ويجزي كل إنسان بما عمل، فهو الذي تجب مراقبته في السرّ والعلن، وهو الذي يجب أن يخشاه المسلم في الظاهر والباطن.
وإن تقديم المال رشوة إلى الحكام، تضييع للأموال وإهدار لها وإتلاف.
فلا يصح لمؤمن أن يصانع بأمواله الحكام ويرشوهم ليقضوا له على أكثر من حقه أو غير حقه.
واتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم «مال» قل أو كثر: أنه يفسّق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه.
التوقيت بالشهر القمري وحقيقة البر
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
الإعراب:
هِيَ مَواقِيتُ مبتدأ وخبر. الْبِرُّ اسم لَيْسَ مرفوع، وجملة: بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ خبرها. وَلكِنَّ الْبِرَّ اسم لكِنَّ منصوب، وخبرها محذوف وتقديره: برّ من اتقى.
البلاغة:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ هذا يسمى في البلاغة «الأسلوب الحكيم» فقد سألوا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن الهلال، لم يبدو صغيرا ثم يزداد حتى يتكامل نوره؟
فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة، فهي الأولى بالسؤال عنها. إذ من المعلوم أن كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا عن حكمة بالغة ومصلحة لعبادة، فدعوا السؤال عن أشكال القمر نقصا وتماما، وانظروا في أمر ليس من البر، وأنتم تحسبونه برّا.
المفردات اللغوية:
الْأَهِلَّةِ جمع هلال، وهو القمر، لم يبدو دقيقا في ليلتين أو ثلاث من أول كل شهر، ثم يزيد حتى يمتلئ نورا، ثم يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس. مَواقِيتُ جمع ميقات، وهو ما يعرف به الوقت أي الزمن المقدر المعين. فبالأهلة يعرف الناس أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم، وأوقات صلواتهم، وزمان الحج، فيعلم بالأهلة وقته أيضا، وهو من عطف الخاص على العام. وإنما سمي هلالا، لظهوره بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج، لظهور الصوت بالتلبية، أو لأن الناس عند ظهور الهلال يرفعون أصواتهم بذكره عند رؤيته. ويسمى هلالا لليلتين أو لثلاث من الشهر، ثم يسمى قمرا.
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها في الإحرام، بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون، وتتركوا باب البيت، وكانوا يفعلون ذلك، ويزعمونه برّا. وَلكِنَّ الْبِرَّ ذا البر. مَنِ اتَّقى الله بترك مخالفته، والبر: التقوى. وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في الإحرام كغيره. تُفْلِحُونَ تفوزون.
سبب النزول:
قال ابن عباس: إن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم «١» - وكانا من الأنصار- قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ويعظم، ثم لا يزال ينقص ويدقّ، حتى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية. ويروى أيضا أن اليهود سألت عن الأهلة.
وقال البراء في سبب نزول: وَلَيْسَ الْبِرُّ..: كانت الأنصار إذا حجّوا، فجاءوا، لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل، فدخل من قبل الباب، فكأنه عيّر بذلك، فنزلت هذه الآية. رواه البخاري ومسلم.
وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطا (بستانا) ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته، منه يدخل ومنه يخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر، خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب، حتى يحلّ من إحرامه، ويرون ذلك ذمّا، إلا أن يكون من الحمس «١» : وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضير بن معاوية، سمّوا حمسا لشدتهم في دينهم.
قالوا: فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار وهو قطبة بن عامر الأنصاري على إثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لم دخلت من الباب وأنت محرم؟» فقال:
رأيتك دخلت من الباب، فدخلت على إثرك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني أحمسيّ»، قال الرجل: إن كنت أحمسيّا فإني أحمسيّ، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم والحاكم عن جابر،
وهذا القول هو أصح الأقوال.
المناسبة:
هذه الآية تكملة لأحكام الصيام، لأن الصوم والإفطار مقرونان برؤية الهلال، كما
جاء في الحديث الثابت: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «٢».
ولم يذكر في الآية تحديد المسؤول عنه في الأهلة، أهي حقائقها أم أحوالها؟
لكن الجواب ووروده بقوله تعالى: قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ مشعر بأن السؤال عن الحكمة في تغيرها، وأيده الخبر في سبب النزول.
(٢) البحر المحيط: ٢/ ٦١
التفسير والبيان:
يسألونك يا محمد عن سبب اختلاف حجم الأهلة نقصا وإتماما، وهذا لا فائدة بالسؤال عنه، لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يبعث معلما لعلوم الفلك وأحوال النجوم، وإنما الأولى أن يوجه السؤال عن الحكمة أو الغاية من الأهلة، فأجبهم عن ذلك، بأن الأهلة معالم للتوقيت والحساب في شؤون الزراعة والتجارة وآجال العقود والديون، ومعالم أيضا لتوقيت العبادات من صوم وإفطار وصلاة وحج وعدة وغير ذلك.
والتوقيت بالشهر القمري والسنة القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب.
والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم:
الميقات: منتهى الوقت، كما في قوله تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف ٧/ ١٤٢]، والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: مواقيت، لأنها التي ينتهي عندها الحل.
ولما ذكر مواقيت الحج ذكر ما كان من أفعالهم فيه، لإبطال عادة الجاهلية:
وهي الامتناع بعد الإحرام بالحج أو بالعمرة من دخول البيوت من أبوابها، وإنما كانوا يدخلونها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، أو من نقب في ظهر البيت إذا كانوا من أهل المدر، زاعمين أنه من البرّ، فقيل لهم: ليس البرّ هذا، وليس بقربة إلى الله تعالى، وذلك خطأ، وإنما البرّ الحقيقي هو تقوى الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والتّحلي بالفضائل، والتّخلي عن المعاصي والرذائل، والخوف من الله ومن عقابه.
فأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله في كل شيء، رجاء أن تكونوا من المفلحين في أعمالكم، فالمتقي في رشاد، والعاصي في ضلال، كما قال الله تعالى:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق ٦٥/ ٤]، فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس ١٠/ ٣٢].
ويلاحظ أن أبا بكر الجصاص الرازي قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، لعموم اللفظ في سائر الأهلّة، أنها مواقيت للحجّ، ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج، فوجب أن يكون المراد الإحرام «١». وهو استدلال غير ظاهر، لأن الآية في بيان الحكمة في تغيير الأهلّة بالزيادة والنّقص:
وهي أن يوقّت الناس بها في معاملاتهم، وعباداتهم، وحجّهم، وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها. وجاءت السنّة القولية مبينة وقت الإحرام بالحج والعمرة، ودلّ قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ على أن وقت الحج شهران وبعض الثالث.
فقه الحياة أو الأحكام:
الإسلام دين الموضوعية والحياة والواقع النافع، فهو ينبذ الشكليات والمظاهر والأوضاع التي لا نفع فيها، ويوجه الناس إلى الاعتناء بما ينفعهم ويعود عليهم بالخير والمصلحة. لذا أبان الله تعالى في آية سابقة بمناسبة تحويل القبلة أن البرّ ليس هو بالاتجاه نحو المشارق والمغارب، وإنما البرّ هو الإحسان والتقوى والعمل الصالح.
ونبّه في هذه الآية إلى الحكمة من زيادة القمر ونقصانه، وهي الاستفادة من الهلال في ضبط الحساب وتوقيت الزمان ومعرفة الآجال والمعاملات والأيمان، والحج، وأنواع عدة المرأة (العدد)، والصوم والفطر، ومدّة الحمل، والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظير هذه الآية قوله تعالى:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً،
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء ١٧/ ١٢]، وقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس ١٠/ ٥]، وإحصاء الأهلّة شهريا أيسر من إحصاء الأيام. وسمّي الشهر شهرا، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويدلون عليه. ويؤيد الآيات أحاديث، منها ما
رواه عبد الرزاق والحاكم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «جعل الله الأهلّة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فعدوا ثلاثين يوما».
والعلم بالآجال أو المدد أمر مشروط في كل العقود كالإجارة والبيع بثمن إلى أجل معلوم، والسّلم والمساقاة والمزارعة ونحوها. وبهذا يرد على الظاهرية الذين قالوا: تجوز المساقاة إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غير توقيت.
ويجاب عنه: بأن هذا لا دليل فيه،
لأنه عليه الصلاة والسلام قال لليهود: «أقركم فيها ما أقركم الله»
، وهذه خصوصية له، لا يقاس عليه غيره، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه.
وأجاز الجمهور البيع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء ونحوه، لأن الأجل معروف، وتأخره يسيرا متسامح فيه، ولم يجز الشافعي ذلك للجهل بالأجل.
وقد أفرد الله الحج بالذكر، لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز فيه التأجيل أو النسيء عن وقته، بخلاف ما كان عليه العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدّل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم.
واستدل مالك وأبو حنيفة رحمهما الله بهذه الآية على أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج، لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصحّ أن يحرم
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي