قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ١٩١ .
[ ٦٦ ] مسألة : في حكم قتال الكفار عند المسجد الحرام.
قال ابن حزم :
ولا يحل قتال أحد مشرك ولا غيره في حرم مكة، لكننا نخرجهم منه، فإن خرجوا وصاروا في الحل نفذنا عليهم ما يجب عليهم من قتل، أو أسر، أو عقوبة، فإن امتنعوا وقاتلونا قاتلناهم حينئذ في الحرم كما أمر الله تعالى وقاتلناهم فيه، وهكذا نفعل بكل باغ وظالم من المسلمين ولا فرق.
فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية١ ؟
قلنا : الذي قال هذا قال : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه وكلامه كله حق، وعهوده كلها فرض، ولا يحل ترك شيء من كلامه لشيء آخر إلا بنسخ متيقن فواجب علينا أن نستعمل مثل هذه النصوص ونجمعها، ونستثني الأقل منها من الأكثر، إذ لا يحل غير ذلك.
فنحن نقتل المشركين حيث وجدناهم إلا عند المسجد الحرام.
فنحن إذا فعلنا هذا كنا على يقين من أننا قد أطعنا الله تعالى في كل ما أمرنا به، ومن خالف هذا العمل فقد عصى الله تعالى في إحدى الآيتين ؟ وهذا لا يحل أصلا.
وكما قلنا فعل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فإنه لما ابتدأه الفساق بالقتال في حرم مكة : يزيد٢ وعمرو بن سعيد٣، والحصين بن نمير٤، والحجاج٥، ومن بعثه ومن كان معهم من جنود السلطان قاتلهم مدافعا لنفسه وأحسن في ذلك٦ وبالله تعالى التوفيق.
١ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري، نا البخاري، نا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة : " لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا بلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها قال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر٧ فإنه لقينهم ولبيوتهم ؟ قال : إلا الإذخر " ٨.
٢ ومن طريق مسلم بن الحجاج، نا زهير بن حرب، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عوف، نا أبو هريرة قال : لما فتح الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :
" إن الله تعالى حبس الفيل عن مكة وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنها حلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد " ٩، وذكر باقي الحديث بذكر الإذخر.
٣ وقد روينا من طريق مسلم نا قتيبة [ نا ] ١٠ ليث هو ابن سعد عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به : أنه حمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب " قيل لأبي شريح : ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا، [ ولا فارا بدم ] ١١ ولا فارا بخربة١٢.
قال ابن حزم : ولا كرامة للطيم الشيطان شرطي الفاسق يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمعه ذلك الصاحب رضي الله عنه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا لله وإنا إليه راجعون، على عظيم المصاب في الإسلام ثم على تضاعف المصيبة ممن شاهده يحتج في هذه القصة بعينها بقول الفاسق عمرو بن سعيد معارضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتكلم في دين الله تعالى، ويغر الضعفاء بأنه عالم، وما العاصي لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم إلا الفاسق عمرو بن سعيد، ومن ولاه وقلده، وما حامل الخربة في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن أمره وأيده وصوب قوله ؟.
قال ابن حزم : فهذا نقل تواتر ثلاثة من الصحابة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة وابن عباس، وأبو شريح، كلهم يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن مكة حرمها الله تعالى " فبيقين ندري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم مكة خصوصا القتال المحرم بالظلم، لأنه محرم في كل مكان في الأرض، لكنه عليه الصلاة والسلام نص على أنه إنما حرم القتال المأمور به في غيرها، لأنه عليه الصلاة والسلام المقاتل في مكة، ولا قتل إلا بحق، ونهى عن ذلك القتال بعينه غيره، وحرم أن يحتج به في مثله، وقطع الأيدي فيه سفك دم، والقصاص كذلك، فلا يحل فيها ألبتة، وبالله تعالى التوفيق١٣.
٢ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو خالد، ولد في خلافة عثمان وعهد إليه أبوه بالخلافة فبويع سنة ستين وأبي البيعة عبد الله بن الزبير ولاذ بمكة، خرج أهل المدينة على يزيد وخلعوه في سنة ثلاث وستين فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، وأمره أن يستبيح المدينة ثلاث أيام وأن يبايعهم على أنهم خول وعبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نهض إلى مكة لحرب ابن الزبير، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة وقتل بها خلقا من الصحابة، وأبنائهم، وخيار التابعين. وأفحش القضية إلى الغاية، ثم توجه إلى مكة فأخذه الله تعالى قبل وصوله، واستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني فحاصروا بن الزبير ونصبوا على الكعبة المنجنيق فأدى ذلك إلى وهي أركانها ووهي بنائها ثم أحرقت، وفي أثناء أفعالهم القبيحة فجأهم الخبر بهلاك يزيد بن معاوية فرجعوا وكفى الله المؤمنين القتال وكان هلاكه سنة ٦٤ هـ سير أعلام النبلاء (٣٥/٤) تهذيب التهذيب (٣١٦/١١).
٣ هو عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أبو أمية المدني المعروف بالأشدق، يقال: إن له رؤية، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ولي المدينة لمعاوية وليزيد بن معاوية ثم طلب الخلافة وغلب على دمشق ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أعطاه الأمان سنة ٦٩ هـ وكان عمرو بن سعيد واليا على المدينة زمن يزيد بن معاوية وهو الذي كان يجهز الجيوش إلى قتال ابن الزبير فقام إليه أبو شريح الخزاعي فحدثه بأن مكة حرام فأجابه عمرو بأن الحرم لا يعيذ عاصيا. تهذيب التهذيب (٣٣/٨) البداية والنهاية (٣١٤/٨).
٤ هو حصين بن نمير الكندي ثم السكوني الحمصي، قال ابن حجر: كان أحد أمراء يزيد بن معاوية في وقعة الحرة وكان الأمر إلى مسلم بن عقبة المزني فلما ظعن عن المدنية أخذه الله فاستخلف على الجيش حصينا هذا فحاصر ابن الزبير ورموا البيت بالمنجنيق ولم يلبثوا أن أخذ الله يزيد بن معاوية فجاءهم الخبر بموته فأخذ حصين الأمان من ابن الزبير ودخلوا الحرم ثم رحلوا إلى الشام. تهذيب التهذيب (٣٣٨/٢).
٥ هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي الأمير الشهير، كان أبوه من شيعة بني أمية، وحضر مع مروان حروبه ونشأ ابنه مؤدب كتاب ثم لحق بعبد الملك بن مروان وحضر معه قتل مصعب بن الزبير ثم انتدب لقتال عبد الله بن الزبير بمكة فجهزه أميرا على الجيش فحاصر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق إلى أن قتل ابن الزبير، كان فصيحا بليغا فقيها، وكان يزعم أن طاعة الخليفة فرض على الناس في كل ما يرويه ويجادل على ذلك، قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم وقالت له أسماء بنت أبي بكر: أنت المبير الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم مات الحجاج سنة ٩٥ هـ
سير أعلام النبلاء (٣٤٣/٤) تهذيب التهذيب (١٨٤/٢).
٦ انظر: البداية والنهاية (٣٣٤/ ٨ـ ٣٣٧).
٧ الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب. انظر النهاية في غريب الحديث (١/٣٦).
٨ رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في كتاب الحج باب لا يحل القتال بمكة، حديث (١٨٣٤) ومسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها حديث (١٣٥٣).
٩ رجال الإسناد:
ـ الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، روى له الجماعة، مات آخر ١٩٤ أو أول سنة ١٩٥ هـ التقريب (٣٤٢/٢)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم ـ باختلاف يسير في الألفاظ ـ في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، حديث (١٣٥٥) والبخاري في كتاب اللقطة باب كيف تعرف لقطة أهل مكة حديث (٢٤٣٤).
١٠ في الأصل [ابن] والصواب ما أثبته كما هو عند مسلم..
١١ هذه الزيادة أثبتها من مسلم، وليست في الأصل.
١٢ رجال الإسناد:
ـ أبو شريح الخزاعي الكعبي، اسمه خويلد بن عمرو، أو عكسه وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانئ وقيل كعب، صحابي نزل المدينة روى له الجماعة، مات سنة ٦٨ على الصحيح التقريب (٤٣٠/٢)
ـ وبقية رجال الإسناد تقدموا.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، حديث (١٣٥٤) والبخاري في كتاب العلم باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب حديث (١٠٤).
١٣ المحلى (١٤٨/١١ـ ١٥١).
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري