ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
المعنى الجملي :
بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب ؛ فذكر أنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبي حقا، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأن جحدهم لتحويل القبلة عناد ومكابرة، لأنه متى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه – ذكر هنا أن كل أمة لها قبلة خاصة توجه إليها، والواجب التسليم فيها لأمر الوحي، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس، وأن الواجب التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، وأن استقبال الكعبة واجب في الصلاة في أي جهة كان المصلي، في البر أو في البحر، وأنه ينبغي لكم ألا تخشوا محاجة المشركين في القبلة بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمرا
الإيضاح :
أي ومن حيث خرجت في أسفارك في المنازل القريبة أو البعيدة، فول وجهك جهة المسجد الحرام، وحيثما كنتم من الأقطار أو مسافرين وصليتم فولوا وجوهكم شطره.
وأعاد الأمر ( فَوَلِّ وَجْهَكَ ) مرة ثالثة عناية بأمر هذا التولي، وليرتب عليه الحكم والمنافع الثلاث الآتية :
لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي لئلا يكون لأولئك المحاجين في أمر القبلة وهم أهل الكتاب والمشركون وتبعهما المنافقون – حجة وسلطان عليكم.
ووجه انتفاء حجتهم على طعنهم في النبوة بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، أن أهل الكتاب كانوا يعرفون من كتبهم أن النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فبقاء بيت المقدس قبلة دائمة له، حجة على أنه ليس هو النبي المبشر به، فلما جاء هذا التحويل عرفوا أنه الحق من ربهم.
وأن المشركين كانوا يرون أن نبيا من ولد إبراهيم جاء لإحياء ملة أبيه، ينبغي ألا يستقبل غير بيت ربه الذي كان أبوه قد بناه، وكان يصلي هو وإسماعيل إليه. وبذلك دحضت حجة الفريقين، ومن ورائهم المنافقون.
إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ أي لكن الذين ظلموا منهم بالعناد، فإن لهم عليكم حجة، إذ يقول اليهود : ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه، وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، ويقول المشركون : رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، ويقول المنافقون : إنه متردد مضطرب لا يثبت على قبلة، إلى نحو هذا من الآراء التي سداها ولحمتها الهوى، ولا مرجع فيها لحجة وبرهان، بل هي جدل في دين الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير، ومثل هؤلاء لا يقام لقولهم وزن.
فَلاَ تَخْشَوْهُمْ أي فلا تخشوا الظالمين في توجهكم إلى الكعبة، لأن كلامهم لا يستند إلى حجة من برهان عقلي ولا هدى سماوي.
وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا ما جاءكم به رسولي عني، فأنا القادر على جزائكم بما وعدتكم.
وفي هذا إيماء إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه، وأن المبطل ينبغي ألا يؤبه به، فإن الحق دائما يعلوا، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل.
وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بإعطائكم قبلة مستقلة في بيت ربكم الذي وضع قواعده جدكم، وجعل الأمم الأخرى تبعا لكم فيه، وطهره من عبادة الأوثان والأصنام، ووجه شعوب العالم جميعا إلى بلادكم، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما يجل حصره.
وفي الحق أن كل أمر من الله فامتثاله نعمة، وتكون النعمة أتم، والمنة أكمل، إذا كان فيه حكمة ظاهرة، وشرف للأمة، وأثر حميد نافع لها.
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي وليعدكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق، فإن الفتن التي أثارها السفهاء على المؤمنين في أمر القبلة أظهرت قوة الحق وثباته، وضعف الباطل وخنوعه، ومحصت المؤمنين، ومحقت الكافرين ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير