*يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ٢١٩ في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ٢٢٠ .
قال السيوطي في أسباب النزول : روى أحمد من حديث أبي هريرة قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله يسألونك عن الخمر والميسر ١ الآية فقال الناس : ما حرم علينا إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله آية أغلظ منها يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( النساء : ٤٣ ) الآية ثم نزلت آية أغلط من ذلك يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إلى قوله فهل أنتم منتهون ( المائدة : ٩٠ ) قالوا انتهينا ربنا.
وقال الجلال في تفسير آية البقرة إنها لما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون حتى نزلت آية المائدة وهو مخالف للإطلاق الذي نقلناه آنفا عن كتاب أسباب النزول له. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر أنه قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب بالمال والعقل. فنزلت هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في سورة النساء : يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( النساء : ٤٢ ) فكان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة : أن لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه، فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ ) فهل أنتم منتهون قال عمر انتهينا انتهينا٢.
ولا يتوقف فهم معنى الآيات على شيء من هذه الروايات ويظهر من مجموعها أن القطع بتحريم الخمر والنهي عنها كان بعد تمهيد بالذم والنهي عن السكر في حال قرب الصلاة وأوقات الصلوات متقاربة فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران وهو الذي تدل عليه الجملة الحالية ( وأنتم سكارى ) التي قيد بها النهي كما سنبينه في تفسير الآية من سورة النساء، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما لا يخفى.
قال الفقهاء والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بها كثيرا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق. والذي كان يتبادر لولا الروايات أن آية سورة النساء هي التي نزلت أولا فكانوا يمتنعون عن الشرب في أكثر الأوقات لئلا تفوتهم الصلاة، وأما آية المائدة فلا شك أنها آخر ما نزل لأنها أكدت النهي، وبينت علة التحريم بالتعيين، على أن السورة برمتها من آخر السور نزولا٣.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية وأن ما أتى بعدها فهو من قبيل التوكيد لأن لفظ الإثم يفيد المحرم قال تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ( الأعراف : ٣٣ ). ولكن ذهب الجمهور إلى أن التحريم كان تدريجيا كما تقدم. ووجهه الأستاذ الإمام بأنه المنقول والمعهود في حكمة التشريع، وقال إن الإثم هو الضرر، فتحريم كل ضار لا يقتضي تحريم ما فيه جهة ومنفعة من جهة أخرى، لذلك كانت هذه الآية موضعا لاجتهاد الصحابة فترك لها الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون، كأنهم رأوا أنه يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها، فكان ذلك تمهيدا للقطع بتحريمها ولو فوجئوا بالتحريم ومع ولوع الكثيرين بها واعتقادهم منفعتها لخشي أن يخالفوا أو يستثقلوا التكليف، فكان من حكم الله أن رباهم على الاقتناع بأسرار التشريع وفوائده ليأخذوه بقوة وعقل.
لفظ الخمر منقول من مصدر خمر الشيء بمعنى ستره وغطاه، يقال خمرت الشيء إذا سترته وخمرت الجارية ألبستها الخمار وهو النصيف الذي تغطي به وجهها وتخمرت هي واختمرت. والوجه في النقل أن هذا الشراب يستر العقل ويغطيه، أو هو من خامره بمعنى خالطه، يقال خامره الداء أي خالطه وهو ما صرح به عمر في خطبة له على منبر النبي صلى الله عليه وسلم أو بمعنى التغيير، يقال خمر الشيء ( كعلم ) إذا تغير عما كان عليه، والعصير يتغير فيكون خمرا، أو بمعنى الإدراك من خمر العجين ونحوه فاختمر أي بلغ وقت إدراكه.
وقال ابن الأعرابي إنه يقال سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها. وجميع هذه المعاني ظاهرة في هذه الأشربة المسكرة كلها كما قال ابن عبد البر فيصح إطلاق اسم الخمر لغة على كل مسكر وهذا ما ذهب إليه أشهر علماء اللغة كالجوهري وأبو نصر القشيري وأبو حنيفة الدينوري والمجد صاحب القاموس. والظاهر أن هذا الإطلاق حقيقي ولا وجه للعدول عنه إلا أن يصح أن العرب كانت تسمي نوعا خاصا من المسكرات خمرا ولا تطلق اللفظ على مسكر سواه وهو ما زعمه بعض الناس، والحنفية على أن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد زاد بعضهم ثم سكن وقيل إذا اشتد فقط. ويرده أن الصحابة وهم صميم العرب فهموا من تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما كان من العنب وما كان من غيره، بل قال أهل الأثر إن الخمر حرمت بالمدينة ولم يكن شرابهم يومئذ إلا نبيذ البسر والتمر، فهو الذي تناوله نص القرآن ابتداء.
وأخرج أبو داود : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة. والخمر ما خامر العقل : وكأن هذا كل ما كان يعرف ولا شك أن غيره مثله. والأحاديث الصحيحة في ذلك ومنها حديث الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي ( كل مسكر خمر ) ٤ وروي بزيادة ( وكل خمر حرام ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يجلدون كل من سكر ويعبرون عن ذلك بحد الخمر أو عقوبته، يقول المخصصون إن ما ورد في الحديث اصطلاح شرعي لا لغوي، ونقول إن ما ورد في الحديث اصطلاح شرعي لا لغوي، ونقول إن الذي أنزل عليه الذكر ليبين للناس ما نزل عليهم قد بين لهم أن الخمر التي نهى الله عنها في كتبه هي مسكر فلا فرق في حكمها بين مسكر وآخر، هذا البيان قطعي متواتر لأن العمل عليه وفي حديث أبي داود وغيره ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) ٥ ٦.
وأما المسير فهو القمار واشتقاقه من يسر إذا وجب، أو من اليسر بمعنى السهولة لأنه كسب بلا مشقة ولا كد أو من اليسار وهو الغني لأنه سببه للرابح أو من اليسر بمعنى التجزئة والاقتسام يقال يسروا الشيء إذا اقتسموه. قال الأزهري المسير الجزور ( الجمل ) كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر أي لأنه يجزئ لحم الجزور ثم صار يقال للمتقامرين جازرون لأنهم سبب الجزر والتجزئة، هذا هو الأصل.
أما كيفيته عند العرب فهي أنه كان لهم عشرة قداح ( جمع قدح بالكسر ) وتسمى الأزلام والأقلام٧ وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس ( ككتف ) والمسبل والمعلى والنافس والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرين جزءا، وليس للثلاثة الأخيرة شيء فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة وهو أعلاها، ولذلك يضرب به المثل لمن كان أكبر حظا أو نجاحا من غيره في كل شيء مفيد له فيقال : صاحب القدح المعلى. وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الربابة وهي الخريطة، ويضعونها على يد عدل يجلجلها ويدخل يده فيخرج منها واحدا باسم رجل، ثم واحدا باسم رجل الخ. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المرسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم ( بالتحريك ) وهو في الأصل ثمر العضاه لا ينتفع به، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال :
كل سهام الياسرين عشره *** فأودعوها صحفا منشره
ولها فروض ولها نصيب *** الفذ والتوأم والرقيب
والحلس يتولهن ثم النافس *** وبعده مسبلهن السادس
ثم المعلي كاسمه المعلى *** صاحبه في الياسرين الأعلى
والوغد والسفيح والمنيح *** غفل فما يرى ربيح
وقد اختلفوا هل الميسر ذلك النوع من القمار بعينه أم يطلق على كل مقامرة، ولكن لا خلاف بين الفقهاء في أن القمار محرم إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبا فيهما للاستعداد للجهاد، وليس منها سباق الخيل المعروف في عصرنا فإنه شر القمار الذي ترجع جميع أنواعه إلى كونها من أكل أموال الناس بالباطل.
قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس قرأ حمزة والكسائي : كثير بالمثلثة من الكثرة وقرأ الباقون : كبير من الكبر. والإثم كل ما فيه ضرر وتبعه من قول وعمل أي قل أيها الرسول إن في تعاطي الخمر والميسر إثم كثير المفاسد وذنب كبير الضرر وإنما كان إثم الخمر كبيرا لأن مضراتها والتبعات التي تعقبها كبيرة، والضرر يكون في البدن والنفس والعقل والمال، ويكون في التعامل وارتباط الناس بعضهم ببعض. ولا يوجد إثم من الآثام يدخل ضرره في كل شيء كالخمر من الأفعال والكذب من الأقوال، وأنواع هذا الضرر كثيرة فمن مضرات الخمر الصحية إفساد المعدة والإقهاء ( فقد شهوة الطعام ) وتغيير الخلق فالسكارى يسرع إليهم التشوه، فتجحظ أعينهم، وتمتقع سحنتهم، وتعظم بطونهم، بل قال أحد أطباء الألمان إن السكور ( كثير السكر ) ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين، ويكون كالهرم جسما وعقلا، ومنها مرض الكبد والكلي، وداء السل الذي فتك في البلاد الأوروبية فتكا ذريعا على عناية أهلها بقوانين الصحة، ولكن لا وقاية من شرور السكر إلا بتركه، وقد قيل إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوروبا بداء السل. ولم يكن هذا الداء معروفا أو منتشرا في مثل هذه البلاد ( مصر ) قبل شيوع السكر فيها، فهو من الأدواء التي حملها إليها الأوروبيون، وقد كثر كثرة فاحشة في مصر على أن جوها لا يساعد على انتشاره.
وأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس وليس ضرره خاصا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر، بل السكر يضعف القوة العاقلة، وكثيرا ما ينتهون بالجنون، ولأحد أطباء ألمانية كلمة اشتهرت كالأمثال وهي " اقفلوا لي نصف الحانات، أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ ( التكايا ) والسجون ".
وقد قال الأطباء إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل، فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم
٢ أخرجه أبو داود في الأربة باب ١، والترمذي في تفسير سورة ٥، باب ٨، ٩، وأحمد في المسند ١/٥٣..
٣ المروي المشهور إن سورة البقرة أول سورة نزلت بعد الهجرة، ونزلت سورة النساء في السنة السابعة بعد صلح الحديبية وسورة المائدة في الثامن بعد فتح مكة..
٤ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الأدب باب ٨٠، والأحكام باب ٢٢، والمغازي باب ٦٠، ومسلم في الأشربة حديث ٧٣-٧٥، وأبو داود في الأشربة باب ٥، ٧، والترمذي في الأشربة باب ١، ٢، والنسائي في الأشربة باب ٥٣، وابن ماجه في الأشربة باب ٩، ١٣، ١٤، والدرامي في الأشربة باب ٨، ومالك في الضحايا حديث ٨، وأحمد في المسند ١/٢٧٤، ٢٨٩، ٣٥٠، ٢/١٦، ٢٩، ٣١، ٩١، ١٠٥، ١٥٨، ١٧١، ١٧٥، ٤٢٩، ٥٠١، ٣/٦٣، ٦٦، ١١٢، ١١٩، ٢٣٧، ٣٦١، ٤٢٢، ٤/٤١٠، ٤١٦، ٤١٧، ٥/٣٥٦، ٦/٣١٤، ٣٣٣..
٥ أخرجه أبو داود في الأشربة باب ٥، والترمذي في الأشربة باب ٣، والنسائي في الأشربة باب ٢٥، وابن ماجه في الأشربة باب ١٠، والدارمي في الأشربة باب ٨، وأحمد في المسند ٢/٩١، ١٦٧، ١٧٩، ٣، ٣٤٣..
٦ هذا ما كتبته في تفسير هذه الآية ثم إنني بسطت الكلام في الخمر لغة وشرعا نصا واجتهادا في التفسير آيات سورة المائدة (المؤلف)..
٧ جمع زلم وقلم، وهي قطع من الخشب والزلم والقلم القطع..
تفسير المنار
رشيد رضا