وإن الصابرين هم الذين يضبطون أنفسهم فلا تنخلع قلوبهم بفزع، ولا يصيبهم عندما يفاجئون بما لا يحبون، ولذا عرفهم الله بقوله : الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .
الصبر يكون بمعنى ضبط النفس عن الأهواء والشهوات، وعما يكون فيه معصية الله تعالى، ويكون بعزمة المؤمن القوي في طاعة الله، وبتحمل ما ينزل مما يفزع القلب، واطمئنان من غير أنين، ومن هذا النوع الصبر على ما يصيب من نوائب الدهر ومصائبه.
والمصائب جمع مصيبة، وهي كل ما يصيب الإنسان بالأذى في نفسه من مرض، أو ماله من خسارة فادحة، أو فقد حبيب، أو مفاجأة بما لا يسر بل يضر كهزيمة في حرب، أو غدر غادر، أو غير ذلك مما يكرث الإنسان من كوارث، والصبر المحمود في هذه الأحوال وغيرها هو الصبر الجميل الذي يكون من غير أنين وشكوى كصبر يعقوب عندما غاب ابنه يوسف إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ١٨ [ يوسف ].
وإنه مما يجعل الصبر جميلا لا أنين فيه ولا شكوى، ولا تململ مما أنزل الله تعالى أن يفوض أمره إلى الله تعالى، وأن يحيل المرجع والمآب إليه، وأن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، وأن إليه مرجع الأمور وعنده المستقر والمعاد، ولذا قال تعالى في حال الصابرين وقولهم عندما تصيبهم المصيبة وتنزل بهم النازلة لا قبل لهم بها : إنا لله وإنا إليه راجعون . وإن هذه الجملة فيها من كمال التفويض والاعتزاز بجلال الله تعالى والاطمئنان إلى قدرته ما يعلو بالنفس على الأنين والشكوى لغير الله تعالى العلي القدير.
ومعنى إنا لله أي أننا ملك له تعالى يتصرف فينا كيف يشاء، وأمورنا بين يديه يصرفها كما يشاء، وهو نعم المعتمد في كشف الضر وإزالة الكرب، وإنه ملكنا بخلقه وتقديره وتصريفه فينا وله الأمر والتدبير، وإليه مرجعنا فنحن راجعون إليه وحده، ولذا قدم الجار والمجرور وإنا إليه راجعون فنحن هنا في الحياة مملوكون له، ومن بعد ذلك نرجع إليه وعسى أن يكون ذلك خيرا لنا. روى مسلم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته )١.
وقوله تعالى : إنا لله وإنا إليه راجعون إقرار بالتوحيد واستشعار للعبودية، وإيمان بالبعث والنشور، وفي ذلك عزاء أي عزاء وسلوى عن البلاء، ولقد روى مسلم بسنده عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها )٢.
وإن الصالحين لا يفرون من المصائب تنزل بهم، ولا يرونها من جانبها الشديد، بل يرونها من جانبها الصالح المفيد، فهي تربي في المؤمن الإحساس بالربوبية والضعف أمام القدرة الإلهية والإخلاص لله تعالى، فالإخلاص حيث الضعف أمام الله، وأنه لا كاشف للضر سواه، وأن ذلك يجعله يرجع إلى الله تعالى ويكون ممن أناب إليه سبحانه كما قال الله تعالى وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين... ٣٢ [ لقمان ] وحيث يحس بشدة المصيبة يتضرع إليه، فيدعو إليه متضرعا ليكشف عنه الضر. وإن المصائب تجعل النفوس بعيدة عن الاستكبار فتطمئن إلى الضعفاء، ويتربى فيها الحلم، والعفو وكثرة الثواب بكثرة الصبر، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ١٠ [ الزمر ] وإن الصالحين لهذه المصائب وثمراتها من طهارة القلب وتنزيه النفس يفرحون ولا يكربون، وإن كانت تجعل غيرهم في كرب، وإنه إذا فرح شكره وإنها تمحص القلوب وتطهرها من الغطرسة والعتو.
وإن الصالحين بتفويضهم أمورهم لله تعالى، وثقتهم بالله تعالى يعلمون أن وراء ما نزل من مصيبة ضرا لهم ولخيرهم فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ١٩ [ النساء ] وأن المصائب تفطم النفس عن الأشر، وتبعد عن الترف، ووراء الترف الظلم فيكون الاستماع للبشير النذير قال تعالى : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ٣٤ [ سبأ ].
وإن الرضا بقدر الله تعالى فيما ينزل من نوازل يجعل النفس في اطمئنان من الجزع والهلع، وبعد عن السخط والغضب.
وأخيرا إن المصائب تصقل النفوس، وتربي فيها قوة الاحتمال إن صبرت وفوضت، ورجت الثواب والفرج من الله تعالى، وفيها يكثر الدعاء لله تعالى، والدعاء مع العبادة، ولقد قال تعالى : ادعوني أستجب لكم... ٦٠ [ غافر ] وكان بعض الصالحين إذا ألم به مرض أو وصب دعا ربه أن يجعله يحس بنعمة المرض والسقم، إذ إنه يقربه من ربه فلا يطغى ولا يستغني بنفسه عن ربه.
٢ رواه بهذا اللفظ مسلم: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة ١٥٢٥، وبنحوه عند أحمد ٢٥٤١٧ في مسنده عن أم المؤمنين أم سلمة –رضي الله عنها-. كما رواه الترمذي، وابن ماجه، والنسائي، ومالك، والدارمي..
زهرة التفاسير
أبو زهرة