ثم بيَنَّ تعالى مَنِ الصابرون١ الذين شكرهم، قال : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أي : تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما٢ يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة.
حدثنا يونس، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عَمْرو، عن المطلب، عن أم سلمة قالت : أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سُررْتُ به. قال :" لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول : اللهم أجُرني في مصيبتي واخلُف لي خيرًا منها، إلا فُعِل ذلك به ". قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت : اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي. فقلت : من أين لي خير٤ من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدَّتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأنا أدبغ إهابا لي - فغسلت يدي من القَرَظ٥ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حَشْوُها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيّ غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلتُ في السن، وأنا ذات عيال، فقال :" أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها٦ الله، عز وجل عنك. وأما ما ذكرت من السِّن فقد أصابني مثلُ الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي ". قالت : فقد سلَّمْتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد : أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم٧.
وفي صحيح مسلم، عنها أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله من مصيبته، وأخلف له خيرا منها " قالت : فلما تُوُفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه : رسولَ الله صلى الله عليه وسلم٨.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، وعَبَّاد بن عباد قالا حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أمه، عن فاطمة ابنة٩ الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد : قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب " ١٠.
ورواه ابنُ ماجه في سُنَنه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وَكِيع، عن هشام بن زياد، عن أمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها [ الحسين ]١١ ١٢.
وقد رواه إسماعيل بن عُلَية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد١٣ عن أبيه، كذا عن، فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال : دفنتُ ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني الخولاني - فأخرجني، وقال لي : ألا أبشرك ؟ قلت : بلى. قال : حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزَب، عن أبي موسى، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله١٤ : يا ملك الموت، قبضتَ ولد عبدي ؟ قبضت قُرَّة عينه وثمرة فؤاده ؟ قال نعم. قال : فما١٥ قال ؟ قال : حَمِدَك واسترجع، قال : ابنو له بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيتَ الحمد ".
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك. فذكره١٦. وهكذا رواه الترمذي عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، به. ١٧ وقال : حسن غريب. واسم أبي سنان : عيسى بن سنان.
٢ في جـ: "كيف"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة