ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

الخمر والميسر
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون( ٢١٩ ) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم( ٢٢٠ )
المفردات :
الخمر : ما أسكر من عصير العنب، ثم أصبح اسما لكل ما أسكر، وسميت خمر لأنها تستر العقول ***
وتغطيه، من خمر شيء إذا ستره وغطاه.
الميسر : القمار من اليسر وهو السهولة، لأنه كسب بلا مشقة ولا كد.
الإثم : الذنب أو الشر أو الضرر.
العفو : الفضل والزيادة على الحاجة.
تمهــيد :
جاء الإسلام رحمة مهداة، ورسالة عامة للناس أجمعين.
وحين قرر الإسلام ما يتصل بجانب العقيدة فإنه كان حازما من أول لحظة فأعلن الوحدانية الخالصة لله، وقال سبحانه : قل هو الله أحد*الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفوا أحد . ( سورة الإخلاص ).
وإذا عالج الإسلام أوضاعا اجتماعية تدخل في عادات الناس وما تعودوا عليه فإنه يلجأ على الحكمة، والتدرج في التشريع ومن ذلك تحريم الخمر، فقد جاء الإسلام والخمر منتشرة بيت العرب يشربونها عند الحرب لتمنحهم الشجاعة، ويشربونها في السلم لأنها تولد خيالات سارة، وتوهم الفقير بأنه غنى وتوهم الصعلوك بأنه أحد الملوك، على حد قول القائل :
فإذا سكـرت فإننــي *** رب الخـورنق والسديـر
وإذا صحوت فإننــي *** رب الشويهـة والبعيــر
وللخمر مع ذلك آثار ضارة، منها لآثار صحية وآثار اجتماعية، فهي تضر بالصحة وتذهب بالمال وتغتال العقل، وتجعل المخمور آلة للسخرية بين الناس.
وقد أحس كثير من العقلاء بضررها وامتنعوا عن تناولها زهدا في آثارها السيئة.
ولتمكن الخمر نفوس العرب، لم يحرمها الله مرة واحدة بل حرمها بالتدريج.
فذكر أن لها منافع ومضارا، ولكن ضررها أكثر من نفعها، وكان هذا لتحريكك العقول نحو تركها، فما أكثر ضرره وجب تركه. ثم حرم الله الخمر عند الصلاة وبذلك ضيق أوقات السكر وحددها، ثم حرم الله الخمر تحريما قاطعا، وأمر باجتنابها وأكد النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها فأعلن ذلك بين المسلمين فأراقوا الخمر في شوارع المدينة، امتثالا لأمر الله وهذا العمل يعبر عن صدق المؤمنين وامتثالهم لأمر الله وإتباعهم لمرضاته.
روى الإمام أحمد عن عمر، أنه قال :" لما نزل تحريم الخمر قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير . فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا الخمر بيانا شافيا( ١٦٠ )، فنزلت الآية التي في النساء : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . ( النساء : ٤٣ ).
فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى : أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، اللهم بين لنا الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في المائدة : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون*إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون . ( المائدة : ٩٠-٩١ ).
فقال عمر : انتهينا انتهينا، إنما تذهب المال وتذهب العقل( ١٦١ ).
التفسير :
يسألونك عن الخمر والميسر...
أي يسألونك عن حكم تناول الخمر، أحلال أم حرام، ومثل بيعها وشراؤها ونحو ذلك مما يدخل في التصرفات التي تخالف الشرع وعن حكم استعمال الميسر وفعله.
قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما...
أي قل لهم : إن في تعاطي الخمر والميسر إثما لأن فيهما أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة، وفيهما منافع للناس وضررهما أكبر من نفعهما.
أما ضرر الخمر من أي نوع اتخذت فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالا للشك فيه، فإن شرب الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد وضعف المعدة وضعف مقاومة الجسم للأمراض وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة أن نسبة الوفيات بين المدمنين ترتفع على خمسين في المائة، على حين لا تتجاوز نسبتها في غير المدمنين أربعا وعشرين في المائة( ١٢٦ ).
وتأثيرها في العقول ملموس فقد تمت تجارب عديدة ثبت منها الغول( الكحول ) المتولد في الخمر سبب مباشر لخمس الإصابات في مستشفى الأمراض العقلية( ١٦٣ ).
معاني الخمر :
١. الخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه :
" خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل أي تغطيه وتستره.
٢. سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى لأدركت كما يقال : قد اختمر العجين أيبلغ إدراكه، وخمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه.
٣. سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة، ومنه قولهم دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم.
والمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل والأصل الستر( ١٦٤ ).
الخمر والنبيذ :
أجمع جمهور العلماء على أن كلمة خمر تشمل كل شرب مسكر، سواء كان من عصير العنب أم من الشعير أممن التمر أم من غير ذلك، وكلها سواء في التحريم. قل المشروب منها أم كثر، سكر شاربه أم لم يسكر، ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة " ( ١٦٥ ).
ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره.
وقال أبوا حنيفة والثوري وابن أبى ليلي وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : " إن كلمة الخمر لا تطلق إلا عللا الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما السكر من غيره كالشراب المتخذ من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا، وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب.
أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال، وإذا سكر منها احد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه.
ورأى الحنيفة ومن وافقهم رأي ضعيف يرده النظر والخبر( ١٦٦ ).
قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لهم خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها، والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : حمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرها البسر والتمر. أخرجه البخاري واتفق الأئمة عن رواية " أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أي أواني الخمر وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك طله خمر " أي وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك( ١٦٧ ).
وقال الألوسي : " وعندي أن الحق الذي ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب، كيف كان وبأي اسم سمى، متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام، وقليله ككثيره ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة. وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " ( ١٦٨ ). والأحاديث متضافرة على ذلك ولعمر إن اجتماع الفسق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة، وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون، وإنا لله وإنا إليه راجعون " ( ١٦٩ ).
دعوى باطلة :
ادعى بعض المعاصرين أن القرآن لم ينص على تحريم الخمر، بل قال " فاجتنبوه " وهو في نظرهم حث على الاجتناب وليس أمرا قاطعا يدل على تحريم الخمر.
ونقول لهؤلاء : إن الله عز وجل حرم الخمر تحريما قاطعا.
فذكر القرآن أنها رجس من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها ونهانا عن الاقتراب منها باستفهام تقريعي يدل على غاية التهديد قال سبحانه : فهل أنتم منتهون ؟
وعندما سمع الصحابي الآيتين٩٠-٩١ من سورة المائدة قالوا : انتهينا، وأريقت الخمر في شوارع المدينة.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى اتله عليه وسلم بروايات متعددة وأسانيد مختلفة تثبت حرمة الخمر وضررها.
قال صلى الله عليه وسلم : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " ( ١٧٠ ).
" والأحاديث في تحريم الخمر أكثر من أن تحصى حتى قال العلماء : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على تحريمها وبذلك استقرت الحرمة حكما للخمر في الإسلام وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن لوازم ذلك أم من استحلها وأنكر حرمتها، يكون خارجا عن الإسلام وأم من يتناولها طائعا مختارا يكون فاسقا عن أمر الله خارجا عن حدوده عاصيا لأحكامه( ١٧١ ).
حكم الخمر :
من أحكام الإسلام في الخمر ما يأتي :
حرمة تناولها، حرمة الانتفاع بذاتها، حرمة إهدائها حرمة بيعها والانتقام بمثلها، إهدار قيمتها، وجوب العقوبة عليها إثبات مضارها الصحية والعقلية والمالية والنفسية.
الخمر أم الخبائث :
الخمر مفتاح كل شر، فلإنسان إذا سكر هذى إذا هذى افترى وتجرأ على المنكر القبيح " ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته، وربما يمسح بهما وجهه، حتى رأى بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ".
بل إن الخمر دليل على الزنا، ومن القولة المشهورة لأحد الفضلاء أيشرب هذا نساؤكم ؟ قالوا نعم. قال : زنين ورب الكعبة.
" والخمر والميسر يجران إلى الإثم والمخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله ".
" روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فهي أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له : إنا ندعوك للشهادة. فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذا الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام، قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته، قال : زيدوني، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس. فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه( ١٧٣ ).
" وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يرد محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة، فقال : إن خدمة الرب واجبة، فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء، فقال : اصطناع المعروف واجب، فقيل له : إنه ينهى عن الزنى، فقال : هو فحش وقبح في العقل، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه، فقيل له : إنه ينهي عن شرب الخمر، فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه. فرجع، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجه إليه، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات( ١٧٤ ).
" وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة( ١٧٥ ) ابنته وهو سكران، وسب أبويه ورأى القمر فتكلم في شيء، وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه، وفيها يقول :
رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنبهم بها الأمر العضيما
* * *
ويقول أبو الطيب المتنبي :
وغير فؤادي للغواني رمية *** وغير بناني للزجاج ركاب
وللسر منى موضع لا يناله *** صديق ولا يطغى إليه شراب
وللخمود مني ساعة ثم بيننا *** فلاة على غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا عزة وطماعة *** يعرض قلب نفسه فيصاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة *** فليس لنا إلا بهن لعاب
الميسر :
الميسر هو القمار بكسر القاف وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر كالموعد من عد، وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة، لأن المال يجيء للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه.
وقال القرطبي : " الميسر قمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه بماله وأهله فنزلت الآية " ( ١٧٦ ).
وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب، أنهم كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام والأقلام أيضا ( واحدها قدح وزلم وقلم وهي قطع من الخشب ) وأسماؤها الفذ والتؤم والرقيب والجلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفح والرغد، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها إما عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرون جزءا ولا شيء للثلاثة الأخيرة.
فكانوا يعطون للفذ سهما، وللتؤم سهمين، وللرقيب ثلاثة، وللجلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ومن ثم يضرب به المثل فيقال لذي الحظ الكبير من كل شيء( هو صاحب القدح المعلى ).
ومجموع هذه الأنصباء ٢٨ سهما كالآتي :
١+٢+٣+٤+٥+٦+٧=٢٨.
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرعاية وهي الخريطة توضع على يد عدل يجلجلها، ويدخل يده فيها ويخرج منها واحدا باسم رجل ثم واحد باسم رجل آخر وهكذا، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، زمن خرج له القدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها شيئا، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم ( الوغد : الل


تمهــيد :
جاء الإسلام رحمة مهداة، ورسالة عامة للناس أجمعين.
وحين قرر الإسلام ما يتصل بجانب العقيدة فإنه كان حازما من أول لحظة فأعلن الوحدانية الخالصة لله، وقال سبحانه : قل هو الله أحد*الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفوا أحد . ( سورة الإخلاص ).
وإذا عالج الإسلام أوضاعا اجتماعية تدخل في عادات الناس وما تعودوا عليه فإنه يلجأ على الحكمة، والتدرج في التشريع ومن ذلك تحريم الخمر، فقد جاء الإسلام والخمر منتشرة بيت العرب يشربونها عند الحرب لتمنحهم الشجاعة، ويشربونها في السلم لأنها تولد خيالات سارة، وتوهم الفقير بأنه غنى وتوهم الصعلوك بأنه أحد الملوك، على حد قول القائل :
فإذا سكـرت فإننــي *** رب الخـورنق والسديـر
وإذا صحوت فإننــي *** رب الشويهـة والبعيــر
وللخمر مع ذلك آثار ضارة، منها لآثار صحية وآثار اجتماعية، فهي تضر بالصحة وتذهب بالمال وتغتال العقل، وتجعل المخمور آلة للسخرية بين الناس.
وقد أحس كثير من العقلاء بضررها وامتنعوا عن تناولها زهدا في آثارها السيئة.
ولتمكن الخمر نفوس العرب، لم يحرمها الله مرة واحدة بل حرمها بالتدريج.
فذكر أن لها منافع ومضارا، ولكن ضررها أكثر من نفعها، وكان هذا لتحريكك العقول نحو تركها، فما أكثر ضرره وجب تركه. ثم حرم الله الخمر عند الصلاة وبذلك ضيق أوقات السكر وحددها، ثم حرم الله الخمر تحريما قاطعا، وأمر باجتنابها وأكد النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها فأعلن ذلك بين المسلمين فأراقوا الخمر في شوارع المدينة، امتثالا لأمر الله وهذا العمل يعبر عن صدق المؤمنين وامتثالهم لأمر الله وإتباعهم لمرضاته.
روى الإمام أحمد عن عمر، أنه قال :" لما نزل تحريم الخمر قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير . فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا الخمر بيانا شافيا( ١٦٠ )، فنزلت الآية التي في النساء : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . ( النساء : ٤٣ ).
فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى : أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، اللهم بين لنا الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في المائدة : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون*إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون . ( المائدة : ٩٠-٩١ ).
فقال عمر : انتهينا انتهينا، إنما تذهب المال وتذهب العقل( ١٦١ ).

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير