آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته،
إن قيل: الإنسان راج لرحمة الله وإن لم يبلغ هذه المنازل، قيل: إن الذي نسميه رجاء لن لم يبلغ مثل هذه المنازل، فهو تمن على الله المعني بقوله عليه السلام: " والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى علي الله الأماني " أو رجاء لتفصيل غير مستحق، وما ذكره الله- عز وجل- هاهنا هو الرجاء المستحق الذي وصف به المؤمنين في غير موضع نحو قوله: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...
إن قيل: لم ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وهي لهم لا محالة؟ قيل: المؤمن وإن بذل الجهد في طاعته، فواجب أن يكون بين نظرين، نظر إلى سعة رحمة الله عز وجل، ونظر إلى ما عسى أن يقع أو وقع منه من ذنب فينتج له خوفاً...
قوله- عز وجل -:
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
الآية (٢١٩) - سورة البقرة.
الخمر: ستر الشيء وقال لما يستتر به خمار، لكن للخمار صار الخمار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت المرأة، وتخمرتُ، وخمرتُ الإناء غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، ودخل في خمار الناس أي في جماعتهم يسترونه، والخمار الموروث من الخمر جعل ماؤه ماء الأدواء، نحو الكباد، والصداع، وخامره الحزن إذا استولى عليه حتى سترفهمه وفكره، وبنحوه سوي غماً، وأصله من الستر، ومن الناس من جعل الخمر اسماً لدى مسكر، ومنهم من جعله
اسماً للمتحد من التمر والعنب، لقوله- عليه السلام-: " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة "، ومنهم من جعلها اسماً لما لم يكن مطبوخاً، ثم كمية الطبخ الذي يخرجها عن كونه خمراً مختلف فيها، والميسر آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسراً تشبيهاً به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسراً، وسمي ذلك يسراً لاعتقادهم أنه غني للفقراء وأشار الله- عز وجل- بقوله: وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم
متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله تبارك وتعالى تحريم الخمر على الناس لما رأى في ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيراً منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافياً لذكر الله وعبادته،
فقال: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وعلى قريب من هذا الكلام في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي- عليه السلام- " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله "، وقرئ: إثم كبير وكثير، فكبير لقوله تعالي: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية، وبقوله الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وعظيم وكبير متلازمان، ولأن جلهم قرأ: أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، ومن قرأ الكثير فنظر منه إلي ما روي عن النبي - ﷺ - في صفة الخمر ومشتريها وبائعها: " لعن الله عشرة: مشتريها، وبائعها وعاصرها، والمعتصرة له، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وشاربها، وآكل ثمنها.. ".
صفحة رقم 451
وقوله:
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ إن قيل؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين؟
قيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق، وعمن ينفق عليه، فبين لهم الأمران، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق، فأجيبوا بحسبه، فبين أن الذي ينفق هو العفو، وقال ابن عباس: هو الفضل عن الغني، وهو الذي قال الشاعر:
أذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجد...
بفضل الغني ألفيت مالك حامد
وقال الحسن وعطاء:
هو القصد الذي لا إسراف فيه ولا إقتار، وقال مجاهد:
هو الصدقة المفروضة، وكل ذلك مراد، فإن أفل ما تطيب به نفس المسلم هو الصدقة الواجبة، ومن لم تطب نفسه فليس بتام الإيمان، ثم منهم من تطيب نفسه ببذل جل ماله، ومنهم من تطيب لكل ماله، كأبي بكر- رضي الله عنه- فإذن العفو متناول لما هو واجب ولما هو تبرع، وقرئ (العفو) بالرفع والنصب، وذلك لتقديرين مختلفين في ماذا، فإن ماذا تارة تقدر تقدير اسم واحد، فيكون مفعول ينفقون يحق أنه المطابق له بالنصب، وتارة يقدر تقدير اسمين مبتدأ وخبر، فيكون جوابه المطابق له رفعاً أي: " هو العفو "، وقوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فيه حث على تجنب الخمر والميسر، وتنبيه على تحريمهما، فإن في التفكر في الدنيا والآخرة معرفتهما ومعرفة منافعهما، وأن النفع القليل في الدنيا لا يجب أن يشترى بكثير الإثم في الآخرة..
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار