ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ ﭯﭰﭱﭲﭳﭴ ﲿ

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ فِي طَاعَتِهِ وَطَلَبِ رِضْوَانِهِ،
رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: هُوَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَلَا يُقَاتِلُ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً».
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ عَلَى وُجُوهٍ أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، الْمُرَادُ مِنْهُ: قَاتِلُوا الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ إِمَّا عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ عَنِ الْحَجِّ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْمُقَاتَلَةِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا الْوَجْهُ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَثَانِيهَا: قَاتِلُوا كُلَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ وَأَهْلِيَّةٌ عَلَى الْقِتَالِ وَثَالِثُهَا: قَاتَلُوا كُلَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ وَأَهْلِيَّةٌ كَذَلِكَ سِوَى مَنْ جَنَحَ لِلسَّلْمِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الْأَنْفَالِ: ٦١] وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إِلَى الظَّاهِرِ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ فَاعِلِينَ لِلْقِتَالِ، فَأَمَّا الْمُسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ وَالْمُتَأَهِّلُ لَهُ قَبْلَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُقَاتِلًا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ قِتَالَ الْمُقَاتِلِينَ، وَنَهَى عَنْ قِتَالِ غَيْرِ الْمُقَاتِلِينَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ثُمَّ بَعْدَهُ: وَلَا تَعْتَدُوا هَذَا الْقَدْرَ، وَلَا تُقَاتِلُوا مَنْ لَا يُقَاتِلُكُمْ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَانِعَةٌ مِنْ قِتَالِ غَيْرِ الْمُقَاتِلِينَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٩١] فَاقْتَضَى هَذَا حُصُولَ الْأَوَّلِ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِقِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا، لَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَا صَارَ مَنْسُوخًا.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا، فَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَعْتَدُوا فَهَذَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ سِوَى مَا ذكرتم، منها أن يكون المعنى: ولا تبدؤا فِي الْحَرَمِ بِقِتَالٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَلَا تَعْتَدُوا بِقِتَالِ مَنْ نُهِيتُمْ عَنْ قِتَالِهِ مِنَ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، أَوْ بِالْحِيلَةِ أَوْ بِالْمُفَاجَأَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ دَعْوَةٍ، أَوْ بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي، وَعَلَى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ لَا تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً.
فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنْ مَا السَّبَبُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَوَّلًا بِقِتَالِ مَنْ يُقَاتِلُ، ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ أَذِنَ فِي قِتَالِهِمْ سَوَاءً قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا.
قُلْنَا: لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَكَانَ الصَّلَاحُ اسْتِعْمَالَ الرِّفْقِ وَاللِّينِ وَالْمُجَامَلَةِ، فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَكَثُرَ الْجَمْعُ، وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى الشِّرْكِ، بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ وَتَكَرُّرِهَا/ عَلَيْهِمْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، فَلَا جَرَمَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قَالُوا: لَوْ كَانَ الِاعْتِدَاءُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِتَخْلِيقِهِ لَمَا صَحَّ هَذَا الكلام، وجوابه قد تقدم والله أعلم.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩١ الى ١٩٢]
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)

صفحة رقم 288

وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَخْذِ وَالْغَلَبَةِ وَمِنْهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الْأَخْذِ لِأَقْرَانِهِ، قَالَ:

فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي فَمَنْ أُثْقَفَ فَلَيْسَ إِلَى خُلُودٍ
ثُمَّ نَقُولُ قَوْلُهُ تعالى: اقْتُلُوهُمْ الْخِطَابُ فِيهِ وَاقِعٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ هَاجَرَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ بِهِ لَازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَالضَّمِيرُ فِي قوله: اقْتُلُوهُمْ عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَهُمُ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كَانُوا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجِهَادِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِشَرْطِ إِقْدَامِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ، وَفِي هَذِهِ زَادَ فِي التَّكْلِيفِ فَأَمَرَ بِالْجِهَادِ مَعَهُمْ سَوَاءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُقَاتَلَةَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٩٠] مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثُمَّ تِلْكَ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الْبَقَرَةِ: ١٩٣] وَهَذَا الْكَلَامُ ضَعِيفٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَدْ/ تَقَدَّمَ إِبْطَالُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَهَذَا مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ لَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: ١٩٣] فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَا نُسِخَ بَلْ هُوَ بَاقٍ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الْحَكِيمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ فَفِيهِ بَحْثَانِ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِخْرَاجَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَلَّفُوهُمُ الْخُرُوجَ قَهْرًا وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ بَالَغُوا فِي تَخْوِيفِهِمْ وَتَشْدِيدِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى الْخُرُوجِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ صِيغَةَ «حَيْثُ» تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَخْرِجُوهُمْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجُوكُمْ وَهُوَ مَكَّةُ وَالثَّانِي: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الْكُفَّارَ مِنْ مَكَّةَ إِنْ أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ إِنْ تَمَكَّنُوا مِنْهُ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ فِيمَا بَعْدُ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الْحَرَمِ. ثُمَّ أَجْلَاهُمْ أَيْضًا مِنَ الْمَدِينَةِ،
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْفِتْنَةِ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْكُفْرُ بِالْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ يُؤَدِّي إِلَى الظُّلْمِ وَالْهَرْجِ، وَفِيهِ الْفِتْنَةُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكُفْرَ أَعْظَمَ مِنَ الْقَتْلِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِهِ الْعِقَابَ الدَّائِمَ، وَالْقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْكُفْرُ يَخْرُجُ صَاحِبُهُ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَالْقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْكُفْرُ أَعْظَمَ مِنَ الْقَتْلِ،
وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فالمؤمنون عبوه عَلَى ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ،
فَكَانَ الْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَعْظِمُوا الْإِقْدَامَ عَلَى الْقَتْلِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ إِقْدَامَ الكفار على

صفحة رقم 289

الْكُفْرِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْفِتْنَةَ أَصْلُهَا عَرْضُ الذَّهَبِ عَلَى النَّارِ لِاسْتِخْلَاصِهِ مِنَ الْغِشِّ، ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِكُلِّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلِامْتِحَانِ تَشْبِيهًا بِهَذَا الْأَصْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ إِقْدَامَ الْكُفَّارِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى تَخْوِيفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى تَشْدِيدِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ صَارُوا مُلْجَئِينَ إِلَى تَرْكِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ هَرَبًا مِنْ إِضْلَالِهِمْ فِي الدِّينِ، وَتَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِمَّا يَخَافُونَ وَيَحْذَرُونَ، فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَلْ هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْلِيصَ مِنْ غُمُومِ الدُّنْيَا وَآفَاتِهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْقَتْلِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْكُمْ جَزَاءً غَيْرَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْفِتْنَةِ الْعَذَابَ الدَّائِمَ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، / فَكَأَنَّهُ قِيلَ: اقْتُلُوهُمْ مِنْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ كَقَوْلِهِ: وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ [التَّوْبَةِ: ٥٢] وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْعَذَابِ جَائِزٌ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذَّارِيَاتِ: ١٣] ثُمَّ قَالَ عَقِيبَهُ: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذَّارِيَاتِ: ١٤] أَيْ عَذَابَكُمْ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْبُرُوجِ: ١٠] أَيْ عَذَّبُوهُمْ، وَقَالَ: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٠] أَيْ عَذَابَهُمْ كَعَذَابِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِتْنَتَهُمْ إِيَّاكُمْ بِصَدِّكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَشَدَّ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي مَا خُلِقَتِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ إِلَّا لَهَا.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ ارْتِدَادَ الْمُؤْمِنِ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ مُحِقًّا وَالْمَعْنَى: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ قُتِلْتُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِكُمْ وَأَسْهَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكُمْ أَوْ تَتَكَاسَلُوا فِي طَاعَةِ رَبِّكُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ففيه مسائل:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا بَيَانٌ لِبَقَاءِ هَذَا الشَّرْطِ فِي قِتَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ خَاصَّةً، وَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلُ شَرْطًا فِي كُلِّ الْقِتَالِ وَفِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ كُلَّهُ بِغَيْرِ أَلْفٍ، وَالْبَاقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالْأَلْفِ، وَهُوَ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ كَذَلِكَ لِلْإِيجَازِ، كَمَا كُتِبَ: الرَّحْمَنُ بِغَيْرِ أَلْفٍ، وكذلك: صالح، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: الْقِرَاءَتَانِ الْمَشْهُورَتَانِ إِذَا لَمْ يَتَنَافَ الْعَمَلُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا، كَمَا يُعْمَلُ بِالْآيَتَيْنِ إِذَا لَمْ يَتَنَافَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَمَا يَقْتَضِيهِ هَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ الْمَشْهُورَتَانِ لَا تَنَافِيَ فِيهِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا مَا لَمْ يَقَعِ النَّسْخُ فِيهِ، يُرْوَى أَنَّ الْأَعْمَشَ قَالَ لِحَمْزَةَ: أَرَأَيْتَ قِرَاءَتَكَ إِذَا صَارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قَاتِلًا لِغَيْرِهِ؟ فَقَالَ حَمْزَةُ: إِنَّ الْعَرَبَ إِذَا قُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَالُوا قُتِلْنَا، وَإِذَا ضُرِبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَالُوا ضُرِبْنَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُلْتَجِئِ إِلَى الْحَرَمِ، وَقَالُوا: لَمَّا لَمْ يَجُزِ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِسَبَبِ جِنَايَةِ الْكُفْرِ فَلِأَنْ لَا يَجُوزَ الْقَتْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكُفْرِ كَانَ أَوْلَى، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ

صفحة رقم 290

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية