٦٤- فيه من الأسئلة : ما معنى " الشطر " ؟ و " ليلا " بأي شيء تتعلق ؟ وكيف تكون الحجة للذين ظلموا على المؤمنين ؟ وهل هو استثناء متصل أو منقطع ؟ وكيف يكون منقطعا مع قوله : " منهم " ؟.
والجواب : أن " الشطر " في اللغة له معنيان : النصف نحو قولهم : شطر المال والجهة أيضا : فشطر البيت الحرام : جهته. و " ليلا " متعلقة بفعل مأخوذ من معنى الكلام، تقديره : " عرفكم وجه الصواب في قبلتكم لتنتفي الحجة للناس عليكم ". وأما حجة الظالمين فاختلف العلماء في ذلك، فقيل : الناس عام في اليهود والعرب وغيرهم. وقيل : اليهود فقط، فيكون خاصا لا عاما، وقال صاحب هذا القول : إن المستثنى كفار العرب. وضعف هذا القول لقوله تعالى : " منهم " وذلك يقتضي اتحاد المستثنى والمستثنى منه.
والقول الأول يرى صاحبه أن الاستثناء متصل، ويقول : الحجة المثبتة على وجه التهكم، أي : " حجة داحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم من كل تكلم في النازلة، مثل قولهم : " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وقول قريش : " ما رجع لقبلتنا إلا وهو عازم عن إتباع ديننا "، و " قد تحير محمد في دينه "، إلى غير ذلك من الكلام الذي يخرجونه، فخرج مخرج الحجة وليس بحجة.
فيكون الاستثناء متصلا من الجنس، وحكم بنقيض ما تقدم غير أن المجاز دخل في إطلاق الحجة على ما تصور بصورة الحجة وإن لم يكن حجة. فهو من باب التهكم نحو قوله تعالى : هذا نزلهم يوم الدين ١.
والنزل : ما يصنع للضيف – عند نزوله- من الكرامة، وهذا عذاب وهوان، لكن إطلاق اللفظ الحسن على المعاني الرديئة. أو الكرامة على المذمة، مثل قوله تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم ٢، تهكم عند أهل علم البيان.
ويجوز أن يكون من مجاز الاستعارة ؛ لأجل الشبه في الصورة، فجعل المتكلم الجميع حجة وجنسا واحدا مثاله في بعضه لأجل غرض التهكم والازدراء بالبعض الحقير، ثم استثنى منه فلابد من المجاز، أو الانقطاع في الاستثناء، والأصح عند المفسرين متصل على هذا النوع من المجاز.
ويتحصل من هذه الآية بحثان جليلان :
البحث الأول : أن مجاز الاستعارة هل يتصور فيه معنى المجاز أم لا ؟
فالمشهور أنه مجاز، وأن اللفظ فيه مستعمل في غير ما وضع له. وقيل : بل هو حقيقة، واللفظ فيه مستعمل فيما وضع له، واحتجوا على ذلك بأن القائل إذا قال : " رأيت أسدا " فما أطلق لفظ الأسد على زيد. وإذا أطلق اللفظ عليه حينئذ كان اللفظ مطلقا على معناه في اللغة. ولو لم يتخيل معنى الأسد في زيد لم يطلق الأسد عليه، فصار إطلاق لفظ الأسد على زيد مشروطا بحصول معنى الأسد، فلا يكون اللفظ فيه مجازا.
وأجابهم الجمهور ؛ بأن العرب لم تضع لفظ الأسد لزيد المتخيل المتوهم المفروض، إنما وضعته للأسد المتحقق في الخارج.
فإطلاقه على المتخيل إطلاق للفظ على غير ما وضع له، فيكون مجازا. وكذلك القول في بقية ألفاظ الاستعارة ؛ لأن هذا هو الفرق بين مجاز الاستعارة وغيره من أنواع المجاز : أن المجاز الاستعارة العلاقة فيه شبه محل الحقيقة لمحل المجاز، والعلاقة في غيرها لازمة أو سببية أو غير ذلك من العلاقات على ما هو مقرر في موضعه.
إذا تقرر هذا البحث ب ين الفريقين، فعلى المشهور القائل بأنه مجاز يلزم أن يكون إطلاق " الحجة " الواهية إنما هو مجاز وعلى غير مسمى اللفظ، فإن العرب إنما وضعت لفظ الحجة للحجة التي يتصور أن تثبت المحتج عليه.
فإطلاق الحجة على ما لا يكون مثبتا مجاز، وعلى غير مسمى اللفظ، فيلزم أن يكون الاستثناء في الآية منقطعا.
والجمهور عدوه متصلا، ومتى كان الاستثناء حكم فيه بعد " إلا " على غير مسمى اللفظ الأول كان منقطعا، والجمهور أن الاستثناء متصل، فيبطل ولا يستقيم، فتأمله. ولا يتصور في هذه الآية الاستثناء المتصل حتى يكون لفظ الحجة مستعملا في الحجة الحقيقية. ولم يقل أحد أنه بقي لأحد على المؤمنين حجة حقيقية.
البحث الثاني : يحكى عن الشيخ الإمام أبي عمرو بن الحاجب٣ رحمه الله أنه كان يقول : " قد يكون المذكور بعد " إلا " من مسمى اللفظ السابق، ويكون الاستثناء منقطعا بأن يقول القائل : " رأيت إخوتك " وتريد بعض إخوتك على التعيين، وتذكر بعد " إلا " زيدا ويكون هذا زيد ليس من أولئك المعينين، فتقول : " رأيت إخوتك إلا زيدا " ويكون الاستثناء منقطعا على هذا التقدير، لأن زيدا ليس بعض من أطلق عليه اللفظ أولا، فصار " زيد " كجنس آخر فيكون منقطعا.
فإن قيل له : الاستثناء في كل صورة لابد أن يكون ما بعد " إلا " فيه غير مراد باللفظ الأول فلا يخرج " إلا " من غير مراد، فيلزم أن يكون كل استثناء منقطعا، لأنه ليس من الفريق المراد.
يقول : ليس كذلك، بل لابد من صفة تكون قيدا في المذكور أولا، منفية في المذكور بعد " إلا ".
وهو لو قال : " رأيت إخوتك الفقهاء إلا زيدا "، وزيد ليس بفقيه، كان منقطعا. وكذلك هاهنا، إذا قال : " رأيت القوم " وأراد بلام التعريف العهد، فكأنه قال : " رأيت القوم المعهودين إلا زيدا "، وزيد ليس من المعهودين فأشبه استثناء زيد الذي ليس بفقيه من الأخوة أو من الفقهاء، أو من القوم الفقهاء.
إذا تقرر هذا البحث الذي يحكى عنه رحمه الله كان قوله تعالى : ليلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا استثناء منقطعا أيضا، باعتبار الناس المستثنى منهم لا باعتبار الحجة، بل هو نوع آخر من الانقطاع، بأن يكون " الناس " المراد بهم اليهود، والمراد ب " الذين ظلموا " عبدة الأوثان أو نحو ذلك من الاعتبارات وتصير اليهودية أو غيرها من الصفات، كالمنطوق بها في اللفظ. ولو قال تعالى : " ليلا يكون لليهود عليكم حجة إلا عبدة الأوثان " كان منقطعا، فكذلك إذا أريدت الصفة باللفظ لم ينطق بها، فتصور الانقطاع وإن شمل السابق قبل " إلا " ما ذكر بعدها.
فرأيت جماعة من المفسرين وافقوا أبا عمرو في هذا البحث في آيات كثيرة من القرآن، وقع فيها هذا المعنى، وصرحوا بأنه منقطع على الوجه الذي قرره الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى. ولعله إنما نقل ذلك من كلامهم، وهو الظاهر.
وعلى هذين البحثين كان ينبغي أن تذكر هذه الآية في الاستثناء المنقطع، لكون الاستثناء فيها منقطعا إما باعتبار الجنس أو باعتبار أن الحكم فيها وقع بغير النقيض. وإنما ذكرها في باب الاستثناء المتصل لأني رأيت رأي الجمهور على أنها متصلة، فأحببت موافقتهم. ( الاستغناء في الاستثناء : ٣٠٢ إلى ٣٠٦ ).
٢ الدخان : ٤٩..
٣ - هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المصري، الملقب بجمال الدين، والمكنى بأبي عمرو، المشهور بابن الحاجب :(ت : ٦٤٦ هج) من مصنفاته :"الكافية في النحو" و"الشافية" في الصرف- و"الأمالي" النحوية- و"جامع الأمهات" في الفقه وغيرها.
ن : ترجمته في الديباج : ١٨٩- شذرات الذهب : ٥/٣٤ وشجرة النور : ١٦٧- وفيات الأعيان : ٣/٢٤٨..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي