ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم
تفسير المفردات :
والتثقف : الحذق في إدراك الشيء علما كان أو عملا، وقد يستعمل في مطلق الإدراك، من حيث أخرجوكم : أي من مكة، والفتنة من قولهم فتن الصائغ الذهب إذا أذابه في النار ليستخرج منه الزغل، ثم استعملت في كل اختبار شاق كالإخراج من الوطن المحبب من الطباع السليمة والفتنة في الدين، ويكون الدين لله ؛ أي ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج إلى مداهنة ومحاباة، أو استخفاء ومداراة.
المعنى ا لاجمالي :
بعد أن ذكر في الآية السابقة أن الأهلة مواقيت للناس في عبادتهم ومعاملاتهم ولا سيما الحج، فهو يكون في أشهر هلالية خاصة كان القتال فيها محرما في الجاهلية ؛ بين هنا أنه لا حرج عليكم في القتال في هذه الأشهر دفاعا عن دينكم، وتربية لمن يفتنكم عنه، وينكث العهد لحظوظ النفس وشهواتها وحب سفك الدماء.
وقد روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية ؛ ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صد عن البيت، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه القابل، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله الآية
الإيضاح :
أي إذا نشب القتال بينكم وبينهم فاقتلوهم أينما أدركتموهم، ولا يصدنكم عنهم وجودكم في أرض الحرم.
وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة، فإن المشركين أخرجوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم، وبعدئذ صدوهم عن دخولها للعبادة، فرضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون على شرط ألا يعارضوهم في دخولها العام القابل لأداء النسك والإقامة بها ثلاثة أيام ثم نقضوا العهد فكان من فضل الله ورحمته بالمؤمنين أن قوى أمرهم وأذن لهم أن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الحانثين في عهودهم.
ثم ذكر العلة في الإذن بقتالهم فقال :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي إن فتنتهم إياكم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب والإخراج من الوطن ومصادرة المال أشد قبحا، من القتل فيه، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
ثم استثنى من الأمر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال :
وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ أي إن من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته، فلا أمان له حينئذ.
ولما كان القتل في المسجد الحرام أمرا عظيما يتحرج منه، أكد الإذن فيه بشرطه السابق فقال :
فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم.
كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ أي إنه قد جرت سنة الله بأن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء، ويعذبهم مثل ذلك العذاب ؛ لأنهم قد تعرضوا له بتعديهم الحدود التي شرعها، فهم الظالمون لأنفسهم، قد بدءوا بالعدوان، فيلقون جزاء ما صنعوا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير