(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). وإن هذه الجملة فيها من كمال التفويض والاعتزاز بجلال الله تعالى والاطمئنان إلى قدرته ما يعلو بالنفس على الأنين والشكوى لغير الله تعالى العلي القدير.
ومعنى (إِنَّا لِلَّهِ) أي أننا ملك له تعالى يتصرف فينا كيف يشاء، وأمورنا بين يديه يصرفها كما يشاء، وهو نعم المعتمد في كشف الضر وإزالة الكرب، وإنه مَلكَنَا بخلقه وتقديره وتصريفه فينا وله الأمر والتدبير، وإليه مرجعنا فنحن راجعون إليه وحده، ولذا قدم الجار والمجرور (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فنحن هنا في الحياة مملوكون له، ومن بعد ذلك نرجع إليه وعسى أن يكون ذلك خيرا لنا. روى مسلم بسنده عن
رسول الله - ﷺ - أنه قال: " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفّر به من سيئاته " (١).
وقوله تعالى: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار بالتوحيد واستشعار للعبودية، وإيمان بالبعث والنشور، وفي ذلك عزاء أي عزاء وسلوى عن البلاء، ولقد روى مسلم بسنده عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال: " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها " (٢).
وإن الصالحين لَا يفرون من المصائب تنزل بهم، ولا يرونها من جانبها الشديد، بل يرونها من جانبها الصالح المفيد، فهي تربي في المؤمن الإحساس بالربوبية والضعف أمام القدرة الإلهية والإخلاص لله تعالى، فالإخلاص حيث الضعف أمام الله، وأنه لَا كاشف للضر سواه، وإن ذلك يجعله يرجع إلى الله تعالى ويكون ممن أناب إليه سبحانه كما قال الله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...)، وحيث يحس بشدة المصيبة يتضرع إليه، فيدعو إليه متضرعا ليكشف عنه الضر. وإن المصائب تجعل النفوس بعيدة عن الاستكبار فتطمئن إلى الضعفاء، ويتربى فيها الحلم، والعفو وكثرة الثواب بكثرة الصبر، (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وإن الصالحين لهذه المصائب وثمراتها من طهارة القلب وتنزيه النفس يفرحون ولا يكربون، وإن كانت تجعل غيرهم في كرب، وإنه إذا فرح شكره وإنها تمحص القلوب وتطهرها من الغطرسة والعتو.
________
(١) متفق عليه، رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كتاب المرضى (٥٢١٠)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب (٤٦٧٠) واللفظ له عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
(٢) رواه بهذا اللفظ مسلم: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة (١٥٢٥)، وبنحوه عند أحمد (٢٥٤١٧) في مسنده عن أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها -. كما رواه الترمذي، وابن ماجه، والنسائي، ومالك، والدارمي.
وإن الصالحين بتفويضهم أمورهم لله تعالى، وثقتهم بالله تعالى يعلمون أن وراء ما نزل من مصيبة ضرا لهم ولخيرهم (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا كثيرًا) أالنساء، وإن المصائب تفطم النفس عن الأشر، وتبعد عن الترف، ووراء الترف الظلم فيكون الاستماع للبشير النذير قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ).
وإن الرضا بقدر الله تعالى فيما ينزل من نوازل يجعل النفس في اطمئنان من الجزع والهلع، وبعد عن السخط والغضب.
وأخيرا إن المصائب تصقل النفوس، وتربي فيها قوة الاحتمال إن صبرت وفوضت، ورجوت الثواب والفرج من الله تعالى، وفيها يكثر الدعاء لله تعالى، والدعاء مخ العبادة، ولقد قال تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...)، وكان بعض الصالحين إذا ألم به مرض أو وصب دعا ربه أن يجعله يحس بنعمة المرض والسقم، إذ إنه يقربه من ربه فلا يطغى ولا يستغني بنفسه عن ربه.
ولقد قال تعالى في جزاء الصابرين عند النازلة التي تكرثهم، والرضا بما يأتي به الله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة