ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

باب تحريم الخمر


قال الله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . هذه الآية قد تضمنت تحريم الخمر، لو لم يَرِدْ غيرُها في تحريمها لكانت كافية مغنية ؛ وذلك لقوله : قل فيهما إثم كبير والإثمُ كله محرم بقوله تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [ الأعراف : ٣٣ ] فأخبر أن الإثم محرمٌ، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثماً حتى وصفه بأنه كبير، تأكيداً لحظرها.
وقوله : ومنافع للناس لا دلالة فيه على إباحتها، لأن المراد منافع الدنيا ؛ وإن في سائر المحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحقّ بارتكابها. فذِكْرُهُ لمنافعها غير دالّ على إباحتها لا سيما وقد أكّد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية : وإثمهما أكبر من نفعهما يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما.
ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : ٤٣ ].
وليس في هذه الآية دلالةٌ على تحريم ما لم يُسكر منها، وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها ؛ لأنه إذا كانت الصلاة فرضاً نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها، فكلّ ما أدّى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها مؤدياً إلى ترك الصلاة، كان محظوراً ؛ لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور.
ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [ المائدة : ٩٠ ] إلى قوله : فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩٠ ]. فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه : أحدها قوله : رجس من عمل الشيطان [ المائدة : ٩١ ]، وذلك لا يصح إطلاقه إلاّ فيما كان محظوراً محرماً، ثم أكّده بقوله : فاجتنبوه [ المائدة : ٩١ ] وذلك أمْرٌ يقتضي لزومَ اجتنابه ؛ ثم قال تعالى : فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩١ ] ومعناه : فانتهوا.
فإن قيل : ليس في قوله تعالى : فيهما إثم كبير دلالة على تحريم القليل منها، لأن مراد الآية ما يلحق من المأثم بالسكر وترك الصلاة والمواثبة والقتال، فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من التحريم، ولا دلالة فيه على تحريم القليل منها. قيل له : معلومٌ أن في مضمون قوله : فيهما إثم كبير ضمير شُرْبِها، لأن الخمر هو فعل الله تعالى ولا مأثم فيها، وإنما المأثم مستحقّ بأفعالنا فيها، فإذا كان الشربُ مضمراً ؛ كان تقديره : في شربها وفعل الميسر إثمٌ كبير، فيتناول ذلك شرب القليل منها والكثير، كما لو قال : حرمتُ الخمر، لكان معقولاً أن المراد به شربها والانتفاع بها، فيقتضي ذلك تحريم قليلها وكثيرها. وقد رُوي في ذلك حديثٌ ؛ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد اليمان قال : حدثنا أبو عبيد : حدثنا عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير قال :" الميسر هو القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله " قال : وقوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : ٤٣ ] قال :" كانوا لا يشربونها عند الصلاة، فإذا صلّوا العشاء شربوها ؛ ثم إن ناساً من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضاً وتكلموا بما لا يرضي الله عز وجل، فأنزل الله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [ المائدة : ٩٠ ]، قال : فالميسر : القمار، والأنصاب : الأوثان، والأزلام : القداح ؛ كانوا يستقسمون بها. قال : وحدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر :" اللهمّ بَينْ لنا في الخمر ! " فنزلت : ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء : ٤٣ ]، فقال : اللهم بَيِّنْ لنا في الخمر ! فنزلت : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ، فقال :" اللهم بَيِّنْ لنا في الخمر ! " فنزلت : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [ المائدة : ٩٠ ] إلى قوله : فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩١ ] فقال عمر :" انتهينا إنها تذهب المال وتذهب العقل ". قال : وحدثنا أبو عبيد قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا المغيرة عن أبي رزين قال : شربتُ الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد الآية التي في النساء، فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها، ثم حرِّمت في المائدة في قوله : فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩١ ]، فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها.
فمن الناس من يظن أن قوله : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس لم يدلّ على التحريم، لأنه لو كان دالاًّ لما شربوه، ولما أقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سأل عمر البيان بعد، وليس هذا كذلك عندنا، وذلك لأنه جائزٌ أن يكونوا تأوّلوا في قوله : ومنافع للناس جَوَازَ استباحة منافعها، فإنّ الإثم مقصورٌ على بعض الأحوال دون بعض، فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل. وأما قوله :" إنها لو كانت حراماً لما أقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على شربها " فإنه ليس في شيء من الأخبار عِلْمُ النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه. وأما سؤال عمر رضي الله عنه بياناً بعد نزول هذه الآية، فلأنه كان للتأويل فيه مساغٌ، وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم، ولكنه سأل بياناً يزول معه احتمال التأويل، فأنزل الله تعالى : إنما الخمر والميسر [ المائدة : ٩٠ ] الآية.
ولم يختلف أهلُ النقل في أن الخمر قد كانت مباحةً في أول الإسلام، وأن المسلمين قد كانوا يشربونها بالمدينة ويتبايعون بها مع علمِ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإقرارهم عليه، إلى أن حرمها الله تعالى. فمن الناس من يقول : إن تحريمها على الإطلاق إنما ورد في قوله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه إلى قوله فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩١ ]، وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض الأحوال، وهي أوقات الصلاة، بقوله : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [ النساء : ٤٣ ] وأن بعض منافعها قد كان مباحاً وبعضها محظوراً بقوله : قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس : إلى أن أتمّ تحريمها بقوله : فاجتنبوه [ المائدة : ٩٠ ] وقوله : فهل أنتم منتهون [ المائدة : ٩١ ]. وقد بيّنا ما يقتضيه ظاهر كل واحد من حكم الآيات من حكم التحريم.
وقد اختُلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة، فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء :" اسم الخمر في الحقيقة يتناول النيَّ المشتدّ من ماء العنب ". وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعي أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خَمْر. والدليلُ على أن اسم الخمر مخصوص بالنّيِّ المشتدّ من ماء العنب دون غيره وأن غيره إن سُمِّي بهذا الاسم فإنما هو محمول عليه ومشبه به على وجه المجاز، حديثُ أبي سعيد الخدري قال : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال له :" أشَرِبْتَ خمراً ؟ " فقال : ما شربتها منذ حرّمها الله ورسوله، قال :" فماذا شَربتَ ؟ " قال : الخليطين ؛ قال : فحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين. فنَفَى الشاربُ اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه، ولو كان ذلك يسمَّى خمراً من جهة لغة أو شرع لما أقرَّه عليه، إذ كان من نفي التسمية التي عُلِّقَ بها حُكْم نَفْي الحُكْمِ ؛ ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقِرُّ أحداً على حَظْرِ مباحٍ ولا على استباحة محظورٍ ؛ وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر مُنْتَفٍ عن سائر الأشربة إلا من النيّ المشتد من ماء العنب، لأنه إذا كان الخليطان لا يسميان خمراً مع وجود قوة الإسكار منهما عَلِمْنَا أن الاسم مقصور على ما وصفنا. ويدلّ عليه ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال : حدثنا العباس بن بكار قال : حدثنا عبدالرحمن بن بشير الغطفاني، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع، فقال :" حَرَامٌ الخَمْرُ بعَيْنِها والسُّكْرُ مِنْ كلّ شَرَابٍ ". قال عبدالباقي : وحدثنا محمد بن زكريا العلائي قال : حدثنا شعيب بن واقد قال : حدثنا قيس، عن قطن، عن منذر، عن محمد ابن الحنفية، عن عليّ، عن النبي صلى الله عليه السلام نحوه. وحدثنا عبدالباقي قال : حدثنا حسين بن إسحاق قال : حدثنا عياش بن الوليد قال : حدثنا علي بن عباس قال : حدثنا سعيد بن عمارة قال : حدثنا الحارث بن النعمان قال : سمعت أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الخَمْرُ بعَيْنِها حَرَامٌ والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ". وقد رَوَى عبدالله بن شداد عن ابن عباس من قوله مثل ذلك، ورُوي عنه أيضاً مَرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد حوى هذا الخبر معاني : منها أن اسم الخمر مخصوصٌ بشراب بعينه دون غيره، وهو الذي لم يُختلف في تسميته بها دون غيرها من ماء العنب، وأن غيرها من الأشربة غير مسمَّى بهذا الاسم، لقوله :" السّكْرُ مِنْ كل شراب " وقد دلّ أيضاً على أن المحرَّمَ من سائر الأشربة هو ما يَحْدُثُ عنده السكرُ، لولا ذلك لما اقتصر منها على السكر دون غيره، ولما فصل بينها وبين الخمر في جهة التحريم، ودلّ أيضاً على أن تحريم الخمر حكمٌ مقصور عليها غير متعدٍّ إلى غيرها قياساً ولا استدلالاً، إذ علق حكم التحريم بعين الخمر دون معنى فيها سواها، وذلك ينفي جواز القياس عليها، لأن كل أصْلٍ ساغ القياسُ عليه فليس الحكم المنصوص عليه مقصوراً عليه ولا متعلقاً به بعينه، بل يكون الحكم منصوباً على بعض أوصافه مما هو موجود في فروعه فيكون الحكم تابعاً للوصف جارياً معه في معلولاته.
ومما يدلّ على أن سائر الأشربة المسكرة لا يتناولها اسم الخمر قولُه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عنه :" الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ : النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ "، فقوله :" الخمر " اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه، فاستوعب به جميع ما يسمَّى بهذا الاسم، فلم يَبْقَ شيءٌ من الأشربة يسمَّى به إلاّ وقد استغرقه ذلك، فانتفى بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين الشجرتين يسمَّى خمراً. ثم نظرنا فيما يخرج منهما هل جميع الخارج منهما مسمًّى باسم الخمر أم لا ؟ فلما اتفق الجميع على أن كل ما يخرج منهما من الأشربة غير مسمًّى باسم الخمر، لأن العصير والدبس والخلّ ونحوه من هاتين الشجرتين ولا يسمَّى شيءٌ منه خمراً، علمنا أن مراده بعض الخارج من هاتين الشجرتين، وذلك البعض غير مذكور في الخبر، فاحْتَجْنَا إلى الاستدلال على مراده من غيره في إثبات اسم الخمر للخارج منهما، فسقط الاحتجاجُ به في تحريم جميع الخارج منهما وتسميته باسم الخمر. ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن الخمر أحدهما، كقوله تعالى :{ يخرج منهما اللؤلؤ

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير