وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ
المعنى الجملي :
بعد أن ذكر سبحانه افتتان الناس بتحويل القبلة، وأقام الحجة على المشاغبين، وبين فوائد التحويل للمؤمنين، ومن أهمها البشارة، وكون ذلك طريقا للهداية، لما في الفتن من تمييز الخبيث من الطيب، والمسلم من المنافق، ثم قفى على ذلك بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم، ليستبين للناس أن تحويل القبلة الذي صوره السفهاء بصورة النقمة هو نعمة كبرى، ومنة عظمى.
بين في هذه الآيات أن هذه النعم التي يجب ذكرها وشكرها تقرن بضروب من البلاء وألوان من المصايب، من أعظمها ما يلاقيه أهل الحق من مقارعة أشياع الباطل كما حدث ذلك حين كان المؤمنون في قلة من العدد والعدد تناوئهم الأمم جمعاء، وقد تألب عليهم المشركون حتى أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، كما لاقوا من أهل الكتاب عنتا وكيدا ؛ لهذا كله أمر عباده أن يستعينوا على مقاومة ذلك كله بالصبر والصلاة، إذ في الصبر تربية ملكة الثبات وتعود تحمل المشاق، فيهون على النفس احتمال ما تلاقيه من المكاره في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة، ويظهر أثر ذلك في ثبات الإنسان على إثبات حق أو إزالة باطل، أو الدعوة إلى عقيدة أو تأييد فضيلة، ومصارعة الشدائد لأجل ذلك، وعلى هذا جرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه عليهم الرحمة والرضوان، حتى فازوا بعاقبة الصبر، ونصرهم الله نصرا مؤزرا على قلتهم وضعفهم عن جميع الأمم التي حواليهم.
وفي الصلاة التوجه إلى الله سبحانه ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه، واستشعار المصلي للهيبة والجلال وهو واقف بين يدي ربه كما جاء في الحديث ( اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
وهو بهذا الشعور المالك للبه المالئ لقلبه، يستسهل في سبيله كل صعب، ويستخف بكل كرب، ويحتمل كل بلاء، ويقاوم كل عناء. فلا تتوق نفسه إلا لما يرضي ربه الذي يلجأ إليه في الملمات، ويركن إليه إذا أفزعته النائبات.
وليست الصلاة التي عناها الكتاب الكريم هي مجرد القيام والركوع والسجود، والتلاوة باللسان خاصة، والتي نشاهد من معتاديها الإصرار على الفواحش والمنكرات واجتراح السيئات، إذ لا أثر لها مما وصفه الله بقوله : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقوله : إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ومن ثم نرى الذين يصلون هذه الصلاة أضعف الناس قلوبا وأشدهم اضطرابا إذا عرض لهم شيء على غير ما يرمون، وما كان للمصلي أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة بالله، والله يبرئه من ذلك ويقول : إلا المصلين
الإيضاح :
أي وبشر الصابرين الذين يقولون هذه المقالة المعبرة عن الإيمان بالقضاء والقدر – بالظفر بحسن العاقبة في أمورهم كلها بحسب ما وضع من السنن في الكون. والصبر لا ينافي ما يحدث من الحزن حين حلول المصيبة، فإن ذلك من الرقة والرحمة الطبيعيين في الإنسان، وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكى عندما حضر ولده إبراهيم الموت، فقيل له : أليس قد نهيتنا عن ذلك ؟ قال : إنها الرحمة، ثم قال : إن العين لتدمع، وإن القلب ليجزع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
والجزع المذموم هو الذي يدعوا صاحبه إلى فعل ما يمجه العقل وينهى عنه الشرع، مما نرى مثله عند الجماهير إذا حلت بهم المصايب، ونزلت بهم الكوارث.
روى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها ).
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عاقبته، وجعل له خلفا صالحا يرضاه ).
وفي قوله :( إنا لله ) إقرار بالعبودية والملك، وفي قوله : وإنا إليه راجعون إقرار بالفناء والبعث من القبور، واليقين بأن مرجع الأمر كله لله تعالى.
تفسير المراغي
المراغي