وقوله :( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) أولئك هم الصابرون الذين يبشرهم الله على لسان نبيه الكريم، والذين يبادرون بكلمة الحق التي تعلن الولاء الكامل لله والإقرار المطلق بأنه سبحانه مالك كل شيء ؛ فهو مالك الناس والأموال والخيرات والثمرات، وأنه ما من شيء إلا هو راجع إليه وذلك في يوم حافل معلوم. يوم تتلاقى فيه الأحياء جميعا لتجد جزاءها والحساب.
على أن الصبر على المحن إنما يكون معتبرا إذا كان عند صدمة الخبر الفادح، فإذا ما ثبت المؤمن لدى ورود الصدمة واسترجع فذلكم الذي له البشرى بالرحمة والرضوان. وفي ذلك قد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( ص ) قال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى ".
وشرط الصبر لتمامه وكمال شرفه ألا يجزع المبتلى عند صدمة الخبر الداهم، وألا يبث للناس شكايته على سبيل الإياس والزعزعة والابتئاس، ولكن ليكظم ألمه ويحبس نفسه عن البث والشكوى أو الأنين في ضعف وخور.
ولا تنحصر المصيبة في أنواع معلومة مما يصيب الإنسان فيؤزه ويؤلمه، ولكنها تشمل كل صورة من صور الابتلاء مهما كان حجمها أو تأثيرها. وبذلك فإن المصيبة كما يراها الدين تتضمن كل وجه من وجوه الشر التي تصيب الإنسان فتؤذيه، صغيرا كان الأذى أو كبيرا. فقد ذكر أن مصبح رسول الله ( ص ) قد انطفأ ذات ليلة فقال :( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال : " نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة " وأخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله ( ص ) يقول : " ما يصيب المؤمن من وصب(١) ولا نصب(٢) ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته " (٣).
٢ - النَّصب: التعب. انظر المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٩٢٥..
٣ - صحيح مسلم (٤/١٩٩٣) برقم ٢٥٧٣..
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز