يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيها قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( ٢١٧ )
شرع الله القتال دفعا للأذى، ومنعا للفتنة، ونصرا للحق وخفضا للباطل، ولقد بين سبحانه أن المؤمنين الذين أرهف وجدانهم ومازج حب البشرية قلوبهم، كرهوه، فقال سبحانه :[ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ] كرهه المؤمنين المخلصون، وتمنوا لو أن قومهم آمنوا طائعين أو كفوا عن أذاهم حتى لا تزهق أرواح، ولا تخضب الأرض بالدماء، ولكن الله سبحانه بين لهم أن لا سبيل لرفع الحق إلا بعزة أهله، ولا عز له بين المشركين إلا بنور الحق، وبريق السيف، وإن ذلك في مصلحتهم، كما فيه إعلان الحق لهم، و منع الأذى عن المؤمنين، وزوال الفتنة في الدين، حتى يصير الدين كله لله، يطلبه من يريده حرا، ويريده من يريده مخلصا، لا لوم ولا تثريب، ولا فتنة ولا تعذيب.
و المؤمنون الذين كرهوا القتال في ذاته كرهوه أيضا لملابساته، فقد يكون في زمان له حرمة وتقديس، أوفي مكان مقدس قد حرم فيه القتال جاهلية وإسلاما، فتتضاعف الكراهة، إذ تتجمع الكراهة الذاتية، والكراهة الإضافية لزمان القتال أو مكانه، فبين الله سبحانه ما يطمئن قلوب المؤمنين، وإن من يرد الاعتداء بر لا فاجر، ولو اضطر إلى القتال في الشهر الحرام أو البيت الحرام ولذا قال سبحانه :[ يسألونك عن الشهر الحرام ].
الشهر الحرام : قد بيناه في تفسير قوله تعالى :[ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص... ١٩٤ ] ( البقرة )، وإنه مفرد أريد به الجمع وإن الأشهر الحرم أربعة، هي : رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وبينا البلاغة التي أدركناها في التعبير بالمفرد في معنى الجمع.
وقوله تعالى :[ قتال فيه ] بدل اشتمال من الشهر الحرام، قد وقعت كلمة قتال في موضع الجر على البدلية، والمعنى : أن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، لا عن ذات الشهر، وإنما ابتدأ بذكر الشهر لأنه موضع القداسة في نفوسهم، ولأنه أساس التحريم، فالقتال في ذاته لم يعد موضع تفكير، بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى أمر ربهم، وأنه سبيل الدفاع عن نفوسهم، إنما موضع السؤال هو القتال في تلك الأزمنة، فابتدئ بذكرها، لأنها الباعث على السؤال : وهو الذي سارع إلى الخاطر، فكان الابتداء به مجاوبة للمسارعة الفكرية بالسبق البياني.
و من هم الذين سألوا ؟ أهم المشركون، فيكون السؤال تشنيعا، أم هم المؤمنون فيكون السؤال تحرجا وتأثما من الوقوع، أو ندما أن فرط ذلك منهم ؟ إن ذلك أمر لا يعرف إلا من صحيح الآثار.
لقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثا على رأسه عبد الله بن جحش ليتبع عيرا لقريش قبل غزوة بدر، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا، وقال له :"لا تكرهن أحدا على السير معك "، فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة، وخير أصحابه، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع منهم اثنان وتبع العير فغنم غنائم وأسر أسيرين، وكان ذلك في أول ليلة من رجب حسبوها آخر ليلة من جمادى، وقيل في آخر ليلة من رجب، ولم يستأنوا إلى أول شعبان حتى لا تفلت طلبتهم، ولما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علم أنهم قاتلوا في الشهر الحرام، توقف وقال :" ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام "١.
ويروى أن المشركين قالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء، وقالوا لمن عندهم من المسلمين المستضعفين : يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه.
و هذا الخبر يفيد فائدتين : أولاهما – أن تلك السرية قاتلت في الشهر الحرام جاهلة بدخوله، أو مضطرة، وكلتا الحالين تحمل العذر والمسوغ.
الثانية – إن قريشا عيرت المسلمين بذلك وأن النبي صلى الله عليه وسلم توقف عن التصرف حتى ينزل قرآن فنزل، وعلى ذلك يصح أن يكون السؤال من المشركين، وهو أوضح.
و مهما يكن فإن القتال في الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ ٢.
و لقد قال بعض العلماء : إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله تعالى :[ و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة... ٣٦ ] ( التوبة )، وبقتال النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه، ولكن قال عطاء : إنه لم ينسخ.
والحقيقة إنه لم يثبت ناسخ صريح في النسخ فإن قوله تعالى :[ وقاتلوا المشركين كافة ] العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختارا قط، والتحريم في الاختيار والابتداء كما بينا لا في البقاء والاضطرار، ولذا قال سبحانه :[ فلا تظلموا فيهن أنفسكم... ٣٦ ] ( التوبة ) ولأن الأشهر الحرم نص عليها في خطبة الوداع، وكل ما جاء فيها غير منسوخ. وقد بينا حكمة تحريم القتال في الأشهر الحرم عند تفسير قوله تعالى :[ الشهر الحرام بالشهر الحرام... ١٩٤ ] ( البقرة ).
[ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ] عير المشركون المؤمنين بأنهم قتلوا أو قاتلوا في الأشهر الحرم مع أنهم كانوا معذورين، لجهلهم بالميقات، أو لدفع الضرر عن أنفسهم بمبادرة عدوهم قبل أن يقتلهم. وما سوغ أحد ترك الدفاع عن النفس إن هاجمه العدو، فرد الله سبحانه قولهم بقوله تعالى :[ قل قتال فيه كبير ] فهو رد بالموافقة، أي أن القتال في الشهر الحرام كبير على النفوس تستثقله القلوب المؤمنة فكيف إذا كان هو أمرا مكروها في الجاهلية والإسلام، لأن الشهر الحرام مقدس في الإسلام، أو يقال عن المعنى القتال فيه ذنب كبير، وعمل خطير، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس.
و هذا التسليم ليس لأن المؤمنين جديرون بأن يعيروا، لأنهم معذورون بل إن التسليم ليأخذ الكفار من نواصيهم على الحق، ويبين لهم مقدار ضلالهم وفسادهم، فإذا كان كبيرا وخطيرا وذنبا وإثما قتال في الشهر الحرام لأنه اعتداء عليه، فكيف يكون الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وكيف تكون الفتنة في دين الله، وحمل الناس على الخروج منه ؟ إن ذلك يكون بلا شك أعظم وأخطر لأنه اعتداء على الله وعلى بيت الله، وعلى الأنفس، وعلى الأهل والعشيرة، ولذا قال سبحانه :[ و صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ]. أي أن هذه الأمور مجتمعة ومنفردة أكبر من القتال في الشهر الحرام، ومع ذلك ارتكبوها وأخذوا على الناس القتال الشريف اضطرارا في هذا الزمان.
و الكلام مستقيم تمام الاستقامة على أن السؤال كان من المشركين، والإجابة له مفحمة ملزمة موجهة باعثة على الخير. وإذا كان السؤال من المؤمنين كالسؤال في قوله تعالى :[ يسألونك ماذا ينفقون... ٢١٥ ] ( البقرة ) وكالسؤال فيما يأتي :[ يسألونك عن الميسر والخمر... ٢١٩ ] ( البقرة ) إذا كان السؤال من المؤمنين إعلانا لندمهم على صنيعهم، فقوله تعالى :[ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ] فيه بيان معذرتهم، وأنهم مضطرون لا مختارون وإن الذين قاتلوهم ارتكبوا معهم الشر بكل صنوفه، فإن أخطأتم غير قاصدين فأولئك ارتكبوا أصناف الشر قاصدين، وهم لا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة.
و الأصناف التي ذكرها الله سبحانه من اعتدائهم خمسة : هي الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، والفتنة في دين الله.
أما الصد عن سبيل الله فمعناه المنع من سبيل الله، أي السنن المستقيم الذي سنه الله سبحانه وتعالى لخلقه ليسيروا على الفضيلة متآخين متحابين. وابتدأ الله بيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته ويمنعون أن تقام العلاقات بين الناس على أسس من الفضيلة.
و الفعل صد : يستعمل لازما ومتعديا، فيقال : صد عن هذا الأمر أو عن فلان صدودا إذا أعرض عنه وانصرف، ويقال : صده عن هذا الأمر صدا أي منعه وصرفه.
والكفر بالله يشمل الشرك، ويشمل كفر النعم التي غمرهم الله بها وأسبغها عليهم، سواء أكانت مادية ببسط الرزق، أم كانت معنوية بآياته البينات، وبعث الرسالة فيهم تهديهم وترشدهم، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم منهم [ و كذب به قومك وهو الحق... ٦٦ ] ( الأنعام ).
و الكفر بالمسجد الحرام عدم شكر الله على نعمته إذ جعلهم في حرم آمن والناس يتخطفون من حولهم :[ أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم... ٦٧ ]( العنكبوت )، ومن الكفر أنه بيت الله ومع ذلك يقيمون عليه الأصنام وهي الأحجار التي يشركونها بالله في العبادة، ومن الكفر به أن يمنعوا الناس من القيام بحقه في الزيارة والطواف في الحج والاعتمار، ومن الكفر أن يؤذوا الناس حوله ويقتلوهم ويفتنوهم عن دينهم في بطحاء مكة، وهكذا لم يقيموا للبيت أي حرمة ويتمسحون بالشهر الحرام والقتال فيه، فيعيبون ناسا اضطروا إلى القتال غير قاصدين، وقد ارتكبوا هم معهم المنكروالزور.
و إخراج أهل المسجد منه، فإن إخراج الآمنين من مستقرهم جريمة كبيرة، وإخراج الساكنين حول البيت أكبر جرما وأعظم إثما، لأنه اعتداء عليهم، اعتداء على البيت واعتداء على الأمن الذي بقي لهم من شريعة إبراهيم عليه السلام، إذ قال :[ رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ٣٥ ] ( إبراهيم ) فهم تعدد اعتداؤهم عليه : فأزالوا الأمن الذي أوجبه الله، ووضعوا حوله الأصنام، وأخرجوا أهله منه.
هذه الأمور الأربعة كلها جرائم متتالية، وكل واحدة منها جريمة بذاتها، ولكنها في مجموعها تساوي جريمة واحدة قائمة بذاتها وهي الفتنة في دين الله، ولذلك خصها الله سبحانه وتعالى بالذكر كأنها وحدها تساوي الكل أو تزيد وهي مبعث أكثرها، فقال سبحانه :[ و الفتنة أكبر من القتل ].
و أصل اشتقاق كلمة الفتنة من الفتن، وهو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الناس النار، قال تعالى :[ يوم هم على النار يفتنون ١٣ذوقوا فتنتكم... ١٤ ]( الذاريات ) أي عذابكم، وتستعمل الفتنة في الاختبار ومن ذلك قوله تعالى :[ و فتناك فتونا... ٤٠ ]( طه ) وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد جاء فيهما قوله تعالى :[ و نبلوكم بالشر والخير فتنة... ٣٥ ]( الأنبياء ). وقال في الشدة :[ إنما نحن فتنة... ١٠٢ ] ( البقرة )٣.
و الفتنة التي أنزلها المشركون بالمؤمنين، وهم مستضعفون بمكة كانت أكبر من القتل، لأنها أذى شديد يقلق الروح، وأذى الروح وبخعها بحملها على الكفر بعد الهداية لا يقل عن القتل، فهذا موت مادي، وذلك موت أكبر وأعظم، ولقد قال سبحانه :[ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها... ١٢٢ ]( الأنعام ) فالضلال كال
٢ سبق تخريجه..
٣ جاء في الهامش : مفردات القرآن للراغب الأصفهاني – فتن..
زهرة التفاسير
أبو زهرة