ولما كان القتال محرماً في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ووقع من بعض الصحابة، فندموا وتحرجوا، أزال الله ذلك الحرج عنهم، فقال :
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قلت : قتال : بدل اشتمال من الشهر الحرام ، وقد وقع خبط في عطف المسجد الحرام ، والصواب : ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على السبيل ؛ إذ هو المتبادر من جهة المعنى أي : وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام أكبر جرماً من قتل السَّرِية في الشهر الحرام، والقواعد النحوية إنما هي أغلبية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يسألونك يا محمد عن الشهر الحرام أي : عن القتال في الأشهر الحرام، قل لهم : القتالُ في الشعر الحرام أمره كبير ، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس عن سبيل الله أي : منعهم من الإسلام والطاعة، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - والفتنة التي هم فيها من الكفر، وافتتان الناس عن دينهم - أكبر جرماً من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلاً وظنّاً أنه لم يدخل الشهر الحرام.
وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث سريةً وأمَّر عليها عبد الله بنَ جَحْش في آخر جُمَادى الآخِرَةِ، فَلَقُوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمراً فقتلوه، وأخذوا الغنيمة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام :" لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام " فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم : كيف تستحل القتال في الشهر الحرام ؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى : وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً [ التّوبَة : ٣٦ ].
ثم قال الحقّ جلّ جلاله في التحذير من الكفار : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، لكن لا يطيقون ذلك، ومن يرتدد منكم عن دينه ويستمر عليه حتى يموت وهو كافر فأولئك حَبِطَتْ أعمالهُم في الدنيا فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي الآخرة فلا يرى لها ثواباً، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
ومفهوم الآية : أنه إن رجع قبل الموت لا يحبَط عملُه، وهو قول الشافعي. وقال مالك : يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإنْ لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل.
إن الذين آمنوا وصدَّقُوا بطريق الله، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله، وجاهدوا نفوسهم في محبة الله، أولئك يرجون رحمة الله، فلا يُخيبهم الكريم ؛ لأنه غفور رحيم. والله ما نَشْكُرْ خَلِيعْ وإنْ ثَمِلْ وإن صَحَا وإن ثَبَتْ، سَيْرٌ سَرِيعْ وإن شَرِبْ حَتَّى امْتَحا حَتى يُقَطَّعْ في القَطيعْ ويَدُورْ دَوْرَ الرَحَا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي