[ ١ ] حيث ثقفتموهم : الثقف في اللغة : الحذق والإصابة. والكلمة هنا بمعنى حيث وجدتموهم أو أصبتموهم وقدرتم عليهم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩٠: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ١٩٠ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ ١ ] وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ١٩١ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١٩٢ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ١٩٣ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ [ ٢ ] قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ١٩٤ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٩٥ .
في الآيات :
١- أمر للمسلمين بمقاتلة الذين يقاتلونهم في سبيل الله.
٢- ونهي عن العدوان بدءاً وتجاوز الحد في القتال فإن الله لا يحب المعتدين.
٣- وتحريض لهم على قتال الذين يقاتلونهم في أي زمن ومكان أصابوهم ووجدوهم وإخراجهم من ديارهم كما أخرجوهم.
٤- وتنبيه إلى أن الفتنة هي أشد من القتل. وينطوي في هذه الجملة تقرير كونها مما يبيح قتال الذين يقترفون الفتنة.
٥- ونهي عن قتالهم في منطقة المسجد الحرام إلا إذا قاتلوهم فيها فيكون قتالهم فيها جزاء استحقه الكافرون ؛ حيث يكونون هم البادئون في خرق حرمة المنطقة المحرمة.
٦- وأمر للمسلمين بالتوقف عن قتال الكفار إذا هم انتهوا فإن الله غفور لمن تاب وارتدع ورحيم شامل الرحمة.
٧- وأمر آخر لهم بقتال الكفار حتى لا تبقى فتنة ويكون الدين لله.
٨- وإيجاب الانتهاء من القتال إذا ما انتهى الكفار عن موقفهم.
٩- ونهي عن استئناف القتال من جانبهم إلا ضدّ المعتدي الظالم.
١٠- وإذن لهم بمقابلة العدوان بمثله، فإذا اعتدي عليهم في الشهر الحرام أو في المنطقة الحرام فلهم أن يقابلوا العدوان بمثله وفي مكانه وزمانه وهذا معنى جملة وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ وعليهم في هذه الحال أيضاً أن يتقوا الله فلا يتجاوزوا الحدود فإن الله مع الذين يتقونه ويراقبونه في أعمالهم.
١١- وأمر لهم بالإنفاق في سبيل الله والاستعداد للعدو والإحسان والإتقان في كلا الأمرين ؛ لأن في التقصير فيهما تعريضاً لأنفسهم للهلاك، وتقرير بأن الله يحب المحسنين ويؤيدهم.
تعليقات على الآية
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وما بعدها إلى آخر الآية [ ١٩٥ ]
والآيات فصل جديد، وسمة التشريع بارزة عليها. ووضعها في ترتيبها إما بسبب نزولها بعد سابقتها أو للمماثلة التشريعية.
ولقد روى المفسرون روايات عديدة في صدد هذه الآيات ونزولها. منها أن الآية الأولى هي أولى آية نزلت في القتال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أمروا بها بقتال من يقاتلهم والكفّ عمن يكفّ عنهم فالتزموا بذلك في بدء عهدهم حتى نسخ الله ذلك في آيات سورة براءة. ومنها أنها نزلت حين اعتزم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون زيارة الكعبة في السنة الهجرية السادسة ومنعهم المشركون فأمرهم الله فيها بقتال من يقاتلهم. وأن الآية الثالثة نزلت في مناسبة قتل مسلم لرجل كافر في الشهر الحرام وعيب الكفار ذلك، فتضمنت تبريراً حيث قالت : إن الكفار يفتنون المؤمنين في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام وهذا أشد خرقاً للحرمة من القتل والقتال فيهما. ومنها أن الآية الرابعة نزلت حينما اعتزم النبي صلى الله عليه وسلم زيارة الكعبة مع المؤمنين في السنة السابعة من الهجرة بناء على شروط صلح الحديبية الذي انعقد بينهم وبين مشركي قريش في السنة السادسة. وقد كان منعهم في هذه السنة في شهر ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم فأتاح الله لهم أن يزوروا الكعبة في السنة التالية في شهر ذي القعدة فكان ذلك قصاصاً لهم.
وليس شيء من هذه الروايات وارداً في كتب الصحاح. والروايات تقتضي أن تكون الآيات نزلت متفرقة مع أنها وحدة منسجمة وسياقها وأسلوبها وانسجامها لا يساعد على الأخذ بأية رواية من هذه الروايات. وحادث صلح الحديبية وزيارة الكعبة في السنة التالية له كانا في السنتين السادسة والسابعة للهجرة. ونرجح بناء على فحوى وأسلوب الآيات أنها نزلت في وقت مبكر من العهد المدني ليكون للمسلمين فيها خطة جهادية حربية. والذي يتبادر لنا أن بين هذه الآيات والآية السابقة لها والآيات اللاحقة بها المتصلة بتقاليد الحج مناسبة ما حيث احتوت بيانات متصلة بهذه التقاليد التي منها حرمة الأشهر الحرم وحرمة منطقة المسجد الحرام، فمن المحتمل أن يكون بعض المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال في الأشهر الحرم وفي المسجد الحرام كما سألوه عن الأهلة ودخول البيوت من ظهورها فاحتوت الآيات جواباً على ذلك. وقد يكون من القرائن الداعمة لهذا مجيء هذه الآيات بين آيات متصلة بتقاليد الحج.
ومهما يكن من أمر فإن فحوى الآيات وروحها يلهمان أنها أولى الآيات في أمر المسلمين بالقتال في سبيل الله ودينه. وقد احتوت قواعد تشريعية خطيرة في هذا الباب غدت روح المبادئ الجهادية الإسلامية وضابطها وهي :
١- واجب المسلمين في قتال الذين يقاتلونهم وحسب.
٢- عدم جواز بدئهم أحداً غير عدو وغير معتدٍ بقتال.
٣- واجب كفّهم عن القتال حال ما ينتهي العدو عن موقفه العدائي العدواني.
٤- حقهم في مقابلة العدو بالمثل دون قيد أوشرط، ودون أي مانع من أي تقليد واعتبار مع عدم التجاوز عن المثل.
٥- واجب الاتفاق والاستعداد للعدو بكل قوة وانتباه حيث يمكن أن يكون ذلك مانعاً للاشتباك الفعلي، وحيث يكون التقصير في ذلك معرضاً للتهلكة والخطر.
٦- اعتبار فتنة الكفار للمسلمين عن دينهم وأذيتهم وتعطيل الدعوة الإسلامية وحريتها سبباً مبرراً لقتال كل من يقف مثل هذه المواقف حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
وإنها لمبادئ في غاية الحق والعدل والاتساق مع طبائع الأمور تظل بها الشريعة الإسلامية متلألئة الغرة أبد الدهر ومترشحة للخلود. وفيها ردّ على كل من حاول أو يحاول أن يلصق بها ما هي براء منه في صدد الجهاد من مثل الإكراه في الدين والقتال بدءاً أو عدواناً لحمل الناس على الإسلام.
ولعل من المناسب التذكير بآيات سورة الشورى [ ٣٩-٤٣ ] التي احتوت تقريرات عامة في تبرير انتصار المظلوم من ظالمه ومقابلة العدوان بمثله، والردّ على البغاة المعتدين لنقول : إن المبادئ التي احتوتها هذه الآيات متسقة مع التقريرات المذكورة. وإن الاتساق قائم بين المبادئ القرآنية المكية والمدنية من حيث الجوهر والأساس شأن كل الأهداف والمبادئ القرآنية. وإن في هذا لرداًّ آخر على من حاول أو يحاول أن يوهم أن فيما شرعه القرآن المدني من شرائع الجهاد تناقضاً مع المبادئ المقررة في القرآن المكي.
ومما هو جدير بلفت النظر ما تخلل الآيات مرّة بعد مرّة من التحذير من الاعتداء ومن الأمر بتقوى الله وعدم تجاوز الحدّ الذي تقضي به المصلحة ويتحمل معنى المقابلة بالمثل، ومن تقرير كون العدوان إنما يجب على الظالمين البادئين أو العادين أي المعتدين ثانية. ففي هذا كلّه تدعيم لهذه المبادئ وسياج لفكرة الحق والعدل وعدم البغي والعدوان التي ما فتئ القرآن يقررها في كل مناسبة في المكي منه والمدني وبخاصة في ظروف القتال التي يكون فيها أشد ضرورة وإيجاباً، وفي هذا ما فيه من روعة التلقين وجلاله.
كذلك فإن أسلوب الآيتين الأخيرتين ومضمونهما جديران بالتنبيه إلى ما فيهما من قوة ومدى وتلقين للمسلمين في كل ظرف ومكان بوجوب الإنفاق والاستعداد الدائم والحذر المستمر ليظلوا أقوياء قادرين في كل وقت على مقابلة أي عدوان وعلى التنكيل بأي معتد. وكافلين لأنفسهم المنعة والعزة والكرامة والطمأنينة والأمن والحرية والربط بين الإنفاق والتهلكة وبخاصة الحث على المغالاة في الإنفاق – وهذا ما تعنيه جملة : وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ على ما ذكره المؤولون – عظيم المغزى من أجل ذلك.
ولقد روى الطبري رواية تذكر أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تابعيهم ظنوا أن الإقدام على مبادرة العدو في قلة قد يكون إلقاءً للنفس في التهلكة الذي نهت عنه الآية فانبرى أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وفنّد رأيهم وقال لهم : إن الله أمر رسوله بالقتال ولو وحيداً حيث قال له : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً [ النساء : ٨٤ ] وإن جملة :« وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : ١٩٥ ] هي في صدد الإنفاق في سبيل الله والمغالاة فيه ؛ لأن الإمساك عن ذلك هو الذي يؤدي إلى التهلكة » ١. وفي سورة التوبة هذه الآية : وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢ وتنطوي على صورة مألوفة دائما، وهي إن وجود المقاتلين من المؤمنين ميسور دائماً وإنما المشكل هو النفقة التي يمكن بها حشد المقاتلين وإعداد وسائل القتال مما يزيد في خطورة مدى العبارة القرآنية ومغزاها. ويفسر هذا ويدعمه مولاة القرآن في الحثّ على الإنفاق في سبيل الله وجعل الجهاد بالمال مقدما على الجهاد في النفس في آيات كثيرة منها آية سورة البقرة [ ٢٦١ ] وآية سورة الحجرات [ ١٥ ] وآية سورة محمد [ ٣٨ ] وآية سورة التوبة [ ٨٨ ] وغيرها وغيرها.
ولقد روى المفسرون عن بعض التابعين أن جملة : الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [ ١٩٠ ] تعني الذين هم أهل للقتال وأنها تستثني النساء والشيوخ والذراري والرهبان ومنهم من روى عن ابن عباس زيادة وهي :( من ألقى إليكم السلم وكف يده ) ومما رووه عن ابن عباس أيضا أن جملة : وَلاَ تَعْتَدُواْ تعني كذلك عدم قتال وقتل النساء والشيوخ والذراري –الأطفال- والرهبان. ومع أن هناك أحاديث نبوية تنهى حقا عن قتل هؤلاء سوف نوردها بعد فالذي يتبادر لنا أن العبارات القرآنية عامة مطلقة المدى تتناول كل من سالم المسلمين وكف يده عنهم وكل من لم يكن أهلاً لحرب وقتال وغير مشترك في حرب وقتال. وفي القرآن آيات عديدة تدعم هذا الإطلاق، وفيها قواعد وضوابط له منها آيات سورة النساء [ ٩٠-٩١ ] وسورة الممتحنة [ ٨-٩ ] على ما سوف يأتي شرحه في مناسباته.
ولقد قال بعض المفسرين ٢ عزواً إلى بعض التابعين أن كلمة وَالْفِتْنَةُ في الآيات تعني الشرك. وأن تعبير فَإِنِ انتَهَوْاْ يعني الا
٢ انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.
التفسير الحديث
دروزة