والسؤال بعد قيام البراهين كفر. لذلك قال وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ قصدَه ووسطَه (١)، ومعنى الضلال ها هنا: الذَهابُ عن الاستقامة (٢)، قال الأخطل (٣):
| كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ | قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا (٤) |
وذكرنا ما في (سواء) في قوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة: ٦].
١٠٩ - قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد (٥): ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقّ ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم (٦). وتم الكلام عند قوله: كُفَّارًا. وانتصب حَسَدًا على
(٢) ينظر: "الوسيط" ١/ ١٩١.
(٣) هو: غياث بن غوث بن الصلت أبو مالك التغلبي، شاعر نصراني.
(٤) ينظر: "ديوان الأخطل" ص ٢٥٠، و"نقائض جرير والأخطل" ص ٨٣، و"تفسير القرطبي" ١٤/ ٩١، و"الماوردي" ٣/ ٢٩٣، و"وضح البرهان" للغزنوي ٢/ ١٧٥. وينظر: "البحر المحيط" ٥/ ٥١٣ - ٥١٤.
(٥) تحرف في نسخ "أسباب النزول" كما في ص ٣٨ إلى وقعة بدر.
(٦) ذكره المصنف أيضًا في "أسباب النزول" ص ٣٨، وعنه ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" ١/ ٣٥٤، ثم قال: هذا لعله من تفسير الكلبي، والذي ذكره ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسداً، إذ خصهم الله تعالى برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ الآية. انتهى. وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨، ابن أبي =
المصدر. ودل قوله: (يردونكم كفارًا) على (يحسدونكم)، وإن شئت جعلته مفعولًا له، كأنه قيل: للحسد (١).
وقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أراد: أنهم ودُّوا ذلك من عند أنفسهم، لم يؤمروا به في كتابهم (٢) الدليل على ذلك قوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فـ (من) موصولة بـ وَدَّ لا بقوله: حَسَدًا على التوكيد، كقوله: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: ٣٨].
قال ابن الأنباري: ويكون تأويل مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه. وأما معنى الحسد في اللغة، فحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (٣): القرادة،
(١) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١١١٤، و"البيان" لابن الأنباري ١/ ١١٨، "التبيان في إعراب القرآن" ص ٨٣، و"إعراب القرآن" لأبي جعفر النحاس ١/ ٢٠٧، و"الدر المصون" ١/ ٣٤١.
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١١٤.
(٣) زيدت اللام فيه كما يقال للعبد: عبدل. ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١١١٤.
لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (١).
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ في التوراة أن قول محمد صدق، ودينه حق، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين (٢).
وقوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا قد ذكرنا معنى العفو عند قوله: ثُمَّ عَفَونَا عَنكم [البقرة: ٥٢]، وأما الصفح فمعناه في اللغة: الإعراض (٣)، يقال: صفح عن فلان أي: أعرض عنه موليًا، ومنه قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه:
| صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً | فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ (٤) |
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١١٤.
(٣) ينظر: "شمس العلوم" لنشوان الحميري ٦/ ٣٧٧٣.
(٤) البيت لكثير عزة، في "ديوانه" ص ٩٨، "لسان العرب" ٤/ ٢٤٥٧، (مادة: صفح)، "المعجم المفصل" ١/ ٥٥٣.
(٥) تقدم الكلام عن مثل هذه الرواية في قسم الدراسة.
(٦) أخرجه الطبري ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٠٦. وينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيد ١/ ٥٠، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس ص ٢٧٤، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص ٣١٢. ورد ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص ٤٦ القولَ بالنسخ وعزى ذلك لجماعة، وقال: واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر. ونقل في "البحر المحيط" ١/ ٣٤٩ عن قوم بأنه ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر للتوقيف على مدته حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ غيّا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه الموادعة على أن تأتي أمر الله =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي