يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ بدل اشتمال، يعني يسألونك عن قتال في الشهر، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن سعد والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخر سنة قبل قتال بدر بشهرين وبعث معه ثمانية نفر من المهاجرين سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير، وذكر بعضهم سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة وذكر بعضهم المقداد بن عمر. قال ابن سعد : كانوا اثني عشر كل اثنين يعتقبان بعيرا وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال :" سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض ما أمرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك " فسار وكان قبل مسيره قال : يا رسول الله أي ناحية ؟ قال : النجدية فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق القرع بموضع من الحجاز يقال له بخران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف، فبينما هم كذل مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمر والحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن مغيرة وعثمان بن عبد الله بن مغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش إن القوم قد وعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة، ثم أشرف عليهم فقالوا قم عمارة لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في يوم يرونه آخر يوم من جمادى الآخر وهو من ر جب فتشاور القوم وقالوا : لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم ويدخل عليكم الشهر الحرام، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله وشد المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبد الله بن مغيرة والحكم بن كيسان وهرب نوفل فأعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل عزل عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه وكان أول خمس خمس في الإسلام وأول غنيمة وأول قتيل من المشركين عمرو الحضرمي وأول أسير عثمان والحكم وكان ذلك قبل أن يفرض الخمس من المغانم ثم فرض الخمس على ما صنع عبد الله بن جحش في تلك العير، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فأوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، وقالت قريش لمن كان بمكة من المسلمين يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه، فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم وقالوا : يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في الجمادى، فأكثر الناس في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش، أو أخذ العير فعزل منها الخمس وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وقيل : أوقف غنائم أهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال : بل نوقفهما حتى يقدم سعد وعتبة فإنا نخشاكم عليهما، وإن لم يقدما قتلناهما بهما فقدم سعد وعتبة فأفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين بأربعين أوقية كل أسير، فأما الحكم فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدنية فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله بن مغيره فرجع إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية ".
قل يا محمد قتال فيه أي في الأشهر الحرم كبير ذنب كبير قال أكثر العلماء : إن منسوخ بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قال ابن همام وهو بناء على التجوز بلفظ حيث في الزمان ولا شك أنه كبير الاستعمال، قلت : لفظ حيث للمكان حقيقة ومجيئه للزمان تجوز لا دليل عليه، ولو فرضنا أنه مشترك في الزمان والمكان ففي شموله للأزمنة شك ولا يجوز النسخ مع الشك، وقال البيضاوي : هو نسخ الخاص بالعام، وفي خلاف يعني نسخ الخاص بالعام جائز عند الشافعي وغيره حيث قالوا : إن العام ظني الدلالة بخلاف الخاص إما من عام إلا وقد خص منه البعض، والبحث عنه في أصول الفقه. قال البيضاوي : والأولى منع الدلالة الآية على حرمة القتال في الأشهر الحرام مطلقا فإن قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا تعم، قلت : النكرة في الإثبات تعم عند قيام القرينة كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" تمرة خير من جرادة " ولولا ههنا النكرة للعموم لما استقام جواب السؤال، واستدل ابن همام على نسخ الحرمة بالعمومات نحو قوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة وقوله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " قلت : وهذا ليس بسديد فإن عموم تلك الآيات في المكلفين وأحوالهم دون الأزمنة حتى يدخل فيها الأشهر الحرم فيلحقها النسخ بل عموم الأزمنة لو ثبت لثبت باقتضاء النص ولا عموم للمقتضى فلا يجري فيه التخصص والنسخ وكيف يدعي نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم مع أن قوله تعالى :" إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم }[ سورة التوبة، الآية : ٣٦
يعني بالقتال فيهن : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين إنما النسيئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (٦) وهذه الآية آخر أيات القتال نزولا وهي آية السيف نزلت في آخر السنة التاسعة وفيه ذكر حرمة الأشهر فهو مخصص لوجوب القتال فيما عدا الأشهر والله أعلم. وأيضا يدل على حرمة القتال في الأشهر الحرم خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع قبل وفاته بشهرين حيث قال فيه :" ألا إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات دوالقعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر " وقال في آخر الحديث " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " متفق عليه من حديث أبي بكرة، قال ابن همام : حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرم أو إلى شهر يعني بهذا منسوخية الآية وهذا القول غريب و إنما كان حصار الطائف في شوال سنة ثمان، عن أبي سعيد الخدري : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من المدينة لليلتين خلتا من شهر رمضان رواه أحمد بسند صحيح، وروى البيهقي عن الزهري بسند صحيح قال : قال : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم لثلاث عشرة خلت من رمضان، قلت : بهذا ظهر أنه أقام في الطريق اثني عشر يوما وأقام رسول الله بمكة تسعة عشر يوما، وفي لفظ سبعة عشر رواه البخاري وفي رواية ثماني عشرة ثم بعد فتح مكة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين يوم السبت لست خلون من شوال، وقال ابن إسحاق : لخمس وبه قال عروة واختاره ابن جرير وروى ابن مسعود فوصل إلى حنين لعشر خلون من شوال فلما انهزم الهوزان وجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين قدم قبل ثقيف بالطائف وأغلقوا عليهم الأبواب وتهيؤوا للقتال فلم يرجع رسول الله صلى عليه وسلم إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف. قبل أن يقسم غنائم حنين قدم قبل ثقيف بالطائف وأغلقوا عليهم الأبواب وتهيؤوا للقتال فلم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف. قبل أن يقسم غنائم حنين وترك السبي بالجعرانة، وحاصر الطائف. روى مسلم عن أنس أنه كان مدة حصاره أربعين ليلة واستغربه في البداية، وذكر ابن إسحاق حاضر ثلاثين ليلة، وقال ابن إسحاق في رواية : حاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل عشرين يوما، وقيل : بضع عشرة ليلة رواه أبو داود، قال ابن حزم : هو الصحيح بلا شك ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وانتهى مسيره إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة واعتمر ثم انصرف إلى المدينة ليلة الأربعاء لثنتي عشر ليلة بقيت من ذي القعدة ودخل المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة، قال أبو عمر : كان مدة غيبته صلى الله عليه وسلم من حين خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وواقع هوزان وحارب أهل الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وستة عشر يوما، بل شهرين وستة وعشرين يوما، فيكف يتصور ما قال ابن همام : حاصر الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر محرم، فلم يثبت منسوخية حرمة الأشهر والله أعلم. لكن هذه الآية منسوخة بما مر من قوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات لأنها تدل على إباحة القتال في الأشهر الحرم إن كانت البداية في القتال من الكفار، لأن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر وتلك نزلت في عمرة القضاء سنة سبع كما ذكرنا فبقي البداية بالقتال في الأشهر محرما والله أعلم وصد أي صرف ومنع عن سبيل الله أي عن الإسلام والطاعات وكفر به أي بالله والمسجد الحرام بحذف المضاف يعني وصد المسجد الحرام ولا يجوز عطفه على الضمير المجرور لوجوب إعادة الجار حينئذ، ولا على سبيل الله لأن عطف قوله وكفر به مانع منه إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة وإخراج أهله أي أهل المسجد وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منه أكبر عند الله مما فعله السرية فإن كلما ذكر مما صد عن كفار مكة صدر عمدا وتعنتا وما صدر من السرية إنما صدر خطأ وبناء على الظن والفتنة يعني الشرك أكبر من القتل أي قتل الحضرمي فكيف يعيرونهم كفار مكة على ما ارتكبوه خطأ مع ارتكابهم ما هو أشد من ذلك عمدا ولا يزالون يقاتلونكم يعني كفار قريش حتى يردوكم عن دينكم إخبار عن دوام عداوتهم إن استطاعوا هو استبعاد لاستطاعتهم ومن يرتدد عن دينكم إخبار عن دوام عداوتهم إن استطاعوا هو استبعاد لاستطاعتهم ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم استدل الشافعي بهذه الآية على أن المرتد لا يحبط علمه ما لم يمت على الكفر فإن صلى رجل الظهر مثلا ثم ارتد نعود بالله منها ثم آمن والوبقت باق لا يجب عليه إعادة الصلاة وكذا من حج ثم ارتد ثم أسلم لا يجب عليه الحج، وهذا احتجاج بمفهوم الصفة وهو غير معتبر عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو حنيفة يجب عليه إ
التفسير المظهري
المظهري