ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

ولما ظهر حسد اليهود واجتهادهم في الرد على الإسلام، أمر الحق تعالى المسلمين بالعفو والصفح حتى يأذن في قتالهم، فقال : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
قلت : لو مصدريةٌ مفعول وَدَّ ، و كفاراً : مفعول ثان، و حسداً : مفعول له، علة لود، أو حال من الواو، و من عند متعلق بود، أي : يتمنوا ذلك من عند أنفسهم وتَشهِّيهم، أو بقوله : حسداً ، فالوقف على قوله : كفاراً ، أي : حسداً حاصلاً من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل، والعفو : ترك العقوبة بالذنب. والصفح : الإعراض عن المذنب، كأنه يولي عنه صفحة عنقه، فهو أبلغ من العفو.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار : تمنّى الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم لو يصرفونكم عن دينكم
و يردونكم من بعد إيمانكم بنبيكم كفاراً ضالين، كما كنتم قبل الدخول فيه، وذلك حسداً من تلقاء أنفسهم غيرة أن تكون النبوة في غيرهم، وذلك من بعد ما بين لهم الحق وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، فاعفوا عن عتابهم، وأعرضوا عن تشغيبهم حتى يأتي الله بأمره فيهم بالقتل والجلاء. إن الله على كل شيء قدير .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من جملة مَا دَبَّ إلى بعض الطوائف المتجمدين على تقليد أشياخهم : التعصب والحمية على طريق أشياخهم، ولو ظهر الحق عند غيرهم، وخصوصاً أولاد الصالحين منهم، فإذا رأوا أحداً ظهرت عليه أنوار الولاية، وأسرار الخصوصية، تمنَّوْا أن يردوهم عن طريق الحق، ويصرفوهم إلى مخالطة الخلق، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فيقال لمن توجه إلى الحق : فاعفوا واصفحوا حتى يظهر الحق، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم، ولا تشتغلوا قط بعيبهم فتكونوا أقبح منهم.
قال بعض العارفين :( لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم. ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم ). بل ينبغي لمن يُحْسَدُ أو يُؤْذَى أن يغيب عن الحاسد وكيده، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة الربوبية، فإن الله لا يضيع من التجأ إليه، ولا يخيب مقصود من اعتمد عليه. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير