وإياه قصد الشاعر:
قضى الله في بعِض المكارهِ للفْتَىَ...
برُشدٍ وقي يعضِ الهَوَى مَأ يُحَاذِرُ..
قوله - عز وجل -:
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
الآية (٢١٧) - سورة البقرة.
الصد ناحية الشعب، والوادي المانع للسالك وصده عن كذا، كأنما جعل بينه وبين ما يريده صدأ يمنعه، والصديد ما حال بين الجلد واللحم من القيح والدم، وقد تقدم أن زل وزال يتقارب لما كان الزوال معناه للنفي ضم إليه (ما) النافية، فصارا معا للإثبات، ولهذا لا يصح أن يقال: (مازال زيد إلا خارجأ)، كما يقال: (ما كان إلا خارجاً)، والحبط فساد يلحق الماشية في بطونها من أكل الكلأ، واستعير لفساد العمل، والسائل على ذلك قيل أهل الشرك قصدا إلى تعبير المسلمين مما استجازوه من القتل في الشهر الحرام وقيل: هم أهل الإسلام.
إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولاً، ثم إبدال القتال منه ولم يقل: (يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولاً بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل: (يسألونك عن قتال الشهر) لكان يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل: " سُرق
زيد ثوبه " تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما...
إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي- عليه السلام- لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: " أحلت لي ساعة من نهار).
وقوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ معطوف على قوله: عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فأعلم تعالى أن بعض القتال فيه كبير وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تنبيه أنه على الوجه الذي يفعله الكفار صد عن سبيل الله، أي عن دينه وعن نبيه، وأكثر منه عند الله وأعظم إخراج أهل المسجد [يعني].
والمؤمنين الذين هم أولياؤه، وعلى ذلك دل بقوله لهم: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ، ثم بين أن النبي- عليه السلام- وأمته هم أولياؤه بقوله: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وفي ذلك تنبيه أن قتال المسلمين وقتلهم فيه ليس بكبير ولا صد سكن سبيل الله عز وجل، وبين أن الفتنة أكبر من القتل، وقد تقدم الكلام فيه، وأنه لا يرضيهم إلا ارتداء كم، وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، ونبه بقوله: إِنِ اسْتَطَاعُوا أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وعقب دلك بوعيد من يرتد، فمات على حالته، وإن أعماله المتقدمة المعمولة في سبب الدنيا والآخرة تبطل وتضمحل كما قال:
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار