تفسير سورة سورة الزخرف
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت 1250 هـ)
الناشر
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
الطبعة
الأولى
نبذة عن الكتاب
- يرجِّح بين التفاسير المتعارضة.
- يهتم ببيان المعنى العربي، والإعرابي، والبياني، وينقل عن أئمة اللغة كالمبرد، وأبي عبيدة، والفرَّاء.
- يذكر ما ورد من التفسير عن رسول الله ، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتمدين.
- يذكر المناسبات بين الآيات.
- يتعرض للقراءات، لاسيما السبع.
- يبين مذاهب العلماء الفقهية، واختلافاتهم، وأدلتهم، ويرجِّح، ويستظهر، ويستنبط.
والكتاب طبع بدار زمزم بالرياض، وطبع أيضاً بتحقيق عبدالرحمن عميرة بدار الوفاء طبعة جيدة.
ومن مختصرات (فتح القدير):
- زبدة التفسير : للشيخ محمد الأشقر، وقد صدر عن دار الكتب العلمية ببيروت، وطبع مؤخراً بدار النفائس بالأردن.
- الفتح الرباني مختصر تفسير الشوكاني : للشيخ عبد العزيز آل الشيخ.
هي تسع وثمانون آية قال القرطبي : هي مكية بالإجماع. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة حم الزخرف بمكة قال مقاتل : إلا قوله :﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ يعني فإنها نزلت بالمدينة.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هِيَ مَكِّيَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا قَوْلَهُ: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا يَعْنِي فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٢٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠)
قَوْلُهُ: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ الْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الْإِعْرَابِ كَالْكَلَامِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ فَإِنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كَانَتِ الْوَاوُ عَاطِفَةً، وَإِنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ إِنَّا جَعَلْناهُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَنْ جَعَلَ جَوَابَ وَالْكِتَابِ حم كَمَا تَقُولُ: نَزَلَ وَاللَّهِ، وَجَبَ وَاللَّهِ وَقَفَ عَلَى الْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَمَعْنَى جَعَلْنَاهُ: أَيْ سَمَّيْنَاهُ وَوَصَفْنَاهُ، وَلِذَلِكَ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَعْنَى أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْنَاهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنَّاهُ عَرَبِيًّا وَكَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ، أَيْ:
أُنْزِلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتَابُهُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّ لِسَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَيْ: جَعَلْنَا ذَلِكَ الْكِتَابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وَتَتَعَقَّلُوا مَعَانِيَهُ وَتُحِيطُوا بِمَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَدَيْنا أَيْ: عِنْدَنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
وَقَرَأَ عِيسَى، وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ، أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ لِلْأَرْضِ بِإِخْرَاجِ نَبَاتِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا تُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً، فَإِنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ، وَالْأَعْرَافِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، ويحيى ابن وَثَّابٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها الْمُرَادُ بِالْأَزْوَاجِ هُنَا: الْأَصْنَافُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَصْنَافُ كُلُّهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الشِّتَاءُ وَالصَّيْفُ، والليل والنهار، والسموات وَالْأَرْضُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَقِيلَ: أَزْوَاجُ الْحَيَوَانِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَقِيلَ: أَزْوَاجُ النَّبَاتِ، كَقَوْلِهِ: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ «١» ومِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ «٢» وَقِيلَ: مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ، أَيْ: مَا تَرْكَبُونَهُ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
أَضَافَ الظُّهُورَ إِلَى وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ، فَصَارَ الْوَاحِدُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وَجُمِعَ الظَّهْرُ لِأَنَّ الْمُرَادَ: ظُهُورُ هَذَا الْجِنْسِ، وَالِاسْتِوَاءُ: الِاسْتِعْلَاءُ، أَيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلَى ظُهُورِ مَا تَرْكَبُونَ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أَيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ مِنْ تَسْخِيرِ ذَلِكَ الْمَرْكَبِ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذَا، وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا أي: ذلل هَذَا الْمَرْكَبَ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ «سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَ لَنَا هَذَا» قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ كَيْفَ تَقُولُونَ إِذَا رَكِبْتُمْ، وَمَعْنَى وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ مَا كُنَّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقَالُ أَقْرَنَ هَذَا الْبَعِيرَ: إِذَا أَطَاقَهُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضَابِطِينَ، وَقِيلَ: مُمَاثِلِينَ لَهُ فِي الْقُوَّةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ قِرْنُ فُلَانٍ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْقُوَّةِ، وَأَنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
| لَقَدْ عَلِمَ الْقَبَائِلُ مَا عُقَيْلٌ | لَنَا فِي النّائبات بمقرنينا |
| ركبتم صعبتي أشرا وحيفا | وَلَسْتُمْ لِلصِّعَابِ بِمُقْرِنِينَا |
رَاجِعُونَ إِلَيْهِ، وَهَذَا تَمَامُ مَا يُقَالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ سُبْحَانَهُ إِلَى ذِكْرِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَقَالَ: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ عِدْلًا، يَعْنِي ما عبد من دون الله. وقال
(٢). الشعراء: ٧.
| إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلَا عَجَبٌ | قَدْ تُجْزِئُ الْمِذْكَارَ أَحْيَانًا |
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ الزَّجَّاجُ وَالْمُبَرِّدُ، وَهُمَا إِمَامَا اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَحَافِظَاهَا وَمَنْ إِلَيْهِمَا الْمُنْتَهَى فِي مَعْرِفَتِهَا، وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الْجُزْءِ بِالْبَنَاتِ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
وَقَوْلِهِ: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ وَقَوْلِهِ: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وَقِيلَ: المراد بالجزء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولادا لله سُبْحَانَهُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ عِبَادِهِ نَصِيبًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الْوِلْدَانِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَيْ: ظَاهِرُ الْكُفْرَانِ مُبَالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذَا فَقَالَ:
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ. وَأَمْ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ، وَالْمَعْنَى: أَتَّخَذَ رَبُّكُمْ لِنَفْسِهِ الْبَنَاتِ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ الْمَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ وَلَكُمُ الْفَاضِلُ مِنْهُمَا، يُقَالُ: أَصْفَيْتُهُ بِكَذَا، أَيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وَأَصْفَيْتُهُ الْوُدَّ: أَخْلَصْتُهُ لَهُ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «١» وقوله: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَجُمْلَةُ وَأَصْفَاكُمْ: مَعْطُوفَةٌ عَلَى اتَّخَذَ دَاخِلَةٌ مَعَهَا تَحْتَ الْإِنْكَارِ. ثُمَّ زَادَ فِي تَقْرِيعِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ فَقَالَ: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا أَيْ: بِمَا جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ سُبْحَانَهُ مِنْ كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ الْبَنَاتِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّهَا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وَظَهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أَيْ: صَارَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الْأُنْثَى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْحَادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكَانَهَا وَهُوَ كَظِيمٌ أَيْ شَدِيدُ الْحُزْنِ كَثِيرُ الْكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنْهُ. قَالَ قَتَادَةُ:
حَزِينٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وَقِيلَ: سَاكِتٌ، وَجُمْلَةُ وَهُوَ كَظِيمٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. ثُمَّ زَادَ فِي تَوْبِيخِهِمْ وَتَقْرِيعِهِمْ فَقَالَ: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ معنى ينشأ: يُرَبَّى، وَالنُّشُوءُ: التَّرْبِيَةُ، وَالْحِلْيَةُ: الزِّينَةُ، وَمَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى جَعَلُوا والمعنى: أو جعلوا لَهُ سُبْحَانَهُ مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يُرَبَّى فِي الزِّينَةِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وَإِذَا خُوصِمَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ حُجَّتِهِ، وَدَفْعِ مَا يُجَادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَضَعْفِ رَأْيِهِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: أو يجعلون لَهُ مَنْ يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ. أَيْ يَنْبُتُ في الزينة. قرأ الجمهور يُنَشَّؤُا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَحَفْصٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَفَتْحِ النُّونِ، وَتَشْدِيدِ الشِّينِ.
وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى: أَبُو حَاتِمٍ، وَاخْتَارَ الثَّانِيَةَ: أَبُو عُبَيْدٍ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: الْفِعْلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى لَازِمٌ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. وَالْمَعْنَى: يُرَبَّى وَيَكْبُرُ فِي الْحِلْيَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: قَلَّمَا تَتَكَلَّمُ امْرَأَةٌ بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ زيد والضحاك: الذي ينشأ فِي الْحِلْيَةِ أَصْنَامُهُمُ الَّتِي صَاغُوهَا مِنْ ذَهَبٍ وفضة
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «عِنْدَ الرَّحْمَنِ» بِنُونٍ سَاكِنَةٍ، وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى أَبُو عُبَيْدٍ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ فِيهَا أَعْلَى، وَلِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا كَذَّبَهُمْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ عِبَادُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ قَوْلُهُ: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ «١» وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِمٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ، قَالَ: وَتَصْدِيقُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ «٢». ثُمَّ وَبَّخَهُمْ وَقَرَّعَهُمْ فَقَالَ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ أَيْ: أَحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فَهُوَ مِنَ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْحُضُورُ، وَفِي هَذَا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتجهيل لهم. وقرأ الْجُمْهُورُ أَشَهِدُوا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ بِدُونِ وَاوٍ. وَقَرَأَ نافع «أو شهدوا». وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ بِضَمِّ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وَرَفْعِ شَهَادَتِهِمْ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وابن السميقع وَهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ، وَبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ شَهَادَتِهِمْ، وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ «شَهَادَاتُهُمْ» بِالْجَمْعِ، وَالْمَعْنَى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِهَا في ديوان أعمالهم لنجازيهم على ذلك وَيُسْئَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ هَذَا فَنٌّ آخَرُ مِنْ فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جَاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ، وَمَعْنَاهُ: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ فِي زَعْمِكُمْ مَا عَبَدْنَا هَذِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ يُرَادُ بِهِ بَاطِلٌ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي الْأَنْعَامِ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ جَهْلَهُمْ بِقَوْلِهِ: مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ أَيْ: مَا لَهُمْ بِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ عَدَمَ عِبَادَتِهِمْ لِلْمَلَائِكَةِ مَا عَبَدُوهُمْ مِنْ عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وَأَرَادُوا بِمَا صُورَتُهُ صُورَةُ الْحَقِّ بَاطِلًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا شَاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفَاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَيْ: مَا هُمْ إِلَّا يَكْذِبُونَ فِيمَا قَالُوا، وَيَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا بَاطِلًا. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:
بِذلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً. قَالَهُ قَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ مَا لَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِلْمٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ الْقَلَمُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْكِتَابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً قَالَ: أَحْبَبْتُمْ أَنْ يُصْفَحَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَافَرَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ قَالَ: مطيقين. وأخرج عبد ابن حميد عنه أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ قَالَ: هُوَ النِّسَاءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وَزِيِّ الرِّجَالِ وَنَقَصَهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ وَبِالشَّهَادَةِ وَأَمَرَهُنَّ بِالْقَعْدَةِ وَسَمَّاهُنَّ الْخَوَالِفَ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ «الَّذِينَ هم عند الرّحمن إناثا»
(٢). الأعراف: ٢٠٦.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| لقد علم القبائل ما عقيل | لنا في النائبات بمقرنينا |
| ركبتم صعبتي أشراً وحيفا | ولستم للصعاب بمقرنينا |
| إن أجزأت حرّة يوماً فلا عجب | قد تجزىء الحرّة المذكار أحياناً |
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢١ الى ٣٥]
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
قَوْلُهُ: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أَمْ: هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ، أَيْ: بَلْ أَأَعْطَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ يأخذون بما فيه، ويحتجون به وسيجعلونه لهم دليلا، ويحتمل أن تكون أم معادلة لِقَوْلِهِ: أَشَهِدُوا، فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، وَالْمَعْنَى أَحَضَرُوا خَلْقَهُمْ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا إِلَخْ. وَقِيلَ:
إِنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْ قَبْلِهِ يَعُودُ إِلَى ادِّعَائِهِمْ، أَيْ: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِ ادِّعَائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ مَا يَدَّعُونَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَا شُبْهَةَ وَلَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آبَاءَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ فَقَالَ: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُمْ سِوَى تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ، وَمَعْنَى عَلَى أُمَّةٍ: عَلَى طَرِيقَةٍ وَمَذْهَبٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الطَّرِيقَةُ وَالدِّينُ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ وَالدِّينُ، يُقَالُ فُلَانٌ لَا أُمَّةَ لَهُ: أَيْ لَا دِينَ لَهُ، وَلَا نِحْلَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ:
| كُنَّا على أمّة آبائنا | ويقتدي الآخر بالأوّل |
وهل يستوي ذو أُمَّةٍ وَكَفُورُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَقُطْرُبٌ: عَلَى قِبْلَةٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَأَنْشَدَ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
| حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً | وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ |
| ثمّ بعد الفلاح والملك والإمة | وَارَتْهُمْ هُنَاكَ قُبُورُ |
أَغْنِيَاؤُهَا وَرُؤَسَاؤُهَا، قَالَ قَتَادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، وَمَعْنَى الِاهْتِدَاءِ وَالِاقْتِدَاءِ مُتَقَارِبٌ، وَخَصَّصَ الْمُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ التَّنَعُّمَ هُوَ سَبَبُ إِهْمَالِ النَّظَرِ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ أَيْ: أَتَتَّبِعُونَ آبَاءَكُمْ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِدِينٍ أَهْدَى مِنْ دِينِ آبَائِكُمْ، قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى قُلْ لَهُمْ أَتَتَّبِعُونَ مَا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ وَإِنْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِنْهُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ» وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ وَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَا جَرَى بَيْنَ الْمُنْذِرِينَ وَقَوْمِهِمْ، أَيْ: قَالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِنْ أُولَئِكَ الْمُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حِكَايَةٌ لِمَا جَرَى بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَوْمِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَقُبْحِهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدَةِ فِي الْإِسْلَامِ إِنَّمَا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أَسْلَافِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَ آثَارَهُمْ، وَيَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإِذَا رَامَ الدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ ضَلَالَةٍ أَوْ يَدْفَعَهُمْ عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِهَا وَوَرِثُوهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ وَلَا حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قَالَ، وَقِيلَ: لِشُبْهَةٍ دَاحِضَةٍ، وَحُجَّةٍ زَائِفَةٍ، وَمُقَالَةٍ بَاطِلَةٍ، قَالُوا بِمَا قَالَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، أَوْ بِمَا يُلَاقِي مَعْنَاهُ مَعْنَى ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ لَهُمُ الدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنَا الْمِلَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَشَمِلَنَا هَذَا الدِّينُ الْمُحَمَّدِيُّ، وَلَمْ يَتَعَبَّدْنَا الله ولا تعبدكم ولا تعبد آبَاءَكُمْ مِنْ قَبْلِكُمْ إِلَّا بِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَبِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإِنَّهُ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ الْمُوَضِّحُ لِمَعَانِيهِ، الْفَارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، فَتَعَالَوْا نَرُدُّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ «١» فَإِنَّ الرَّدَّ إِلَيْهِمَا أَهْدَى لَنَا وَلَكُمْ مِنَ الرَّدِّ إِلَى مَا قَالَهُ أَسْلَافُكُمْ وَدَرَجَ عَلَيْهِ آبَاؤُكُمْ، نَفَرُوا نُفُورَ الْوُحُوشِ، وَرَمَوُا الدَّاعِيَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ وَمَدَرٍ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا «٢» وَلَا قَوْلَهُ: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٣» فَإِنْ قَالَ لَهُمُ الْقَائِلُ: هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وَتَتَّبِعُونَ أَقْوَالَهُ هُوَ مِثْلُكُمْ فِي كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنْهُ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْكُمْ، وَإِذَا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْهَا، ولا يجوز لهم الْعَمَلُ بِهَا، وَقَدْ وَجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وَهَا أَنَا أُوجِدْكُمُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ فِيمَا صَحَّ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ أَهْدَى لَكُمْ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ، قَالُوا: لَا نَعْمَلُ بِهَذَا وَلَا سَمْعَ لَكَ وَلَا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم
(٢). النور: ٥١.
(٣). النساء: ٦٥.
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ أَضْرَبَ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِلَى ذِكْرِ مَا مَتَّعَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَنْفُسِ وَالْأَهْلِ وَالْأَمْوَالِ وَأَنْوَاعِ النِّعَمِ وَمَا مَتَّعَ بِهِ آبَاءَهُمْ وَلَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، فَاغْتَرُّوا بِالْمُهْلَةِ وَأَكَبُّوا عَلَى الشَّهَوَاتِ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَرَسُولٌ مُبِينٌ يَعْنِي محمدا صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَمَعْنَى مُبِينٌ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ وَاضِحُهَا، أَوْ مُبَيِّنٌ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الْحَقِّ فَقَالَ: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ أَيْ: جَاحِدُونَ، فَسَمَّوُا الْقُرْآنَ سِحْرًا وَجَحَدُوهُ. وَاسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الْمُرَادُ بِالْقَرْيَتَيْنِ: مَكَّةُ، وَالطَّائِفُ، وَبِالرَّجُلَيْنِ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطَّائِفِ كَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطَّائِفِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ النَّظْمِ أَنَّ الْمُرَادَ رَجُلٌ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الْجَاهِ وَاسِعُ الْمَالِ مُسَوَّدٌ فِي قَوْمِهِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْقَرْيَتَيْنِ، فَأَجَابَ الله سبحانه عنهم بقوله:
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يَعْنِي: النُّبُوَّةَ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَقَالَ: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي شَيْءٍ بَلِ الْحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ وَرَفَعَ دَرَجَاتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَكَيْفَ لَا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ فِي أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَتَفْوِيضِهَا إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يقول أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ مَعِيشَتَهُمْ بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ومجاهد، وابن محيصن «معايشهم» بالجمع «و» معنى رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أَنَّهُ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ بَعْضَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ، وَالرِّيَاسَةِ، وَالْقُوَّةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْعَقْلِ، وَالْعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجَاتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ:
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أَيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بعضهم بعضا فيستخدم الغنيّ الفقير، والرئيس المرؤوس، وَالْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَالْحُرُّ الْعَبْدَ، وَالْعَاقِلُ مَنْ هُوَ دونه في الْعَقْلِ، وَالْعَالِمُ الْجَاهِلَ، وَهَذَا فِي غَالِبِ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَبِهِ تَتِمُّ مَصَالِحُهُمْ وَيَنْتَظِمُ مَعَاشُهُمْ وَيَصِلُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى مَطْلُوبِهِ، فَإِنَّ كُلَّ صِنَاعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُهَا قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ الْبَعْضُ مُحْتَاجًا إِلَى الْبَعْضِ لِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَهُمْ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى هذا، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا هذا. قال السدّي وابن زيد: سخريا: خولا وخداما، يسخر الأغنياء الفقراء
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ. قَالَ الْحَسَنُ:
مَعْنَى الْآيَةِ: لَوْلَا أَنْ يَكْفُرَ النَّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا وَتَرْكِهِمُ الْآخِرَةَ لَأَعْطَيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا وَصَفْنَاهُ لِهَوَانِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ بِهَذَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَاخْتِيَارِهِمْ لَهَا عَلَى الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ يَكُونَ فِي الْكُفَّارِ غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأَعْطَيْنَا الْكُفَّارَ مِنَ الدُّنْيَا هَذَا لِهَوَانِهَا وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ الْمَعَارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْرَاجٍ، وَالْمِعْرَاجُ السُّلَّمُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: إن شئت جعلت الواحدة معرج ومعرج، مِثْلَ: مِرْقَاةٍ وَمَرْقَاةٍ، وَالْمَعْنَى:
فَجَعَلْنَا لَهُمْ مَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ: أَيْ: عَلَى الْمَعَارِجِ يَرْتَقُونَ وَيَصْعَدُونَ، يُقَالُ ظَهَرْتُ عَلَى الْبَيْتِ:
أَيْ عَلَوْتُ سَطْحَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ:
| بَلَغْنَا السَّمَاءَ مجدا وفخرا وسؤددا | وإنّا لنرجو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا |
التحامل على الشيء، ومنه أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها «١» وَاتَّكَأَ عَلَى الشَّيْءِ فَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَالْمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، وَالزُّخْرُفُ:
الذَّهَبُ. وَقِيلَ: الزِّينَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَهَبًا أَوْ غَيْرَهُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ مَا يَتَّخِذُهُ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَثَاثِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: النُّقُوشُ وَأَصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقَالُ: زَخْرَفْتُ الدَّارَ، أَيْ: زَيَّنْتُهَا، وَانتصاب زُخْرُفاً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: وَجَعَلْنَا لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أَبْوَابًا وَسُرُرًا مِنْ فِضَّةٍ وَمِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا حُذِفَ الْخَافِضُ انْتَصَبَ. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ:
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا قَرَأَ الجمهور لَمَّا بالتخفيف وقرأ عاصم وحمزة وهاشم عَنِ ابْنِ عَامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى تَكُونُ إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَعَلَى القراءة الثانية هي النافية. ولما
| كنا على أمة آبائنا | ونقتدي بالأوّل الأول |
* وهل يستوي ذو أمة وكفور *
وقال الفراء وقطرب : على قبلة. وقال الأخفش : على استقامة، وأنشد قول النابغة :
| حلفت فلم أترك لنفسك ريبة | وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع |
| ثم بعد الفلاح والملك والأم | ة وارتهم هناك قبور |
وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته «أدب الطلب ومنتهى الأرب »، فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد.
| بلغنا السماء مجداً وفخراً وسؤددا | وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا |
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ قَالَ: عَلَى دِينٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي عَقِبِهِ قَالَ: عَقِبُ إِبْرَاهِيمَ وَلَدُهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ مَا الْقَرْيَتَانِ؟ قَالَ: الطَّائِفُ وَمَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلَانِ؟ قَالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَخِيَارُ قُرَيْشٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: يَعْنِي بِالْقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ وَالطَّائِفَ، وَالْعَظِيمُ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْقُرَشِيُّ وَحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ قال:
يعنون أشرف من محمد الوليد بْنِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أيضا في قوله: لَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الْآيَةَ يَقُولُ:
لولا أن أجعل النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ، وَهِيَ دَرَجٌ عليها يصعدون إلى الغرف وسرر فضة، زُخْرُفًا: وَهُوَ الذَّهَبُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ ماجة عن سهل ابن سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ ماء».
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
قَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ يُقَالُ عَشَوْتُ إِلَى النَّارِ: قَصَدْتُهَا، وَعَشَوْتُ عَنْهَا: أَعْرَضْتُ عَنْهَا، كَمَا تَقُولُ: عَدَلْتُ إِلَى فُلَانٍ، وَعَدَلْتُ عَنْهُ، وَمِلْتُ إِلَيْهِ، وَمِلْتُ عَنْهُ، كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَأَبُو الْهَيْثَمِ وَالْأَزْهَرِيُّ. فَالْمَعْنَى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ الْرَّحْمَنِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ إِلَى أَبَاطِيلِ الْمُضِلِّينَ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ بِشَيْطَانٍ يُقَيِّضُهُ لَهُ حَتَّى يُضِلَّهُ وَيُلَازِمَهُ قَرِينًا لَهُ، فَلَا يَهْتَدِي مُجَازَاةً لَهُ حِينَ آثَرَ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ الْبَيِّنِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْعَشْوُ النَّظَرُ الضعيف، ومنه:
| لنعم الفتى يعشو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ | إِذَا الرِّيحُ هَبَّتْ وَالْمَكَانُ جديب |
| مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ | تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدِ |
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمَنْ يَعْشُ بِفَتْحِ الشِّينِ، يُقَالُ عَشَى الرَّجُلُ يَعْشَى عَشْيًا إِذَا عَمِيَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
| رَأَتْ رَجُلًا غَائِبَ الْوَافِدَيْنِ | مُخْتَلِفَ الْخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرَا |
مُلَازِمٌ لَهُ لَا يُفَارِقُهُ، أَوْ هُوَ مُلَازِمٌ لِلشَّيْطَانِ لَا يُفَارِقُهُ، بَلْ يَتْبَعُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَيُطِيعُهُ فِي كُلِّ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ إِلَيْهِ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أَيْ: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ يُقَيِّضُهُمُ اللَّهُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ كَمَا هُوَ مَعْنِيٌّ مِنْ لَيَصُدُّونَهُمْ: أَيْ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَبِيلِ الْحَقِّ وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْهُ، وَيُوَسْوِسُونَ لَهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الهدى حتى يظنون صِدْقَ مَا يُوَسْوِسُونَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أَيْ: يَحْسَبُ الْكُفَّارُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ مُهْتَدُونَ فَيُطِيعُونَهُمْ، أَوْ يَحْسَبُ الْكُفَّارُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ أَنَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذا جاءَنا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّثْنِيَةِ، أَيِ: الْكَافِرُ، وَالشَّيْطَانُ الْمُقَارِنُ لَهُ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ بِالْإِفْرَادِ، أَيِ: الْكَافِرُ أَوْ جَاءَ كلّ واحد منهم قالَ الكافر مخاطبا للشيطان يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أَيْ: بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَغَلَبَ الْمَشْرِقُ عَلَى الْمَغْرِبِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا بُعْدَ مَشْرِقِ أَطْوَلِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ مِنْ مَشْرِقِ أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْطَانُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ هَذَا حِكَايَةٌ لِمَا سَيُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَيْ: لِأَجْلِ ظُلْمِكُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ إِنَّ: إِذْ بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ بِفَتْحِ أَنَّ عَلَى أَنَّهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، أَيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ اشْتِرَاكُكُمْ فِي الْعَذَابِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ بِسَبَبِ الِاشْتِرَاكِ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ لِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الدَّعْوَةُ وَالْوَعْظُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ فَقَالَ: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ الْهَمْزَةُ لِإِنْكَارِ التَّعَجُّبِ، أَيْ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ فَلَا يَضِيقُ صَدْرُكَ إِنْ كَفَرُوا، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِخْبَارٌ لَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عَطْفٌ عَلَى الْعُمْيِ، أَيْ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ بِمَنْزِلَةِ الصُّمِّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مَا جِئْتَ بِهِ، وَبِمَنْزِلَةِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَهُ لِإِفْرَاطِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْجَهَالَةِ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْعَذَابُ بِهِمْ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: نُخْرِجَنَّكَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ مِنَ الْعَذَابِ قَبْلَ مَوْتِكَ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ مَتَى شِئْنَا عَذَّبْنَاهُمْ. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: قَدْ أَرَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هِيَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ يُرِيدُ مَا كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ مِنَ الْفِتَنِ، وَقَدْ كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى الله عليه وسلم وذهب به فَلَمْ يُرِهِ فِي أُمَّتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أَيْ: مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَذَّبَ بِهِ مَنْ كَذَّبَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَالْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ:
فَاسْتَمْسِكْ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَشَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ بِلُغَتِكَ وَلُغَتِهِمْ وَمِثْلُهُ قَوْلِهِ: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ «١» وَقِيلَ: بَيَانٌ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ فِيمَا لَكُمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. وَقِيلَ: تَذْكِرَةٌ تَذْكُرُونَ بِهَا أَمْرَ الدِّينِ وتعملون به وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الشَّرَفِ، كَذَا قال الزجاج والكلبي وغيرهما. وقيل: يسئلون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وسعيد ابن جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ. فَالْمُرَادُ سُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ لَهُمْ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ، وَالزَّجَّاجُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمَعْنَى وَاسْأَلْ أُمَمَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا. وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ:
سُؤَالُهُمْ هَلْ أَذِنَ اللَّهُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِي مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَلِ وَهَلْ سَوَّغَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ؟ وَالْمَقْصُودُ تَقْرِيعُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَمْ يَأْتِ فِي شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرَائِعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: قَيِّضُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَجُلًا يَأْخُذُهُ، فَقَيَّضُوا لِأَبِي بَكْرٍ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَامَ تَدْعُونِي؟
قَالَ: أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا اللَّاتُ؟ قَالَ: أَوْلَادُ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا الْعُزَّى. قَالَ:
بَنَاتُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ أُمُّهُمْ؟ فَسَكَتَ طَلْحَةُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أجيبوا الرجل، فسكت
سورة الزخرف
هي تسع وثمانون آية قال القرطبي : هي مكية بالإجماع. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة حم الزخرف بمكة قال مقاتل : إلا قوله :﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ يعني فإنها نزلت بالمدينة.
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٦ الى ٥٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)
لَمَّا أَعْلَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِأَنَّهُ مُنْتَقِمٌ لَهُ مِنْ عَدُوِّهِ وَذَكَرَ اتِّفَاقَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى التَّوْحِيدِ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسَى، وَفِرْعَوْنَ وَبَيَانِ مَا نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنَ النِّقْمَةِ فَقَالَ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وهي التسع التي تقدّم بيانها إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ الْمَلَأُ: الْأَشْرَافُ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً، وَجَوَابُ لَمَّا هُوَ إذا الفجائية، لأن التقدر: فَاجَئُوا وَقْتَ ضَحِكِهِمْ وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِ مُوسَى أَكْبَرُ مِمَّا قَبْلَهَا، وَأَعْظَمُ قَدْرًا مَعَ كَوْنِ الَّتِي قَبْلَهَا عَظِيمَةً فِي نَفْسِهَا، وَقِيلَ الْمَعْنَى: إِنَّ الْأُولَى تَقْتَضِي عِلْمًا، وَالثَّانِيَةَ تَقْتَضِي عِلْمًا، فَإِذَا ضُمَّتِ الثَّانِيَةُ إِلَى الْأُولَى ازْدَادَ الْوُضُوحُ، وَمَعْنَى الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْآيَاتِ: أَنَّهَا مُتَشَاكِلَةٌ مُتَنَاسِبَةٌ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسَى كَمَا يُقَالُ هَذِهِ صَاحِبَةُ هَذِهِ، أَيْ: هُمَا قَرِينَتَانِ فِي الْمَعْنَى، وَجُمْلَةُ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها فِي مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةً لِآيَةٍ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْآيَاتِ إِذَا انْفَرَدَتْ ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ، وَمِثْلُ هَذَا قول القائل:
| مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لَاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ | مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يَسْرِي بِهَا السَّارِي |
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ «١» الْآيَةَ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي أَخْذِهِ لَهُمْ بِالْعَذَابِ هُوَ رَجَاءُ رُجُوعِهِمْ، وَلَمَّا عَايَنُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْعُلَمَاءَ سَحَرَةً، وَيُوَقِّرُونَ السَّحَرَةَ وَيُعَظِّمُونَهُمْ، وَلَمْ يَكُنِ السِّحْرُ صِفَةَ ذَمٍّ عِنْدَهُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: خَاطَبُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسَّاحِرِ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أَيْ: بِمَا أَخْبَرْتَنَا مِنْ عَهْدِهِ إِلَيْكَ إِنَّا إِذَا آمَنَّا كُشِفَ عَنَّا الْعَذَابُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ النُّبُوَّةُ، وَقِيلَ: اسْتِجَابَةُ الدَّعْوَةِ عَلَى الْعُمُومِ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أَيْ إِذَا كُشِفَ عَنَّا الْعَذَابُ الَّذِي نَزَلَ بِنَا فَنَحْنُ مُهْتَدُونَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، وَمُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ فَلَمَّا كَشَفَ عَنْهُمُ العذاب فاجؤوا وَقْتَ نِكْثِهِمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي جَعَلُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الِاهْتِدَاءِ، وَالنَّكْثُ: النَّقْضُ وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قِيلَ: لَمَّا رَأَى تِلْكَ الْآيَاتِ خَافَ مَيْلَ الْقَوْمِ إِلَى مُوسَى، فَجَمَعَهُمْ وَنَادَى بِصَوْتِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَوْ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِقَوْلِهِ: يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ لَا يُنَازِعُنِي فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُخَالِفُنِي مُخَالِفٌ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَيْ:
مِنْ تَحْتِ قَصْرِي، وَالْمُرَادُ أنهار النِّيلُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى تَجْرِي بَيْنَ يَدَيَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَجْرِي بِأَمْرِي:
أَيْ تَجْرِي تَحْتَ أَمْرِي. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِالْأَنْهَارِ: الْقُوَّادَ وَالرُّؤَسَاءَ وَالْجَبَابِرَةَ وَأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَنْهَارِ الْأَمْوَالَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالْوَاوُ فِي وَهذِهِ عاطفة على ملك مصر، وتَجْرِي فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَوْ هِيَ وَاوُ الْحَالِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ: مُبْتَدَأٌ، وَالْأَنْهَارُ: صِفَةٌ لَهُ، وَتَجْرِي: خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ أَفَلا تُبْصِرُونَ ذَلِكَ وَتَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى قُوَّةِ مُلْكِي، وَعَظِيمِ قَدْرِي، وَضَعْفِ مُوسَى عَنْ مُقَاوَمَتِي أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ أَمْ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ الْمُقَدَّرَةُ بِبَلِ الَّتِي للإضراب دُونَ الْهَمْزَةِ الَّتِي لِلْإِنْكَارِ، أَيْ: بَلْ أَنَا خَيْرٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَمْ بِمَعْنَى بَلْ، وَالْمَعْنَى: قَالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ: بَلْ أَنَا خَيْرٌ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي جُعِلَ بِأَمْ لِاتِّصَالِهِ بِكَلَامٍ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَمْ زَائِدَةً، وَالْمَعْنَى: أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى: أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ تُبْصِرُونَ؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ نَحْوُ قَوْلِ الْأَخْفَشِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ عِيسَى الثَّقَفِيَّ وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيَّ وَقَفَا عَلَى أَمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَمْ تُبْصِرُونَ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ أَمْ مُتَّصِلَةً لَا مُنْقَطِعَةً وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ الَّذِي أَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ:
| بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى | وَصُورَتُهَا أَمْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ |
كَانُوا إِذَا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ بِسِوَارَيْنِ وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقِ ذَهَبٍ عَلَامَةً لِسِيَادَتِهِ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى أُلْقِيَ، وَالْمَعْنَى: هَلَّا جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُتَتَابِعِينَ مُتَقَارِنِينَ إِنْ كَانَ صَادِقًا يُعِينُونَهُ عَلَى أَمْرِهِ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَأَوْهَمَ اللَّعِينُ قَوْمَهُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَيْئَةِ الْجَبَابِرَةِ، وَمَحْفُوفِينَ بِالْمَلَائِكَةِ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ أَيْ: حَمَلَهُمْ عَلَى خِفَّةِ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ بِقَوْلِهِ، وَكَيْدِهِ، وغروره.
فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله وَكَذَّبُوا مُوسَى إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أَيْ: خَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَعْنَى فَاسْتَجْهَلَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ بِخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، يُقَالُ اسْتَخَفَّهُ الْفَرَحُ:
أَيْ أَزْعَجَهُ، وَاسْتَخَفَّهُ: أَيْ حَمَلَهُ، وَمِنْهُ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ «١» وَقِيلَ اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ: أَيْ وَجَدَهُمْ خِفَافَ الْعُقُولِ، وَقَدِ اسْتَخَفَّ بِقَوْمِهِ وَقَهَرَهُمْ حَتَّى اتَّبَعُوهُ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَغْضَبُونَا، وَالْأَسَفُ: الْغَضَبُ، وَقِيلَ: أَشَدُّ الْغَضَبِ، وَقِيلَ: السُّخْطُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَغْضَبُوا رُسُلَنَا. ثُمَّ بَيَّنَ الْعَذَابَ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الِانْتِقَامُ فَقَالَ: فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فِي الْبَحْرِ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أَيْ: قُدْوَةً لِمَنْ عَمِلَ بِعَمَلِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَلَفًا بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ جَمْعُ سَالِفٍ كَخَدَمٍ وَخَادِمٍ، وَرَصَدٍ وَرَاصِدٍ، وَحَرَسٍ وَحَارِسٍ، يُقَالُ سَلَفَ يَسْلُفُ: إِذَا تَقَدَّمَ وَمَضَى. قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: جَعَلْنَاهُمْ مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الْآخَرُونَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: سُلُفًا بِضَمِّ السِّينِ وَاللَّامِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ جَمْعُ سَلِيفٍ، نَحْوُ سُرُرٍ وَسَرِيرٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ جَمْعُ سَلَفٍ نَحْوُ خَشَبٍ وَخُشُبٍ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلْقَمَةُ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ سُلْفَةٍ، وَهِيَ:
الْفِرْقَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ نَحْوُ غُرَفٍ وَغُرْفَةٍ، كَذَا قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أَيْ: عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، أَوْ قِصَّةً عَجِيبَةً تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلا يَكادُ يُبِينُ قَالَ: كَانَتْ بِمُوسَى لُثْغَةٌ فِي لِسَانِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فَلَمَّا آسَفُونا قَالَ: أَسْخَطُونَا. وَأَخْرَجَا عَنْهُ أَيْضًا آسَفُونَا قَالَ:
أَغْضَبُونَا، وَفِي قَوْلِهِ: سَلَفاً قَالَ: أَهْوَاءً مُخْتَلِفَةً. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ ما شاء وهو مقيم على معصية فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ لَهُ، وَقَرَأَ فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ». وَأَخْرَجَ ابْنُ المنذر،
| من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم | مثل النجوم التي يسري بها الساري |
| بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى | وصورتها أم أنت في العين أملح ؟ |
قال ابن الأعرابي : المعنى : فاستجهل قومه، فأطاعوه بخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، يقال : استخفه الفرح، أي أزعجه، واستخفه، أي حمله، ومنه :﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]، وقيل : استخفّ قومه، أي وجدهم خفاف العقول، وقد استخف بقومه، وقهرهم حتى اتبعوه.
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٧ الى ٧٣]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)
الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)
لَمَّا قَالَ سبحانه وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ تَعَلَّقَ الْمُشْرِكُونَ بِأَمْرِ عِيسَى وَقَالُوا: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ إِلَهًا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا كَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِي مُجَادَلَةِ ابْنِ الزَّبَعْرَى مع النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «١» فَقَالَ ابْنُ الزَّبَعْرَى: خَصَمْتُكَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، أَلَيْسَتِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ وَالْيَهُودُ عُزَيْرًا وَبَنُو مَلِيحٍ الْمَلَائِكَةَ؟ فَفَرِحَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ «٢» وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الزَّبَعْرَى مُنْدَفِعٌ مِنْ أَصْلِهِ وَبَاطِلٌ بِرُمَّتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ تَعْبُدُونَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْعُقَلَاءُ كَالْمَسِيحِ، وَعُزَيْرٍ، وَالْمَلَائِكَةِ إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أَيْ: إِذَا قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ ذَلِكَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ يَصِدُّونَ، أَيْ: يَضِجُّونَ ويصيحون فرحا بذلك المثل المضروب، والمراد بقوله هُنَا: كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «يَصِدُّونَ» بِكَسْرِ الصَّادِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّهَا. قَالَ الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ، وَالْأَخْفَشُ: هُمَا لُغَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا: يَضِجُّونَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: صَدَّ يَصِدُّ صَدِيدًا: أي ضجّ.
وقيل: إنه بِالضَّمِّ، الْإِعْرَاضُ، وَبِالْكَسْرِ مِنَ الضَّجِيجِ، قَالَهُ قُطْرُبٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كَانَتْ مِنَ الصُّدُودِ
(٢). الأنبياء: ١٠١.
أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَيَعْقُوبُ بِتَحْقِيقِهَا. مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أَيْ: مَا ضَرَبُوا لَكَ هَذَا الْمَثَلَ فِي عِيسَى إِلَّا لِيُجَادِلُوكَ عَلَى أَنَّ جَدَلًا مُنْتَصِبٌ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ مُجَادِلِينَ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقَرَأَ ابْنُ مِقْسَمٍ «جِدَالًا» بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي: شديد والخصومة كثير واللدد عَظِيمُو الْجَدَلِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ عِيسَى لَيْسَ بِرَبٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ اخْتَصَّهُ بِنُبُوَّتِهِ فَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بِمَا أَكْرَمْنَاهُ بِهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَيْ: آيَةً وَعِبْرَةً لَهُمْ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَكُلَّ مَرِيضٍ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ أَيْ: لَوْ نَشَاءُ أَهْلَكْنَاكُمْ وَجَعَلْنَا بَدَلًا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ، أَيْ: يَخْلُفُونَكُمْ فِيهَا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَمِنْ قَدْ تَكُونُ لِلْبَدَلِ كَقَوْلِهِ: لَجَعَلْنا مِنْكُمْ يُرِيدُ بَدَلًا مِنْكُمْ. وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَلَائِكَةً. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمَقْصُودُ الْآيَةِ: أَنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَسْكَنَّا الْمَلَائِكَةَ الْأَرْضَ وَلَيْسَ فِي إِسْكَانِنَا إِيَّاهُمُ السَّمَاءَ شَرَفٌ حَتَّى يُعْبَدُوا.
وَقِيلَ مَعْنَى «يَخْلُفُونَ» يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ:
إِنَّ الْمُرَادَ الْمَسِيحُ، وَإِنَّ خُرُوجَهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ قِيَامُ السَّاعَةِ لِكَوْنِهِ شَرْطًا مِنْ أَشْرَاطِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ قبيل قيام السَّاعَةِ، كَمَا أَنَّ خُرُوجَ الدَّجَّالِ مِنْ أَعْلَامِ السَّاعَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ مَجِيءِ السَّاعَةِ، وَبِهِ يُعْلَمُ وَقْتُهَا وَأَهْوَالُهَا وَأَحْوَالُهَا، وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَنَّ حُدُوثَ الْمَسِيحِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَإِحْيَاءَهُ لِلْمَوْتَى دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لمحمد صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «لَعِلْمٌ» بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ جَعَلَ الْمَسِيحَ عِلْمًا مُبَالَغَةً لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا عِنْدَ نُزُولِهِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ الْغِفَارِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ، أَيْ: خُرُوجُهُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهَا، وَشَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، وَقَرَأَ أَبُو نَضْرَةَ وَعِكْرِمَةُ: «وَإِنَّهُ لَلْعَلَمُ» بِلَامَيْنِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ، أَيْ: لَلْعَلَامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا قِيَامُ السَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أَيْ: فَلَا تَشُكُّنَّ فِي وُقُوعِهَا وَلَا تُكَذِّبُنَ بِهَا، فَإِنَّهَا كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيِ: اتَّبَعُونِي فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَبُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَفَرَائِضِ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْكُمْ، هَذَا الَّذِي آمُرُكُمْ بِهِ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ طَرِيقٌ قَيِّمٌ مُوَصِّلٌ إِلَى الْحَقِّ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِحَذْفِ الْيَاءِ مِنِ «اتَّبِعُونِ» وَصْلًا وَوَقْفًا، وَكَذَلِكَ قَرَءُوا بِحَذْفِهَا فِي الْحَالَيْنِ فِي «أَطِيعُونِ» وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِإِثْبَاتِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا فِيهِمَا، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ نَافِعٍ بِحَذْفِهَا فِي الْوَصْلِ دُونَ الْوَقْفِ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ أَيْ: لَا تَغْتَرُّوا بِوَسَاوِسِهِ وَشُبَهِهِ الَّتِي يُوقِعُهَا فِي قُلُوبِكُمْ فَيَمْنَعُكُمْ ذَلِكَ مِنَ اتِّبَاعِي، فَإِنَّ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ رُسُلُهُ وَكُتُبُهُ. ثُمَّ عَلَّلَ نَهْيَهُمْ عَنْ أَنْ يَصُدَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَيَانِ عَدَاوَتِهِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ الْبَعْضَ هُنَا بِمَعْنَى الْكُلِّ كَمَا فِي قوله: يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
هُوَ كَقَوْلِهِ: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ: يَعْنِي مَا أُحِلَّ فِي الْإِنْجِيلِ مِمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي التَّوْرَاةِ كَلَحْمِ الْإِبِلِ، وَالشَّحْمِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، وَصَيْدِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَاللَّامُ فِي: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ لِأُعَلِّمَكُمْ إِيَّاهَا وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ فَقَالَ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيِ: اتَّقُوا مَعَاصِيَهُ وَأَطِيعُونِ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا بَيَانٌ لِمَا أَمَرَهُمْ بِأَنْ يُطِيعُوهُ فِيهِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيْ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْعَمَلُ بِشَرَائِعِهِ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: الْأَحْزَابُ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: هُمْ فِرَقُ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ عِيسَى. قَالَ قَتَادَةُ: وَمَعْنَى «مِنْ بَيْنِهِمْ» : أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: اخْتَلَفُوا مِنْ بَيْنِ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالْأَحْزَابُ هي الفرق المحزبة فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء المختلفين، وَهُمُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِشَرَائِعِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ أَيْ: أَلِيمٌ عَذَابُهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَيْ: هَلْ يَرْتَقِبُ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابُ وَيَنْتَظِرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أَيْ: فَجْأَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ: لَا يَفْطَنُونَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْزَابِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوهُ، وَهُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أَيِ: الْأَخِلَّاءُ فِي الدُّنْيَا الْمُتَحَابُّونَ فِيهَا يَوْمَ تَأْتِيهِمُ السَّاعَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، أَيْ: يُعَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَنَّهَا قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمُ الْعَلَائِقُ، وَاشْتَغَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، وَوَجَدُوا تِلْكَ الْأُمُورَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا أَخِلَّاءَ أَسْبَابًا لِلْعَذَابِ فَصَارُوا أَعْدَاءً. ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُتَّقِينَ فَقَالَ: إِلَّا الْمُتَّقِينَ فَإِنَّهُمْ أَخِلَّاءُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا تِلْكَ الْخُلَّةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ، فَبَقِيَتْ خُلَّتُهُمْ عَلَى حَالِهَا يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ أَيْ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ فَيَذْهَبُ عِنْدَ ذَلِكَ خَوْفُهُمْ، وَيَرْتَفِعُ حُزْنُهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ
الْمَوْصُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِبَادِي، أَوْ: بَدَلًا مِنْهُ، أَوْ: عَطْفَ بَيَانٍ لَهُ، أَوْ:
مَقْطُوعًا عَنْهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ عَلَى تَقْدِيرِ:
يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ الزَّجَّاجُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا وَقَعَ الْخَوْفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ
تَعْجَبُونَ، وَقِيلَ: تَلَذَّذُونَ بِالسَّمَاعِ، وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ النَّاشِئَيْنِ عَنِ الْكَرَامَةِ وَالنِّعْمَةِ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ الصحاف جمع صفحة: وَهِيَ الْقَصْعَةُ الْوَاسِعَةُ الْعَرِيضَةُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَعْظَمُ الْقِصَاعِ الْجَفْنَةُ ثُمَّ الْقَصْعَةُ، وَهِيَ تُشْبِعُ عَشَرَةً، ثُمَّ الصَّحْفَةُ، وَهِيَ تُشْبِعُ خَمْسَةً، ثُمَّ الْمَكِيلَةُ وَهِيَ تُشْبِعُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَطْعِمَةً يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِهَا فِي صحاف الذهب وَلهم فِيهَا أَشْرِبَةٌ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِهَا فِي الْ أَكْوابٍ وَهِيَ جَمْعُ كُوبٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ. الْكُوبُ كُوزٌ لَا عُرْوَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ أَكْوَابٍ. قَالَ الْأَعْشَى:
| صَرِيفِيَّةٌ طَيِّبٌ طَعْمُهَا | لَهَا زَبَدٌ بَيْنَ كُوبٍ وَدَنِّ |
| مُتَّكَئًا تَصْفِقُ أَبْوَابُهُ | يَسْعَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْكُوبِ |
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقُرَيْشٍ:
«إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ، قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عباد الله
قَالَ: فِي النَّارِ، قَالُوا: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ؟ قَالَ: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ قَالُوا: فَعِيسَى بن مَرْيَمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ». وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُسَدَّدٌ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قال:
خروج عيسى قبل يوم القيامة. وأخرجه الْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ انْقَطَعْتِ الْأَرْحَامُ، وَقَلَّتِ الْأَنْسَابُ، وَذَهَبْتِ الْأُخُوَّةُ إِلَّا الْأُخُوَّةَ فِي اللَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ». وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي تَرْغِيبِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ قَالَ: خَلِيلَانِ مُؤْمِنَانِ، وَخَلِيلَانِ كَافِرَانِ تُوُفِّيَ أَحَدُ الْمُؤْمِنَيْنِ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ، فَذَكَرَ خَلِيلَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ خَلِيلِي فُلَانًا كَانَ يَأْمُرُنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالْخَيْرِ، وَيَنْهَانِي عَنِ الشَّرِّ، وَيُنْبِئُنِي أَنِّي مُلَاقِيكَ، اللَّهُمَّ لَا تُضِلَّهُ بَعْدِي حَتَّى تُرِيَهُ مِثْلَ مَا أَرَيْتَنِي، وَتَرْضَى عَنْهُ كَمَا رَضِيتَ عَنِّي، فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَهُ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًا، وَلَبَكَيْتَ قَلِيلًا، ثُمَّ يَمُوتُ الْآخَرُ فَيُجْمَعُ بين رواحهما فَيُقَالُ: لِيُثْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: نِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ، وَنِعْمَ الْخَلِيلُ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْكَافِرَيْنِ بُشِّرَ بِالنَّارِ، فَيَذْكُرُ خَلِيلَهُ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ خَلِيلِي فُلَانًا كَانَ يَأْمُرُنِي بِمَعْصِيَتِكَ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالشَّرِّ، وَيَنْهَانِي عَنِ الْخَيْرِ، وَيُنْبِئُنِي أَنِّي غَيْرُ مُلَاقِيكَ، اللَّهُمَّ فَلَا تَهْدِهِ بَعْدِي حَتَّى تُرِيَهُ مِثْلَ مَا أَرَيْتَنِي وَتَسْخَطَ عَلَيْهِ كَمَا سَخِطْتَ عَلَيَّ، فَيَمُوتُ الْآخَرُ فَيُجْمَعُ بَيْنَ أَرْوَاحِهِمَا فَيُقَالُ: لِيُثْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: بِئْسَ الْأَخُ وَبِئْسَ الصَّاحِبُ وَبِئْسَ الْخَلِيلُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَكْوَابُ الْجِرَارُ مِنَ الْفِضَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَالْكَافِرُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
والأوّل أولى، وبه قال الزجاج. قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى منادٍ : يا عبادي لا خوف عليكم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال : الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس أهل الأوثان رؤوسهم غير المسلمين. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو :" يا عبادي " بإثبات الياء ساكنة وصلا ووقفا، وقرأ أبو بكر وزرّ بن حبيش بإثباتها وفتحها في الحالين، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
| صريفية طيب طعمها | لها زبد بين كوب ودنّ |
| متكئاً تصفق أبوابه | يسعى عليه العبد بالكوب |
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله :﴿وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا﴾».
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٧٤ الى ٨٩]
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨)أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
قَوْلُهُ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أَيْ: أَهْلَ الْإِجْرَامِ الْكُفْرِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِيرَادُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمْ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَبْلَ هَذَا فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ أَبَدًا لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أَيْ: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أَيْ: آيِسُونَ مِنَ النَّجَاةِ، وَقِيلَ: سَاكِتُونَ سُكُوتَ يَأْسٍ، وَقَدْ مَضَى تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ فِي الْأَنْعَامِ وَما ظَلَمْناهُمْ أَيْ: مَا عَذَّبْنَاهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «الظَّالِمِينَ» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَالضَّمِيرُ ضَمِيرُ فَصْلٍ. وَقَرَأَ أَبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ «الظَّالِمُونَ» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ: مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ: خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةَ خَبَرُ كَانَ وَنادَوْا يَا مالِكُ أَيْ: نَادَى الْمُجْرِمُونَ هَذَا النِّدَاءَ، وَمَالِكٌ هُوَ خَازِنُ النَّارِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «يَا مَالِكُ» بِدُونِ تَرْخِيمٍ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ «يَا مَالُ» بِالتَّرْخِيمِ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ بِالْمَوْتِ تَوَسَّلُوا بِمَالِكٍ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِيَسْأَلَهُ لَهُمْ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ لِيَسْتَرِيحُوا مِنَ الْعَذَابِ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ أَيْ: مُقِيمُونَ فِي الْعَذَابِ، قِيلَ: سَكَتَ عَنْ إِجَابَتِهِمْ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَقِيلَ: سَكَتَ عَنْهُمْ أَلْفَ عَامٍ، وَقِيلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَقِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْمَعْنَى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ، فَدَعَوْكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، وَلَمْ تُصَدِّقُوا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ لَا يَقْبَلُونَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ:
كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ وَأَنْزَلَهُ في كتبه. وقيل: هو خاص بالقرآن. وقيل وَمَعْنَى أَكْثَرَكُمْ: كُلَّكُمْ.
وَقِيلَ: أَرَادَ الرُّؤَسَاءَ وَالْقَادَةَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ: هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةُ، أَيْ: بل أأبرموا أَمْرًا. وَفِي ذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ تَوَجُّعِ أَهْلِ النَّارِ إِلَى حِكَايَةِ مَا يَقَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وإبرام: الْإِتْقَانُ وَالْإِحْكَامُ، يُقَالُ أَبْرَمْتُ الشَّيْءَ: أَحْكَمْتُهُ وَأَتْقَنْتُهُ، وَأَبْرَمَ الْحَبْلَ: إِذَا أَحْكَمَ فَتْلَهُ، وَالْمَعْنَى:
بَلْ أحكموا كيدا للنبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ فَإِنَّا مُحْكِمُونَ لَهُمْ كَيْدًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:
مَعْنَاهُ الْجَاحِدِينَ، وَحَكَى عَبِدَنِي حَقِّي: أَيْ جَحَدَنِي، وَقَدْ أَنْشَدُوا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ:
| أُولَئِكَ أَحْلَاسِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ | وأعبد أن يهجى كُلَيْبًا بِدَارِمِ |
| أُولَئِكَ نَاسٌ لَوْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ | وَأَعْبَدُ أَنْ يُهْجَى كُلَيْبٌ بِدَارِمِ |
(٢). سبأ: ٢٤.
بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: هُوَ الْقَادِرُ عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «١» وقرأ عمر ابن الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ» عَلَى تَضْمِينِ الْعَلَمِ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ أَيِ: الْبَلِيغُ الْحِكْمَةِ الْكَثِيرُ الْعِلْمِ وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما تَبَارَكَ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ كَثْرَةُ الْخَيْرَاتِ، وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَهُمَا: الْهَوَاءُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أَيْ: عِلْمُ الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ قِيَامُهَا فِيهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَيُجَازِي كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَفِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «تُرْجَعُونَ» بِالْفَوْقِيَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ أَيْ: لَا يَمْلِكُ مَنْ يَدْعُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «يَدْعُونَ» بِالتَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَابْنُ وَثَّابٍ بِالْفَوْقِيَّةِ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ أَيِ:
التَّوْحِيدِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَيْ: هُمْ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِمَا شَهِدُوا بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَهُمُ الْمَسِيحُ وعزير وَبَصِيرَةٍ بِمَا شَهِدُوا بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَهُمُ الْمَسِيحُ وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا. وَقِيلَ:
هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى: لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ يَشْفَعُ فِيهِ هَؤُلَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفًا، أَيْ:
لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ فِي أَحَدٍ إِلَّا فِيمَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ هَؤُلَاءِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَآمَنَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَشْفَعُونَ لِعَابِدِيهَا، بَلْ يَشْفَعُونَ لِمَنْ شَهِدَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. وَقِيلَ: مَدَارُ الِاتِّصَالِ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى جَعْلِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عَامًّا لِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَدَارُ الِانْقِطَاعِ عَلَى جَعْلِهِ خَاصًّا بِالْأَصْنَامِ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ اللَّامُ هِيَ الْمُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، وَالْمَعْنَى: لَئِنْ سَأَلْتَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَابِدِينَ لِلْأَصْنَامِ مَنْ خَلَقَهُمْ أَقَرُّوا وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ خَالِقَهُمُ الله،
يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ قِيلَهُ، أَوْ هُوَ مَصْدَرٌ، أَيْ: قَالَ قِيلَهُ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيِ: اللَّهُ يَعْلَمُ قِيلَ رَسُولِهِ، أَوْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ بِالْحَقِّ، أَيْ: شَهِدَ بِالْحَقِّ وَبِقِيلِهِ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ.
وَمِنَ الْمُجَوِّزِينَ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَمِنَ الْمُجَوِّزِينَ لِلثَّانِي الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ، وَمِنَ الْمُجَوِّزِينَ لِلنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ أَيْضًا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ «وَقِيلِهِ» بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ السَّاعَةِ، أَيْ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَعِلْمُ قِيلِهِ، وَالْقَوْلُ وَالْقَالُ وَالْقِيلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَوْ: عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْقَسَمِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالْأَعْرَجُ، وَابْنُ هُرْمُزٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ «وَقِيلُهُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى عِلْمُ السَّاعَةِ، أَيْ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَعِنْدَهُ قِيلُهُ، أَوْ: عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، أَوْ: خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَقِيلُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ: وَقِيلُهُ مَسْمُوعٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ قُلْتُ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، وَالضَّمِيرُ فِي وَقِيلِهِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَشْكُو قَوْمَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْمَسِيحِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ قَالَ مُنَادِيًا لِرَبِّهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَرْسَلْتَنِي إِلَيْهِمْ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ.
ثُمَّ لَمَّا نَادَى رَبَّهُ بِهَذَا أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ أَيْ أَعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ وَقُلْ سَلامٌ أَيْ: أَمْرِي تَسْلِيمٌ مِنْكُمْ، وَمُتَارَكَةٌ لَكُمْ. قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ مُدَارَاةً حَتَّى يَنْزِلَ حُكْمِي، وَمَعْنَاهُ: الْمُتَارَكَةُ. كَقَوْلِهِ:
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَهُ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ فَصَارَ الصَّفْحُ مَنْسُوخًا بِالسَّيْفِ، وَقِيلَ: هِيَ محكمة لم تنسخ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ «يَعْلَمُونَ» بِالتَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِالْفَوْقِيَّةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ سَلَامٌ مَرْفُوعٌ بِإِضْمَارِ عَلَيْكُمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله: وَنادَوْا يا مالِكُ قَالَ: يَمْكُثُ عَنْهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُجِيبُهُمْ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: بَيْنَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا؟ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: إِذَا جَهَرْتُمْ سَمِعَ، وَإِذَا أَسْرَرْتُمْ لَمْ يَسْمَعْ، فَنَزَلَتْ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
| أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم | وأعبد أن أهجو كليباً بدارم |
| أولاك أناس لو هجوني هجوتهم | وأعبد أن يهجى كليب بدارم |
وقيل : هو منقطع، والمعنى : لكن من شهد بالحق يشفع فيه هؤلاء، ويجوز أن يكون المستثنى منه محذوفاً، أي لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق. قال سعيد بن جبير وغيره : معنى الآية : أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق، وآمن على علم، وبصيرة. وقال قتادة : لا يشفعون لعابديها، بل يشفعون لمن شهد بالوحدانية. وقيل : مدار الاتصال في هذا الاستثناء على جعل الذين يدعون عاماً لكل ما يعبد من دون الله، ومدار الانقطاع على جعله خاصاً بالأصنام.
تم عرض جميع الآيات
89 مقطع من التفسير