وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١ ٢.
قوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ١٥٠ .
[ ٣٧ ] مسألة : في حكم الصلاة في جوف الكعبة وعلى ظهرها.
قال ابن حزم :
والصلاة جائزة على ظهر الكعبة، وعلى أبي قبيس٣، وعلى كل سقف بمكة، وإن كان أعلى من الكعبة وفي جوف الكعبة أينما شئت منها، الفريضة والنافلة سواء.
وقال مالك : لا تجوز الصلاة في جوف الكعبة. الفرض خاصة، أجاز فيها التنفل٤.
واحتج أتباع مالك بأن قالوا : إن من صلى داخل الكعبة فقد استدبر بعض الكعبة.
قال ابن حزم : إنما قال الله عز وجل ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ٥.
فلو كان ما ذكره المالكيون حجة لما حل لأحد أن يصلي في المسجد الحرام ؛ لأنه هو القبلة بنص كلام الله تعالى في القرآن، وكل من يصلي فيه فلا بد له من أن يستدبر بعضه، فظهر فساد هذا القول وأيضا : فإن كل من صلى إلى المسجد الحرام، أو إلى الكعبة فلا بد من أن يترك بعضها عن يمينه وبعضها عن شماله، ولا فرق عند أحد من أهل الإسلام في أنه لا فرق بين استدبار القبلة في الصلاة، وبين أن يجعلها على يمينه أو على شماله.
فصح أنه لم يكلفنا الله عز وجل قط مراعاة هذا، وإنما كلفنا أن نقابل بأوجهنا ما قابلنا من جدار الكعبة أو من جدار المسجد قبالة الكعبة حيثما كنا فقط :
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن يوسف، قال : أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وأسامة بن زيد وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي٦، فأغلقها عليه ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج : ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم قال : جعل عمودا عن يساره وعمودين٧ عن يمينه وثلاثة أعمدة من ورائه ثم صلى " ٨.
قال ابن حزم : ما قال أحد قط إن صلاته المذكورة صلى الله عليه وسلم كانت إلى غير القبلة، وقد نص عليه السلام على أن الأرض كلها مسجد، وباطن الكعبة أطيب الأرض وأفضلها، فهي أفضل المساجد وأولاها بصلاة الفرض والنافلة.
والتفريق بين الفرض والنافلة بلا قرآن ولا سنة ولا إجماع خطأ وبالله تعالى التوفيق.
وكل مكان أعلى من الكعبة فإنما علينا مقابلة جهة الكعبة فقط ؛ وقد هدمت الكعبة لتجدد فما قال أحد ببطلان صلاة المسلمين.
وإنما جاء النهي عن الصلاة [ على ] ظهر بيت الله الحرام، من طريق زيد بن جبيرة٩، وهو لا شيء.
ومن طريق عبد الله بن صالح١٠ كاتب الليث وهو ضعيف١١ ١٢.
ومسلم في كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر حديث (١٣٣٧).
٢ المحلى (٢٥٧/ ٢ـ ٢٥٨) باختصار وانظر: مراتب الإجماع (٢٦).
٣ أبو قبيس ـ بالتصغير ـ هو اسم الجبل المشرف على مكة وجهه إلى قعيقعان ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقعيقعان من غربيها معجم البلدان لياقوت (٨٠/١).
٤ المدونة (١٨٣/١).
٥ البقرة: ١٥٠.
٦ هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عثمان بن عثمان بن عبد الدار العبدري، الحجبي صحابي شهير مات سنة ٤٢ هـ التقريب (١٣/٢).
٧ روى البخاري هذا الحديث عن مالك من طريقين:
ـ طريق عبد الله بن يوسف وفيه: "جعل عمودا عن يساره، وعمودا عن يمينه..."
ـ طريق إسماعيل بن إدريس وفيه: "جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه..."
وابن حزم أورده من طريق عبد الله بن يوسف، بلفظ: "وعمودين عن يمينه" فلعله وهم في ذلك أو الوهم من أحد شيوخه.
٨ رجال الإسناد:
ـ إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم البلخي المستملي، رواي الصحيح عن الفربري، حدث عنه: أبو ذر عبد بن أحمد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمذاني، وأحمد بن محمد البلخي، وكان سماعه للصحيح في سنة ٣١٤ هـ قال أبو ذر: كان من الحافظين المتقنين ببلخ، مات سنة ٣٧٦ هـ سير أعلام النبلاء (٤٩٢/ ١٦)
ـ الفربري: هو محمد بن يوسف: تقدم.
ـ عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلامي، أصله من دمشق، ثقة متقن، من أثبت الناس في الموطأ، روى له البخاري وأبو داود، والترمذي والنسائي مات سنة ٢١٨ هـ التقريب (٤٣٢/١)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، حديث (٥٠٥).
٩ هو زيد بن جبيرة بن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أبو جبيرة المدني، روى له الترمذي، وابن ماجه.
قال البخاري: منكر الحديث وقال ابن معين: لا شيء وقال النسائي: ليس بثقة وقال ابن حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير وقال الدارقطني: ضعيف وقال ابن حجر: متروك.
التاريخ الصغير (٦٣/٢) سؤالات ابن جنيد (٤) الضعفاء والمتروكين للنسائي (١٢٥) الكامل (٢٠٢/٣) المجروحين لابن حبان (٣٠٩/١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥٥٩/٣) التقريب (٢٦٧/١) التهذيب (٣٤٦/٣)..
١٠ هو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، كاتب الليث روى له البخاري تعليقا، وأبو داود والترمذي وابن ماجه مات سنة ٢٢٢هـ
قال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم ذاهب الحديث، وقال ابن حجر: صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة. الضعفاء والمتروكين للنسائي (٦٣) الجرح والتعديل (٨٦/٥) التقريب (٤٠٠/١) تهذيب التهذيب (٢٢٥/٥).
١١ حديث النهي عن الصلاة على ظهر الكعبة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وعمر رضي الله عنهما: أولا: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله"
أخرجه الترمذي واللفظ له في كتاب أبواب الصلاة باب ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه حديث (٣٤٦)
وابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة حديث (٧٤٦)وعبد بن حميد في المنتخب (٢٤٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣٨٣/١) والبيهقي في السنن الكبرى (٣٢٩/٢)
جميعهم من طريق زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر به.
قال الترمذي: "إسناده ليس بذاك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه"
وقال البيهقي: "تفرد به زيد بن جبيرة"
وقال الزيلعي في نصب الراية (٣٧٧/٢) "زيد بن جبيرة اتفق الناس على ضعفه"
ثانيا: حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة ظاهر بيت الله والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام وعطن الإبل ومحجة الطريق"
أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق، حديث (٧٤٧) من طريق أبي صالح واسمه عبد الله بن صالح ـ عن الليث عن نافع، عن ابن عمر عن عمر به.
قال الترمذي في سننه (١٧٩/٢) "وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وحديث داود عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد. وعبد الله بن عمر العمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه منهم يحيى بن سعيد القطان" أ هـ وعبد الله بن عمر العمري الذي ذكره الترمذي ساقط من الإسناد عند ابن ماجه وقد أشار الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣٨٧/١) لذلك فقال: "وفي سند ابن ماجه عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضا، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع، فصار ظاهره الصحة. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١٤٨/١) عن أبيه: هما جميعا واهيان [يريد حديث ابن عمر وعمر] وصححه ابن السكن وإمام الحرمين" أ هـ
انظر: نصب الراية (٣٧٧/٢ـ ٣٧٨) إرواء الغليل (٣١٨/ ١ـ٣١٩)
النتيجة:
أن الحديث ضعيف، لضعف زيد بن جبيرة، وعبد الله بن صالح، وعبد الله العمري، وممن ضعفه غير ما ذكر: الألباني في الإرواء (٣١٨/١).
١٢ ؟؟؟؟؟.
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري