها.
فالآية إذن فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف: ٨٣] دعوة لرسول الله أنْ يُهوِّن الأمر على نفسه ولا يشقّ عليها بسبب عناد قومه وتماديهم في ضلالهم.
فالحق سبحانه يُسلِّي رسوله ويُخفف عنه، كما خاطبه في آيات كثيرة بهذا المعنى مثل قوله سبحانه: فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر: ٨].
آية رقم ٨٤
البعض يظن أن الله تعالى في السماء، فإذا دعاه بصوت عَالٍ ليسمعه. والله سبحانه في كل مكان وفي كل زمان، ليس له مكان يَسَعه ولا زمانٌ يحتويه، لأنه سبحانه خالق الزمان وخالق المكان، والمخلوق لا يسع الخالق.
لذلك لا نستعمل أين ولا متى مع الله وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] إذن: فهو في كل مكان، وهذه الصفة (إله) ذاتية فيه سبحانه، وهي صفة كمال لا تفارقه ولا تنفكّ عنه، لا في السماء ولا في الأرض.
وكان للمستشرقين وقفة عند هذه الآية بسبب تكرار النكرة وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] فكلمة (إله) نكرة كُرِّرَت، والقاعدة اللغوية أن النكرة إذا كررتْ كانت الثانية غير الأولى كما لو قلتَ: لقيتُ رجلاً، وأكرمتُ رجلاً، فرجل الثانية غير الأولى.
أما المعرفة إذا كُررتْ كانت الثانية هي عَيْن الأولى لو قُلت: لقيتُ الرجل فأكرمتُ الرجل، إذن: هو هو. وهذه القاعدة وضعتْنا في إشكال مع هذه الآية، ومَنْ يقول بإله في السماء وإله آخر في الأرض؟!
وفي حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤكِّد هذه القاعدة، لأنه حين قرأ: فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥-٦] قال: فالعُسْر جاءت معرفة، واليُسْر جاءتْ نكرة.
وهذه الآية لها معنا قصة مع الناس الدراويش في المسجد الأحمدي بطنطا، ففي يوم من الأيام جاءنا الشيخ محمود شلتوت وكان شيخاً للأزهر ليزور مدينة طنطا، وجاء المسجد الأحمدي ليصلي، وبعد الصلاة سأله الشيخ أبو العينين وكان أستاذاً للتفسير وقال له: الحمد لله يا مولانا أنني وجدتك هنا لأنني في درس التفسير أمس وقفتُ أمام الآية: وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] والقاعدة أن النكرة إذا كُرِّرتْ كانت الثانية غير الأولى؟
وبمجرد أنْ بدأ الشيخ شلتوت في الجواب وقال: والله العلماء قالوا إن القاعدة أغلبية، وعندها دخل رجل لا نعرفه قبل ذلك ولا عرفناه بعدها، وكان عاريَ الرأس وفي يده عصا، وقال: يا علماء أنتم نسيتم اسم الموصول وَهُوَ ٱلَّذِي [الزخرف: ٨٤] اسم الموصول معرفة وما بعده صلته، إذن: الكلمة المكررة صلةٌ لموصول واحد، يعني هو هو، ثم انصرف الرجلُ وجلسنا نحن لم يتكلم منا أحدٌ لمدة نصف ساعة.
وقوله: وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٨٤] الحكيم: الذي يضع الشيء في موضعه بحكمة، والعليم بما يصلح خَلقه وبما يُعينهم على معايشهم وعلى مَعادهم، فما كان سبحانه ليُعطيهم مُقوِّمات المادة بالطعام والشراب والهواء ثم يتركهم دون منهج ودون قيم تُغذِّي أرواحهم كما غذَّى أبدانهم.
لذلك سمَّى هذا المنهج روحاً، فهو للقلب مثل الروح للأبدان، والفرق بين الروحين أن الروح التي في البدن لها موعد تفارق فيه البدنَ بالموت، أما روح القيم والمنهج فهي باقية خالدة تلازمه في الدنيا، وتصاحبه إلى الآخرة.
لذلك لا نستعمل أين ولا متى مع الله وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] إذن: فهو في كل مكان، وهذه الصفة (إله) ذاتية فيه سبحانه، وهي صفة كمال لا تفارقه ولا تنفكّ عنه، لا في السماء ولا في الأرض.
وكان للمستشرقين وقفة عند هذه الآية بسبب تكرار النكرة وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] فكلمة (إله) نكرة كُرِّرَت، والقاعدة اللغوية أن النكرة إذا كررتْ كانت الثانية غير الأولى كما لو قلتَ: لقيتُ رجلاً، وأكرمتُ رجلاً، فرجل الثانية غير الأولى.
أما المعرفة إذا كُررتْ كانت الثانية هي عَيْن الأولى لو قُلت: لقيتُ الرجل فأكرمتُ الرجل، إذن: هو هو. وهذه القاعدة وضعتْنا في إشكال مع هذه الآية، ومَنْ يقول بإله في السماء وإله آخر في الأرض؟!
وفي حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤكِّد هذه القاعدة، لأنه حين قرأ: فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥-٦] قال: فالعُسْر جاءت معرفة، واليُسْر جاءتْ نكرة.
وهذه الآية لها معنا قصة مع الناس الدراويش في المسجد الأحمدي بطنطا، ففي يوم من الأيام جاءنا الشيخ محمود شلتوت وكان شيخاً للأزهر ليزور مدينة طنطا، وجاء المسجد الأحمدي ليصلي، وبعد الصلاة سأله الشيخ أبو العينين وكان أستاذاً للتفسير وقال له: الحمد لله يا مولانا أنني وجدتك هنا لأنني في درس التفسير أمس وقفتُ أمام الآية: وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ [الزخرف: ٨٤] والقاعدة أن النكرة إذا كُرِّرتْ كانت الثانية غير الأولى؟
وبمجرد أنْ بدأ الشيخ شلتوت في الجواب وقال: والله العلماء قالوا إن القاعدة أغلبية، وعندها دخل رجل لا نعرفه قبل ذلك ولا عرفناه بعدها، وكان عاريَ الرأس وفي يده عصا، وقال: يا علماء أنتم نسيتم اسم الموصول وَهُوَ ٱلَّذِي [الزخرف: ٨٤] اسم الموصول معرفة وما بعده صلته، إذن: الكلمة المكررة صلةٌ لموصول واحد، يعني هو هو، ثم انصرف الرجلُ وجلسنا نحن لم يتكلم منا أحدٌ لمدة نصف ساعة.
وقوله: وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ [الزخرف: ٨٤] الحكيم: الذي يضع الشيء في موضعه بحكمة، والعليم بما يصلح خَلقه وبما يُعينهم على معايشهم وعلى مَعادهم، فما كان سبحانه ليُعطيهم مُقوِّمات المادة بالطعام والشراب والهواء ثم يتركهم دون منهج ودون قيم تُغذِّي أرواحهم كما غذَّى أبدانهم.
لذلك سمَّى هذا المنهج روحاً، فهو للقلب مثل الروح للأبدان، والفرق بين الروحين أن الروح التي في البدن لها موعد تفارق فيه البدنَ بالموت، أما روح القيم والمنهج فهي باقية خالدة تلازمه في الدنيا، وتصاحبه إلى الآخرة.
آية رقم ٨٥
كلمة وَتَبَارَكَ [الزخرف: ٨٥] كلمة جامدة لا اشتقاقَ فيها، تعني: تعالى قَدْره وكَثُر عطاؤه. وتبارك من البركة يعني: كثرة الخير حيث يُعطيك القليلُ الكثيرَ الذي ما كنتَ تنتظره.
وقوله سبحانه: لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الزخرف: ٨٥] وفي آية أخرى قال: لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الحج: ٦٤] يعني: له الظرف والمظروف.
وفي سورة طه قال سبحانه: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦].
وهكذا استوعبتْ الآياتُ الكونَ كله، وجعلته ملكاً لله تعالى، الكون كله بسمائه وأرضه، ما في السماء وما في الأرض، وما بين السماء والأرض وما تحت الأرض كله مِلْك الله.
وأخيراً عرفنا أن الخير كلَّه مطمورٌ تحت الثرى يُطلع اللهُ عباده عليه إذا شاء حَسْب تطور حياتهم ورُقيها، ففي باطن الأرض الآن الماء والبترول والمعادن والأحجار الكريمة والأشياء النفيسة.
وكأن الحق سبحانه ينبهنا بقوله وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦] إلى الاهتمام بباطن الأرض وحَفْرها، والتنقيب فيها لاستخراج خيراتها.
لذلك نرى علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات والبترول يجوبون البلاد من أقصاها إلى أقصاها بحثاً عن هذه الخيرات حتى في البحار، لأنها تدخل في هذا المعنى، فهي من الأرض وإنْ كانتْ تمثل ثلاثةَ أرباع الأرض.
ثم يأتي قوله تعالى: وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف: ٨٥] هكذا بأسلوب القصر في الموضعين، حيث قدَّم الجار والمجرور ليفيد قصر علم الساعة على الله وحده دون سواه.
كذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف: ٨٥] إليه هو دون سواه، لا ترجعون إلا إليه، وكأنها رسالة موجزة إلى الإنسان أنْ تذكّر نهايتك وآخرتك، وتذكَّر الجزاء على العمل، ولا تغرنّك النعمة فبعدها حسابٌ وجزاء. كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ [العلق: ٦-٨] فكلُّ شيء من الله وإلى الله: من الله خَلْقاً وإمداداً وتربيةً، وإلى الله مرجعاً ومآباً.
وقوله سبحانه: لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الزخرف: ٨٥] وفي آية أخرى قال: لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ [الحج: ٦٤] يعني: له الظرف والمظروف.
وفي سورة طه قال سبحانه: لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦].
وهكذا استوعبتْ الآياتُ الكونَ كله، وجعلته ملكاً لله تعالى، الكون كله بسمائه وأرضه، ما في السماء وما في الأرض، وما بين السماء والأرض وما تحت الأرض كله مِلْك الله.
وأخيراً عرفنا أن الخير كلَّه مطمورٌ تحت الثرى يُطلع اللهُ عباده عليه إذا شاء حَسْب تطور حياتهم ورُقيها، ففي باطن الأرض الآن الماء والبترول والمعادن والأحجار الكريمة والأشياء النفيسة.
وكأن الحق سبحانه ينبهنا بقوله وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ [طه: ٦] إلى الاهتمام بباطن الأرض وحَفْرها، والتنقيب فيها لاستخراج خيراتها.
لذلك نرى علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات والبترول يجوبون البلاد من أقصاها إلى أقصاها بحثاً عن هذه الخيرات حتى في البحار، لأنها تدخل في هذا المعنى، فهي من الأرض وإنْ كانتْ تمثل ثلاثةَ أرباع الأرض.
ثم يأتي قوله تعالى: وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف: ٨٥] هكذا بأسلوب القصر في الموضعين، حيث قدَّم الجار والمجرور ليفيد قصر علم الساعة على الله وحده دون سواه.
كذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف: ٨٥] إليه هو دون سواه، لا ترجعون إلا إليه، وكأنها رسالة موجزة إلى الإنسان أنْ تذكّر نهايتك وآخرتك، وتذكَّر الجزاء على العمل، ولا تغرنّك النعمة فبعدها حسابٌ وجزاء. كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ [العلق: ٦-٨] فكلُّ شيء من الله وإلى الله: من الله خَلْقاً وإمداداً وتربيةً، وإلى الله مرجعاً ومآباً.
آية رقم ٨٦
أي: الذين يدعونهم من دون الله كالشمس والقمر والنجوم والأصنام، هذه المعبودات معبودات باطلة، بدليل أنهم لا يملكون الشفاعة ولا يملكون دَفْع الضرّ عنهم، وهم لا يملكون الشفاعة لأن الشفاعة عند مَنْ؟ عند الله.
وكيف يقبل اللهُ شفاعتهم، وهم السبب في ضلال هؤلاء إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] هذا استثناء يعني: لا يشفع عند الله إلا مَنْ شهد بالحقِّ.
وكيف يقبل اللهُ شفاعتهم، وهم السبب في ضلال هؤلاء إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] هذا استثناء يعني: لا يشفع عند الله إلا مَنْ شهد بالحقِّ.
آية رقم ٨٧
إذن: هؤلاء يؤمنون ويعترفون بأن الله هو خالقهم، وفي آية أخرى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١] وعجيب منهم بعد هذا الاعتراف ألا يؤمنوا بالله ولا يصدقوا رسوله.
لذلك ذيَّل الآية بقوله تعالى: فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] كيف يُصرفون عن هذا الحق وهم يعترفون به ويشهدون لله بأنه خالقهم وخالق السماوات والأرض.
لذلك يتعجب الحق سبحانه في سورة البقرة من كفرهم، الذي لا مبرر له ولا حيثيات، يقول تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨].
لذلك ذيَّل الآية بقوله تعالى: فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] كيف يُصرفون عن هذا الحق وهم يعترفون به ويشهدون لله بأنه خالقهم وخالق السماوات والأرض.
لذلك يتعجب الحق سبحانه في سورة البقرة من كفرهم، الذي لا مبرر له ولا حيثيات، يقول تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٨].
آية رقم ٨٨
كلمة (قِيلِه) مصدر لقال، نقول: قال قولاً ومقالاً وقيلاً، فمعنى (قيله) يعني قوله، قول مَنْ؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ كفار مكة قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ.
لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ.
هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه...
ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ يقول: وبحق هذا القول.
وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم.
لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ.
هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه...
ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ يقول: وبحق هذا القول.
وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم.
آية رقم ٨٩
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادةً في صفوف المسلمين...
وقوله: وَقُلْ سَلاَمٌ والتقدير: قُلْ لهم سلام عليكم. ونفهم من هذا أن كلمة (سلام) هكذا بدون (عليك) وحدها تُقال لمَنْ كان بينك وبينه خصومة وتريد أنْ تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ولا تصل معه إلى حَلٍّ تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع أبيه قال له: سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ [مريم: ٤٧] أي: سلام وَدَاع ومفارقة لا سلامَ تحية.
وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبةَ ما قُلته، وسوف يعلمون كيف أُعاقبهم على تكذيبهم لك.
وقوله: وَقُلْ سَلاَمٌ والتقدير: قُلْ لهم سلام عليكم. ونفهم من هذا أن كلمة (سلام) هكذا بدون (عليك) وحدها تُقال لمَنْ كان بينك وبينه خصومة وتريد أنْ تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ولا تصل معه إلى حَلٍّ تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع أبيه قال له: سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ [مريم: ٤٧] أي: سلام وَدَاع ومفارقة لا سلامَ تحية.
وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبةَ ما قُلته، وسوف يعلمون كيف أُعاقبهم على تكذيبهم لك.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
89 مقطع من التفسير