قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إلى قوله تعالى : وأولئك هم المهتدون . رُوي عن عطاء والربيع وأنس بن مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة.
ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة الله تعالى فقال : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة يعني الثناء الجميل والبركات والرحمة وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله تعالى، كقوله في آية أخرى : إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : ١٠ ].
وقد تضمنت الآيةُ مَدْحَ الصابرين على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على الوجوه التي ذكر، والوعد بالثواب والثناء الجميل والنفع العظيم لهم في الدنيا والدين ؛ فأما في الدنيا فما يحصل له به من الثناء الجميل والمحل الجليل في نفوس المؤمنين ؛ لائتماره لأمر الله تعالى، ولأن في الفكر في ذلك تسلية عن الهمّ ونفي الجزع الذي ربما أدّى إلى ضرر في النفس وإلى إتلافها في حال ما يعقبه ذلك في الدنيا من محمود العاقبة، وأما في الآخرة فهو الثواب الجزيل الذي لا يعلم مقداره إلا الله.
قال أبو بكر : وقد اشتملت هذه الآية على حكمين : فرض، ونفل، فأما الفرض فهو التسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله والصبر على أداء فرائضه لا يثنيه عنها مصائب الدنيا ولا شدائدها. وأما النفلُ فإظهار القول ب إنا لله وإنا إليه راجعون فإن في إظهاره فوائد جزيلة، منها فعل ما ندب الله إليه ووعده الثواب عليه، ومنها أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار، وعلمهم بجدّه واجتهاده في دين الله تعالى والثبات على طاعته ومجاهدة أعدائه. ويُحكى عن داود الطائي قال :" الزاهد في الدنيا لا يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله، ولا ينبغي للمسلم أن يحزن للمصيبة لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثواباً " والله تعالى أعلم بالصواب.
أحكام القرآن
الجصاص