فيه جميع انواع الذكر واقسامه انتهى كلام الامام قال لقمان لابنه يا بنى إذا رأيت قوما يذكرون الله تعالى فاجلس معهم فانك ان تك عالما ينفعك علمك وان تك جاهلا علموك ولعل الله يطلع عليهم برحمته فيصيبك معهم وإذا رأيت قوما لا يذكرون فلا تجلس معهم فانك ان تك عالما لا ينفعك علمك وان تك جاهلا يزيدوك جهلا أو غيا ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم اللهم اجعلنا من الذاكرين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا فى كل ما تأتون وما تذرون بِالصَّبْرِ على الأمور الشاقة على النفس كالصبر عن المعاصي وحظوظ النفس وَالصَّلاةِ التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ومثاب رب العالمين- روى- انه صلّى الله تعالى عليه وسلم كان إذا حزبه امر فزع الى الصلاة وتلاهده الآية وانما خص الصبر والصلاة بالذكر لان الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليه لانها مجمع انواع الطاعات من الأركان والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما لا يتيسر حفظه الا بتوفيق الله تعالى قال عصام الدين قدم الترك على الفعل لان التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفي في كلمة التوحيد واكتفى بذكر الصلاة لان الخطاب لكل من المؤمنين والمشترك بين الجميع بعد الايمان الصبر عن المعاصي والصلاة واما الزكاة فمختصة باصحاب النصاب واما الحج فباصحاب الاستطاعة والصوم صبر عن معصية الاكل والشرب وغيرهما إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة واجابة الدعوة فمعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة لهما ودخول مع على الصابرين لما انهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية قال عصام الدين في التفسير الاجل ان الله مع الصابرين لان الصابرين لا يذهلون عن ذكره بخلاف المجتنبين عن الصبر فان قلوبهم لاهية عن ذكر الله والقلب اللاهي عنه ممتلئ من هموم الدنيا وان كانت الدنيا بأسر هاله انتهى كلامه ان قيل لم قال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يقل مع المصلين وقال في الآية الاخرى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ فاعتبر الصلاة دون الصبر قيل لما كان فعل الصلاة اشرف وأعلى من الصبر إذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر هاهنا الصابرين فمعلوم انه تعالى إذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الاولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على انها اشرف منزلة من الصبر واعلم ان الصبر الذي هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة الى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فان أول التوبة الصبر عن المعاصي وأول الزهد الصبر عن المباحات وأول الارادة الصبر وطلب ترك ما سوى الله تعالى ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد) وقال (الصبر خير كله) فمن تحلى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعات والاجتناب عن المنكرات وكذا الصلاة قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
| صبر كن حافظ بسختى روز وشب | عاقبت روزى بيابى كام را |
عن كلام لا يليق. ومنها انها تسلى قلب المصاب وتقلل حزنه. ومنها انها تقطع طمع الشيطان فى ان يوافقه في كلام لا يليق. ومنها انه إذا سمعه غيره اقتدى به. ومنها انه إذا قال ذلك بلسانه يتذكر بقلبه الاعتقاد الحسن والتسليم لقضاء الله وقدره فان المصاب يدهش عند المصيبة فيحتاج الى ما يذكر له التسليم المذكور وفي الحديث (ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى من مصيبتى وأخلف لى خيرا منها الا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها) قال سعيد بن جبير ما اعطى أحد في المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو أعطيه أحد لاعطى يعقوب ألا تسمع الى قوله في قصة فقد يوسف يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بان يتصور ما خلق لاجله وهو الانقياد لله تعالى فى جميع ما كلفه به من التكاليف والتسليم لقضاء الله وقدره في جميع ما اخذه وأعطاه فان من اختص لله تعالى ملكا وملكا كيف ينازعه في ملكه ولا يرضى بقضائه وملاحظة ان ما في عالم الملك كله لله تعالى يذكر نعم الله وتذكرها يستلزم العلم بان ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه والمبشر به محذوف دل عليه قوله تعالى أُولئِكَ اى الصابرون الموصوفون بما ذكر عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ كائنة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ اى رحمة ووجه الجمع في الصلوات الدلالة على الكثرة والتكرير واستغنى بتنكير التعظيم في رحمة عن إيرادها بلفظ الجمع ويندرج في رحمته تعالى إيصال المسار ودفع المضار في الدنيا والآخرة وجمع بين الصلاة والرحمة للايذان بان رحمته غير منقطعة فالمعنى عليهم فنون الرحمة المتوالية الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم الى كمالاتهم اللائقة بهم قال بعضهم الصلاة من الله المدح والثناء والتعظيم والرحمة اللطف والإحسان فلا تكرار وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى وعن ابن مسعود رضى الله عنه لان أخر من السماء أحب الى من ان أقول في شىء قضاه الله ليته لم يكن وقال على رضى الله عنه من ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط اجره اى بطل ثوابه قيل المكاره التي تصيب الإنسان إذا أصابته من قبل الله تعالى يجب الصبر عليها لان ما جاء من جهة العدل الحكيم ليس الا مقتضى عدله وحكمته فيجب عليه ان يرضى لعلمه بانه تعالى لا يقضى الا بالحق وان أصابته من جهة الظلمة فلا يجب عليه ان يصبر عليها بل جاز له ان يمانعه بل يحاربه وان قتل بمحاربته يكون شهيدا واعلم ان البلاء سبب للتصفية كما قال عليه السلام (ما أوذي نبى مثل ما أوذيت) اى ما صفى نبى مثل ما صفيت والوفاء والجفاء سيان عند العشاق كما قال
| صائب شكايت از ستم يار چون كند | هر جا كه عشوه هست وفا وجفا يكيست |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء