ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ ﱿ

قوله :" مسلمين " مفعول ثان للجعل ؛ لأنه بمعنى [ التصيير، والمفعول الأول هو ] " نا ".
وقرأ ابن عباس " مُسْلِمِيْنَ " بصيغة الجمع وفي ذلك تأويلان :
أحدهما : أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع، وبه استدل من يجعل التثنية جمعاً.
والثاني : أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما ك " هاجر ".
قوله :" لك " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب " مسلمين " لأنه بمعنى نُخْلص لك أوجهنا نحو :
أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ فيكون المفعول محذوفاً لفهم المعنى.
والثاني : أنه نعت لمسلمين أي : مسلمين مستقرين لك أي مستسلمين. والأول أقوى معنى.

فصل فيمن استدل بهذه الآية على القول بخلق الأعمال


استدلوا بهذه الآية على خلق الأعمال بقوله : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة، وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلاّ خَلْق ذلك فيهما، فإن [ الجعل ] عبارة عن الخلق.
قال الله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : ١ ] فدلّ هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى.
فإن قيل : هذه الآية الكريمة متروكة الظاهر ؛ لأنها تقتضي أنهما وقت السُّؤال [ كانا ] غير مسلمين إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ؛ ولأن صدور هذا الدُّعَاء منهما لا يصلح إلاَّ بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسّك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجَعْل عبارة عن الخَلْق والإيجاد بل له معانٍ أخر سوى الخلق :
أحدها :" جعل " بمعنى " صيّر "، قال [ الله ] تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الّلَيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً [ الفرقان : ٤٧ ].
وثانيها :" جعل " بمعنى " وهب "، تقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الغرس.
وثالثها :[ جعل ] بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثاً [ الزخرف : ١٩ ].
وقال وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : ١٠ ].
ورابعها :" جعل " كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
[ السجدة : ٢٤ ] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [ البقرة : ١٢٤ ] فهو الأمر.
وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتباً [ وشاعراً ] إذا علمته ذلك.
وسادسها : البيان والدّلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت [ من الحجة ] ما بين بطلان ذلك. إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام، والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصّاً، وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك سلّمنا أن المراد من الجَعْل الخَلْق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام، وتوفيقهما لذلك ؟ فمن وفّقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها، فقد جعله الله مسلماً له، ومثاله من يؤدّب ابنه حتى يصير أديباً، فيجوز أن يقال : صيّرتك أديباً، وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصّاً محتالاً.
سلمنا أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدَّلاَئل العقلية، فوجب ترك القول به.
وإما قلنا [ إنه ] على خلاف الدَّلائل العقلية ؛ لأنه لو كان فعل العَبْد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذمّاً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد.
والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر.
[ قلنا ] : لا نسلّم وبيانه من وجوه :
الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب، وأنه لا يبقى زمانين فقوله :" واجعلنا مسلمين لك " أي : اخلق هذا العرض، فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال.
الثاني : أن يكون المراد منه الزِّيَادة في الإسلام كقوله : لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ [ الفتح : ٤ ] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى [ محمد : ١٧ ] ويؤيد هذا قوله تعالى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : ٢٦٠ ] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال.
الثالث : أن " الإسلاَم " إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد أما إذا أضيف بحرف " اللام " كقوله :" مُسْلِمَيْنِ لَكَ "، فالمراد الاستسلام له والانقياد والرِّضا بكل ما مقدر [ وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية، فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ] فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر.
قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك فلا نسلم أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف، وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح، وهو مرغوب له فيه.
قلنا : نعم ! لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من تحصيل الرغبة في تحصيل الوَصْف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى.
وأيضاً أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً، وأي فائدة في طلبه بالدعاء.
وأيضاً أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كلّ من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال : جعله مسلماً.
أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف.
فالجواب : هذا مدفوع من وجوه :
أحدها : أن لفظ الجَعْل مضاف إلى " الإسلام "، فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر.
وثانيها : أن تلك الألْطَاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها، وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه غير جائز.
وثالثها : أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في تَرْجيح جانب الفعل على الترك أو لا.
فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً.
وإن كان لها أثر في الترجيح، فنقول : متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب، وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح، إما أن يجب الفعل، أو يمتنع، أو لا يجب أصلا ولا يمتنع.
فإن وجب فهو المطلوب.
وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع : إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً، وقد فرضناه كذلك هذا خلف.
وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجّح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول.
قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم.
قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم.
قال القرطبي : سألاه التثبت والدوام و " الإسلام " في هذا الموضع : الإيمان والأعمال جميعاً، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ
[ آل عمران : ١٩ ]، وكفى هذا دليلاً لمن قال إن الإيمان والإسلام هما شيء واحد، ويؤيده قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : ٣٥، ٣٦ ] والله أعلم.
قوله : وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً فيه قولان :
أحدهما وهو الظاهر أن " من ذرّيتنا " صفة لموصوف محذوف وهو مفعول أول، و " أمة مسلمة " مفعول ثان تقديره : واجعل فريقاً من ذرّيتنا أمة مسلمة.
وفي " من " حينئذ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها للتبعيض.
والثاني- أجازه الزمخشري أن تكون للتبيين، قال تبارك وتعالى :
الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ [ النور : ٥٥ ].
الثالث : أن تكون لابتداء غاية الجعل، قاله أبو البقاء.
والثاني من القولين : أن يكون " أمة " هو المفعول الأول، و " من ذرّيتنا " حال منها ؛ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها انتصب حالاً، و " مسلمة " هو المفعول الثاني، والأصل : واجعل الأمة من ذريتنا مسلمة، ف " الواو " داخلة في الأصل على " أمة "، وإنما فصل بينهما بقوله :" مِنْ ذُرِّيَّتِنَا " وهو جائز ؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف، وفي إجازته ذلك نظر، فإن النحويين كأبي عليٍّ وغيره منعوا الفصل بالظَّرف [ بين حرف العطف ] إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف وجعلوا منه قوله :[ المنسرح ]
٧٨٦- يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيةِ ال عَصْبِ وَيَوْماً أَدِيمُها نَغِلاَ
ضرورة، فالفصل في الحال أبعد، وصار ما أجازه نظير قولك :" ضرب الرجل ومتجردة المرأة زيد " وهذا غير فصيح، ولا يجوز أن يكون أجعل المقدرة بمعنى أخلْقُ وأُوْجِد، فيتعدى لواحد، ويتعلق " من ذرّيتنا " به، ويكون " أمة " مفعولاً به، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول، والعامل الأول ليس معناه " اخلق " إنما معناه " صَيِّرْ ".
وإن كان من عطف الجمل، فلا يحذف إلا ما دلّ عليه المنطوق، والمنطوق ليس بمعنى الخلق، فكذلك المحذوف ألا تراهم منعوا في قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ [ الأحزاب : ٤٣ ] أن يكون التقدير : وملائكته يصلون لاختلاف مدلول الصَّلاتين، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما، وقوله :" لك " فيه الوجهان المتقدمان بعد " مسلمين ".

فصل


إنما خص بعضهم ؛ لأنه تعالى أعلمهما [ أن ] في ذريتهما الظالم بقوله لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
وقيل : أراد به العرب ؛ لأنهم من ذريتهما.
وقيل : هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ [ البقرة : ١٢٩ ].
فإن قيل : قوله : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ كما يدلّ على أن في ذرّيته من يكون ظالماً فكذلك [ يوجب فيهم من لا يكون ظالماً ]، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية، فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟
فالجواب : تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع.
فإن قيل : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجرى مجرى البُخْل في الدعاء ؟
فالجواب : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [ التحريم : ٦ ] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم.
والأمة هنا : الجماعة، وتكون واحداً إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ [ النحل : ١٢٠ ]. وقد يطلق لفظ الأمّة على غير هذا المعنى [ كقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة أي دين وملة ]. ومنه قوله تعالى :{ إِنَّ هَذِهِ أ

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية