تفسير سورة سورة النحل
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)
الناشر
دار المنارة
الطبعة
1
المحقق
أحمد حسن فرحات
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾:
من تأَوَّل (أن) السَّكَرَ في الآية: خمورُ الأعاجم، قال: هو منسوخ بتحريم الخمر في المائدة وغيرها.
وقيل: إن هذا لم يُنْسَخ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك ولا أباحه لنافي هذه الآية، إنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرمه الله (في المائدة).
وقيل: إن هذا الخبرَ وشبهه جائزٌ نسخه، والأخبار على ضربين:
- ضربٌ يُخْبِرُنا الله به عن شيءٍ أنه كان أو أنه يكون، وهذا لا يجوز نسخه (وكذلك إذا أخبرنا عن شيءٍ) بأن يخبرنا الله أنه ما كان أو أنه لا يكون - تعالى الله عن ذلك.
- والضَّرْبُ الثاني من الخبر هو الذي يجوز نسخُه: وهو أن يخبرنا أن قوماً فعلوا شيئاً، أو استباحوا أَمراً، وتمتعوا به، ولم يُحَرِّم ذلك عليهم، ثم يخبرُنا الله أنه محرَّمٌ علينا، فينسخُ ما أخبرنا به أنه كان مباحا لمن كان قبلنا، فهذا نسخ المسكوت عنه من فهم الخطاب لأنه قد فُهِم من قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ أنه كان مباحاً لهم، فسكت عن حكمنا فيه، فجاز أن يكونَ (مباحاً) لنا أيضاً، ثم نَسَخَ جوازَ إباحته لنا بالتحريم في المائدة، ولو أخبرنا في موضعٍ آخر أنهم (لم) يتخذوا منه سكرا لكان هذا نسخَ الخبر، وهذا لا يجوز على الله - جلَّ ذكره - لأنه تعالى لا يخبر بالأخبار إلا على حقيقتها.
ومن قال: إن السَّكَر: الطعم، وهو (قول) أبي عبيدة، أو قال السكر: ما سدَّ الجوع، فلا يجوز فيه نسخٌ على هذا.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية:
أَمر اللهُ عبادَه في هذه الآية أن لا يحنثوا في يمين أَكَّدوها بالْحَلْف، وكان هذا قبلَ نزول الكفَّارة في المائدة في اليمين، وقبلَ نزول قوله:﴿ولاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ - الآية - في حَلْفِ أَبي بكر - رضي الله عنه -أَلاَّ يُنيلَ مسطحاً شيئاً أبداً لما نالَ (من) عائشةَ - رضي الله عنها - في أمر الإفك.
فنسخَ اللهُ (ذلك و) منع نقضَ الأَيْمان بالكفَّارة المذكورة في المائدة، (وبما) أَمَر به أَبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في قوله: ﴿ولا يأتل أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وبقوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيمان كمأن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] - الآية -، والنَّحْل مَكِّيَة، والمائدة والبقرة والنور مدنيات، فَحَسُنَ نَسْخُ المدني للمَكِّي.
وكان أبو بكر إذا حلف أَحبَّ أَلاَّ يحنث، فَحَنَث أَبو بكرٍ وكفَّر (عن يمينه) وَرَجَعَ إلى مسطح ما كان يُعْطيه، وقال: لا أقطعه عنه أبداً.
فذلك كُلُّه ناسخٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ﴾، لأن الكفارة عن اليمين هي نقضُ اليمين وارتكابُ ما حَلَف عليه وأَكَّد، نَسَخَ ذلك أَيضاً قولُه - صلى الله عليه وسلم - "مَن حَلَف على يمين فرأى (غيرَها) خيراً منها فليأتِ الذي هو خير منها، وليُكَفِّرْ عن يمينه" - وهو حديث صحيح قد تواترت به الأخبار بمعنى (واحد) وإن اختلفت الألفاظ -.
وقيل: إن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة يُراد بها العهود والحِلْف التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين العرب، (وبين بعض العرب وبعض)(أمروا) أَلاَّ ينقضوا عهودهم بعد أن عقدوها وأكَّدوها بالْحَلْف - وعلى هذا أكثر الناس في الآية -.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَر باللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُه مطمئن بالإيمان، وَلكِن مَن شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية:
قال ابنُ حبيب: هذا منسوخٌ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ ربَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بعد مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠].
قال أبو محمد: وهذا لم يقلْه أحد غيره، وهو غلط ظاهر، لأن نسخ هذا بأن يجازوا بغير ما أخبرنا الله به من مجازاتهم، وذلك لا يجوز على الله - جلّ ذكره -. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]: نزل في صِنْفٍ آخر غيرِ الصِّنْفِ الأَوَّل، وهم قوم أسلموا ففتنوا عن دينهم ومُنِعوا من الهجرة، فأخبرنا اللهُ أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإنَّه لَهم غفور رحيم. وقد قُرِىءَ: فَتَنوا - بالفتح - على معنى أنهم فتنوا غيرَهم عن دينهم. ﴿والله غفور رحيم﴾ لهم إذا أسلموا وهاجروا، وجاهدوا. الآية الأولى نزلت في قوم أُكْرِهوا على الكفر، وفي قوم شرحوا صدورَهم بالكفر، وفي قوم كفروا بعد إيمانهم، وهذا كُلُّه في أصنافٍ مختلفة يختلف الحكمُ فيهم وفي مجازاتهم، فلا يَنْسَخُ شيءٌ منه شيئاً.
وأيضاً فإنه خبر، والخبر لا يُنْسَخ، لأنه يصير المنسوخُ أخبر به على غير ما هو عليه - ويتعالى الله عن ذلك - وأخبار الله - جلّ ذكره -كُلُّها جاريةٌ على حقيقة ما هي به لا يجوز فيها غير ذلك.
وإذا كانت كذلك لم يَجُزْ نسخُها إلا بشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا كُلُّه لا يجوز ولا يَحْسُن من الآدميين، فكيف من علاّم الغيوب!- تعالى الله عن ذلك -.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قولُه تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾:
قيل: إن هذا منسوخ بالأمر بالقتال.
وقيل: هو مُحكم. والمجادلة بالتي هي أحسن: الانتهاء إلى ما أمر الله به، والكفّ عمّا نهى الله عنه. وهذا لا يجوز نسخه. فالآية محكمة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
9 مقطع من التفسير