ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

أما قوله : واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم فإنه أمر بقتل المشركين إذا ظفرنا بهم، وهي عامة في قتال سائر المشركين ؛ من قَاتَلَنا منهم ومن لم يقاتلنا ؛ بعد أن يكونوا من أهل القتال، لأنه لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعن قَتْل أهل الصوامع. فإن كان المراد بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم الأمر بقتال من قاتلنا ممن هو من أهل القتال دون من كفّ عنا منهم، وكان قوله : ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين نهيٌ عن قتال من لم يقاتلنا، فهي لا محالة منسوخة بقوله : واقتلوهم حيث ثقفتموهم لإيجابه قتل من حظر قتله في الآية الأولى بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إذ كان الاعتداء في هذا الموضع هو قتال من لم يقاتل.
وقوله : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم يعني والله أعلم : من مكة إن أمكنكم ذلك، لأنهم قد كانوا آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج فكانوا مخرجين لهم، وقد قال الله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [ الأنفال : ٣٠ ] فأمرهم الله تعالى عند فَرْضِهِ القتال بإخراجهم إذا تمكنوا من ذلك، إذ كانوا مَنْهِيِّين عن القتال فيها إلا أن يقاتلوهم، فيكون قوله : واقتلوهم حيث ثقفتموهم عامّاً في سائر المشركين إلا فيمن كان بمكة، فإنهم أُمِرُوا بإخراجهم منها إلا لمن قاتلهم، فإنه أمر بقتالهم حينئذ ؛ والدليل على ذلك قوله في نسق التلاوة : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فثبت أن قوله : واقتلوهم حيث ثقفتموهم فيمن كان بغير مكة.
وقوله : والفتنة أشد من القتل رُوي عن جماعة من السلف أن المراد بالفتنة هاهُنا الكفر، وقيل إنهم كانوا يفتنون المؤمنين بالتعذيب ويكرهونهم على الكفر، ثم عَيَّروا المؤمنين بأن قَتَلَ واقد بن عبدالله وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عَمْرو بن الحضرمي وكان مشركاً في الشهر الحرام، وقالوا : قد استحلّ محمد القتال في الشهر الحرام ؛ فأنزل الله : والفتنة أشدّ من القتل يعني كفرهم وتعذيبهم المؤمنين في البلد الحرام وفي الشهر الحرام ؛ أشدّ وأعظم مأثماً من القتل في الشهر الحرام.
وأما قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن المراد بقوله : حتى يقاتلوكم فيه حتى يقتلوا بعضكم، كقوله : ولا تلمزوا أنفسكم [ الحجرات : ١١ ] يعني بعضكم بعضاً، إذ غير جائز أن يأمر بقتلهم بعد أن يقتلوهم كلهم. وقد أفادت الآية حظر القتل بمكة لمن لم يقتل فيها، فيُحتجّ بها في حظر قتل المشرك الحربي إذا لجأ إليها ولم يقاتل. ويُحتج أيضاً بعمومها فيمن قتل ولجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل، لأن الآية لم تفرّق بين من قتل وبين من لم يقتل في حَظْر قتل الجميع، فلزم بمضمون الآية أن لا نقتل من وجدنا في الحرم، سواء كان قاتلاً أو غير قاتل إلاّ أن يكون قد قَتَل في الحرم، فحينئذ يقتل بقوله : فإن قاتلوكم فاقتلوهم .
فإن قيل : هو منسوخ بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله قيل له : إذا أمكن استعمالهما لم يثبت النسخ، لا سيما مع اختلاف الناس في نسخه، فيكون قوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة في غير الحَرَمِ. ونظيره في حَظْرِ قتل من لجأ إلى الحرم وإن كان جانياً، قوله : ومن دخله كان آمناً [ آل عمران : ٩٧ ] وقد تضمن ذلك أمناً من خوف القتل، فدلّ على أن المراد : من دخله وقد استحقّ القتل أنه يأمن بدخوله. وكذلك قوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً [ البقرة : ١٢٥ ] كلّ ذلك دالٌ على أن اللاجىء إلى الحرم ؛ المستحق للقتل ؛ يأمن به ويزول عنه القتل بمصيره إليه. ومع ذلك فإن قوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله إذا كان نازلاً مع أول الخطاب عند قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام فغير جائز أن يكون ناسخاً له، لأن النسخ لا يصحّ إلا بعد التمكّن من الفعل، وغيرُ جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد. وإذا كان الجميع مذكوراً في خطاب واحد على ما يقتضيه نسق التلاوة ونظام التنزيل، فغير جائز لأحد إثباتُ تاريخ الآيتين وتراخي نزول إحداهما عن الأخرى إلا بالنقل الصحيح، ولا يمكن أحد دعوى نقل صحيح في ذلك ؛ وإنما رُوي ذلك عن الربيع بن أنس فقال : هو منسوخ بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وقال قتادة : هو منسوخ بقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ] وجائز أن يكون ذلك تأويلاً منه ورأياً، لأن قوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة : ٥ ] لا محالة نزل بعد سورة البقرة لا يختلف أهل النقل في ذلك، وليس فيه مع ذلك دلالة على النسخ لإمكان استعمالهما بأن يكون قوله : فاقتلوا المشركين [ التوبة : ٥ ] مرتباً على قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام فيصير قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلاّ عند المسجد الحرام، إلا أن يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم. ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس وأبي شريح الخزاعي وأبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال :" أيُّها النّاسُ إنّ الله تَعَالَى حَرَّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّماواتِ والأرْضَ لم تَحِلُّ لأحدٍ قَبْلي ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدي، وإنّما أُحِلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثمَّ عَادَتْ حَرَاماً إلى يَوْمِ القِيَامَةِ " وفي بعض الأخبار :" فإنْ تَرخَّصَ مَتَرَخِّصٌ بِقِتَالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإنما أُحِلّت لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ " فثبت بذلك حظر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا. وقد روى عبدالله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي هذا الحديث، وقال فيه :" وإنّما أُحِلَّ لي القِتَالُ بها سَاعَةً مِنْ نِهَارٍ ". ويدلّ عليه أيضاً ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يومئذٍ حين قَتَلَ رجل من خزاعة رجلاً من هذيل، ثم قال :" إنّ أعتَى النّاسِ على الله ثَلاثةٌ : رَجلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ بذَحْلِ الجَاهِلِيّةِ " وهذا يدلّ على تحريم القتل في الحرم لمن لم يَجْنِ فيه من وجهين، أحدهما : عموم الذمّ للقاتل في الحرم، والثاني : قد ذكر معه قتل من لم يستحقّ القتل، فثبت أن المراد قتلُ مَن استحق القتل فلجأ، وأن ذلك إخبارٌ منه بأن الحرم يحظر قتل من لجأ إليه.
وهذه الآي التي تَلَوْناها في حَظْرِ قتل من لجأ إلى الحرم ؛ فإنّ دلالتها مقصورةٌ على حظر القتل فحسب، ولا دلالة فيها على حكم ما دون النفس، لأن قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام مقصورٌ على حُكْمِ القتل ؛ وكذلك قوله : ومن دخله كان آمناً [ آل عمران : ٩٧ ] وقوله : مثابة للناس وأمناً [ البقرة : ١٢٥ ] ظاهره الأمن من القتل، وإنما يدخل ما سواه فيه بدلالةٍ لأن قوله : ومن دخله [ آل عمران : ٩٧ ] اسم للإنسان، وقوله : كان آمناً [ آل عمران : ٩٧ ] راجعٌ إليه، فالذي اقتضت الآية أمانه هو الإنسان لا أعضاؤه. ومع ذلك فإن كان اللفظ مقضياً للنفس فما دونها، فإنما خَصَصْنا ما دونها بدلالةٍ ؛ وحُكْمُ اللفظ باقٍ في النفس. ولا خلاف أيضاً أن من لجأ إلى الحرم وعليه دَيْن أنه يحبس به، وأن دخوله الحرم لا يعصمه من الحبس، كذلك كل ما لم يكن نفساً من الحقوق فإن الحرم لا يعصمه منه قياساً على الديون.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير