يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ( ٢١٩ )
أسئلة ثلاثة وإجابتها، وكلها يتصل بإصلاح المجتمع، وتقوية بنيانه، وكل واحد منها يتجه إلى ناحية إصلاحية، وكلها يتلاقى نحو مقصد واحد، وهو إقامة بناء المجتمع على دعائم من الفضيلة والمودة والتعاون على الخير، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وقد جاءت هذه المعاني الإصلاحية التي توثق الوحدة، وتقوي الروابط بعد الأمر بالجهاد مع بعض أحكام القتال، لأن القتال حماية للدولة من أن يلتهمها العدو الخارجي، والإصلاح في هذه المسائل الثلاث يتناول حماية الأمة من أن تأكلها نيران العدو الداخلي، وهو التنابذ، وأن تنظر كل طائفة للأخرى نظر العدو المترصد، لا نظر العضو المتعاون والأخ المتودد، ولأن الوحدة الداخلية والاتحاد المكين عدة القتال، وذخيرة الحرب، فقوة الحرب تستمد من السلم، ولأن مقصد الإسلام الأسمى هو إيجاد جماعة متآخية متحابة على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، ولكنه ما إن دعا بدعايته، حتى خرج عليه إخوان الشيطان يحاولون أن يبيدوه وأن يقضوا عليه في مهده، وفتن المسلمون في دينهم، وعذبوا في إيمانهم عذابا شديدا فأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وساروا على سنة الوجود، وهو أن يدافعوا ذلك العدو المعتدي الذي يريد الفتك بهم، حتى إذا دفعوه وأمنوا شره، أو فلوا قوته، وخضدوا شوكته، اتجهوا إلى إقامة مدينتهم الفاضلة، وإرساء قواعدها وحققوا بهذا القصد الأول، ومكنوا لأنفسهم وأعدوا بالفضائل عدة أقوى لمنازلة الأعداء.
و قد ابتدأ القرآن الكريم في إصلاح المجتمع الإسلامي بهذه المسائل والإجابة عنها، لأنها هي التي تنفي الأذى وتدفع الخطر الاجتماعي. ومن المقرر عند علماء الإسلام أن التخلية مقدمة على التحلية، أي أن نفي الإثم مقدم على جلب النفع، وأن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة، إذ إنه لا منفعة مع أن الفساد يشيع، والداء يستشري، والأذى يستمكن، ومثل الجماعة في علاجها من أدوائها، كمثل الجسم الإنساني في علاجه من أمراضه، فإن الطبيب النطاسي ١ لا يبادر بتقوية الجسم ويترك الجراثيم تفتك به بل يجتهد أولا وبالذات في محاربة هذه الجراثيم والقضاء عليها، ثم يقوي الجسم، وإن عمد إلى التقوية في أثناء العلاج فلتقوى المقاومة، ولتزداد الحصانة، ولتشتد المناعة، وغرضه الأول محاربة الآفات، وكذلك الأمر في إصلاح الأمم : يبتدئ بإماطة الأذى الذي يفتك بها، ثم يثني بأعمال الإنشاء، التي تقيم البناء.
و إن هذه الأسئلة الثلاثة – هي : السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن مقدار ما ينفق والسؤال عن اليتامى وإصلاحهم.
أما السؤال الأول، فقد جاء فيه قوله تعالى :[ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ] السؤال عن الخمر والميسر هو بلا شك عن الحل والتحريم لا عن الحقيقة والذات، فإنهم يعرفونهما بلا شك، وكان الأغنياء وذوو المقدرة فيهم منغمسين فيهما، ولذلك كان الجواب مشيرا إلى عدم رضا الشارع عنهما أو مشيرا إلى تحريمهما، لأن ما غلبت مضرته على منفعته – كما هو حكم الإسلام – يكون حراما، ولا يكون حلالا، وقد صرح سبحانه وتعالى بذلك، فكان يحق على المؤمن النقي النفس، الذي خلص من أدران الهوى أن يكتفي بذلك ويجتنبهما، وكذلك فعل خواص المؤمنين، والعلية من أصحاب الرسول الأمين كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين المقربين. ولقد كان عمر رضي الله عنه يحس أن شرب الخمر لا يسوغ في الإسلام، ولذا كان يدعو الله قائلا : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، خصوصا بعد أن نزلت الآيات التي تشير إلى التحريم، ولا تصرح به.
ولماذا السؤال عن الخمر والميسر، وممن كان السؤال ؟ إن السؤال بلا ريب من المؤمنين، ولم يكن من غيرهم، لأنهم رأوا الخمر تذهب الرشد، وتضعف العقل، وتجعل المرء يقع فيما لا يحسن، حتى أنه ليروى أن حمزة بن عبد المطلب شرب الخمر، فعقر ناقة لعلي بن أبي طالب قد أعدها ليحتطب عليها، ويجمع بذلك مهر فاطمة الزهراء، فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمه، ولما خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم كان سكران، فقال للرسول الكريم، ما أنتم إلا عبيد أبى ٢ ! فما كان المؤمنون الأولون وقد أرهف الإيمان قلوبهم وزكت أرواحهم، وطهرت نفوسهم ليرضوا عن الخمر، وإن لم يصرح القرآن بالتحريم، ولذلك كثر سؤالهم عنها، ليكون القطع في أمرها.
و لقد نزل في الخمر أربع آيات من القرآن الكريم :
أولها :[ و من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ٦٧ ] ( النحل ).
و الثانية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ].
والثالثة :[ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... ٤٣ ]( النساء ).
و الرابعة :[ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ٩٠ ]( المائدة ).
و لقد اتفق العلماء على أن الآية الأولى أول ما نزل في القرآن خاصا بالخمر، مشيرا إليها، لأنها نزلت بمكة، إذ أنها من صورة النحل وهي مكية. وقد اتفقوا على أن آية المائدة وهي الرابعة آخر آية نزلت في الخمر، لأنها القاطعة في التحريم، ولذا قال عمر عندما سمع قوله تعالى في آية المائدة :[ فهل أنتم منتهون٩١ ] ( المائدة ) : انتهينا، وشفى ذلك ما في نفس الفاروق من الخمر. والأكثرون على أن قول الله تعالى :[ يسألونك عن الخمر ] سبقت في النزول آية :[ يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... ٤٣ ] ( النساء ) ولكن يميل بعض المتأخرين ٣ إلى أن آية [ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ] مقدمة على آية [ يسألونك عن الخمر ] لأن هذه فيها إشارة إلى التحريم المطلق لأنه من المقررات الشرعية أنه إذا كان الضرر أكبر من النفع، فإن الحكم هو التحريم، وكذلك كل المحرمات ضررها أكبر من نفعها، ولا يكاد يوجد أمر يكون ضارا ضررا محضا، إذ أنه ما من ضار إلا وفيه نفع، وما من شر إلا كان فيه بعض الخير، وما من نفع إلا تأشب به بعض الضرر، والعبرة في التحريم بالغالب فإن غلب النفع كانت الإباحة، وإن غلب الضرر كان التحريم، فإذا كانت آية [ يسألونك عن الخمر ] قد صرحت بعلة التحريم فقد أومأت إلى التحريم المطلق، أما آية [ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ] فهي لم تصرح بالتحريم المطلق، بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو المعلل بكونه لأجل الصلاة، وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة التحريم المطلق مؤخرا عما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت، والمعلل بكونه لأجل الصلاة.
و قبل أن نترك الكلام في آيات الخمر عامة إلى الكلام في هذه الآية الخاصة [ يسألونك عن الخمر ] لابد أن نشير إلى معنى خاص بالآية الأولى وهو قوله تعالى :[ و من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا... ٦٧ ] ( النحل )، فقد فهم بعض الناس أنها تبيح الخمر، ومن المقررات العلمية في الإسلام أن ما أباحه الله لا يرد نص صريح بإباحته بل يكون متروكا لا نص فيه بالإباحة ولا بالمنع، ولذا يقول علماء الأصول أنه لا يكون مباحا، بل يكون في مرتبة العفو لأن ما فيه من أسباب التحريم قائم، ولكن لا نص يمنع، فيكون محل عفو الله، إذ لا عقوبة من غير نص، فيكف تكون هذه الآية مشيرة للإباحة ؟ والإجابة عن ذلك أن ذا الفهم المستقيم لا يأخذ من الآية الأولى دلالة على الإباحة لا بالإشارة ولا بالعبارة، بل إنها تدل على التحريم بالإشارة، وإن لم تكن قريبة بالإشارة في قوله تعالى :[ يسألونك عن الخمر والميسر ] ووجه الإشارة إلى التحريم في تلك الآية أن الله سبحانه وتعالى يمن عليهم بنعمه وذكرها لهم، فذكر أنه سبحانه وتعالى رزقهم ثمرات النخيل والأعناب فاتخذوا منها سكرا، ورزقا حسنا، أي أنهم أخذوا منه نوعين متقابلين : أحدهما مسكر والآخر شراب حسن وطعام جيد سماه رزقا حسنا، فتسميته أحد النوعين بأنه رزق حسن معنى ذلك أن مقابله ليس رزقا حسنا، بل هو استعمال سيء لما أنعم الله به، وفي ذلك بلا ريب إشارة إلى أنه مبغض غير مستحسن، ولا يقر من يتخذه كذلك على ما يفعل، فليس في هذه الآية إذن إشارة للإباحة بل فيها إشارة إلى التحريم أو تصريح بعدم الاستحسان أو ما هو فيه حكم التصريح من حيث الدلالة اللغوية.
و بعد ذلك نتكلم عن حقيقة الخمر عند الفقهاء، ثم نتكلم عما فيها من إثم، وما فيها من نفع، ووجه الكبر في إثمها والقلة في نفعها، وقبل أن نخوض في كلام الفقهاء نذكر الاشتقاق اللغوي لكلمة الخمر :
أصل كلمة خمر تستعمل بمعنى الستر، وبمعنى الترك، وبمعنى الاختلاط فيقال خمر بمعنى ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، ومنه : خمروا آنيتكم أي : غطوها، ويقال للشجر الملتف ( خمرا ) لأنه يستر بعضه بعضا ومنه قول القائل : دخل في غمار الناس وخمارهم، أي اختفى فيهم وستر بهم.
و من استعمالها بمعنى الترك قولهم : اختمر العجين، أي ترك حتى بلغ إدراكه، وقولهم خمر الرأي واختمر أي تركت حتى تبين وجه الحق فيه، ومن استعمالها بمعنى المخالطة أن يقول القائل : ما خمرني شك، أي خالطني شك.
و الخمر التي تسكر فيها المعاني الثلاثة، فهي تستر العقل، وهي لا تكون كذلك مسكرة إلا إذا تركت مدة طالت أو قصرت حتى تتكون منها المادة المسكرة، وهي تجعل الشارب لها يختلط عقله، ويغلب صوابه، فلا يعرف الحق من الباطل، واللائق من غير اللائق، والضار من النافع.
و قد اختلف الفقهاء في مدلول كلمة خمر التي نص عليها القرآن بالتحريم مع أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما، إنما موضع الخلاف في الأمر، الذي حرم بنص الآية أيشمل المسكرات كلها، فيدخل في عموم التحريم بالنص كل الأنبذة وكل المواد التي من شأنها أن تسكر، وإن لم يسكر المتناول فعلا سواء أكانت تلك المواد من عصير العنب أم من غيره.. أم أن النص الوارد بالتحريم في الخمر هو فيما كان من عصير العنب، و غيره من المحرمات ثبت تحريمه بالقياس عليه لتحقق علة التحريم فيه، ولعموم النص في الحديث "كل مسكر حرام "٤.
قال الجمهور الأول، وهو أن كلمة خمر تشمل كل مسكر، وحجتهم في قولهم أصل الاشتقاق لأن كل مسكر يتلاقى مع أصل الاشتقاق في الكلمة، لأنه يستر العقل، ويجعل الشارب مختلط الفكر مضطرب النظر لا يعرف الحق من الباطل، وقد تبين من قبل أصل الاشتقاق. وقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"كل مسكر خمر " فكان هذا تبيينا من النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى كلمة خمر، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين الأول للقرآن الكريم، فلا تفسير وراء تفسيره صلى الله عليه وسلم، ولقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" إن من العنب خمرا وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا "٥ فلم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره على عصير العنب، بل شمل أكثر المواد التي كان يتخذ العرب منها خمورهم.
و لقد فهم الصحابة، وهم من العرب الذين أوتوا علم هذه اللغة، تحريم كل مسكر عندما نزل قول
٢ متفق عليه، رواه بنحو من ذلك البخاري : كتاب المساقاة – بيع الحطب والكلأ(٢٢٠٢)، ومسلم : الأشربة – تحريم الخمر (٣٦٦٠) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
٣ قال الشيخ رحمه الله: ذكر ذلك الأستاذ الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا رضي الله عنهما..
٤ متفق عليه، رواه البخاري : كتاب المغازي – بعث أبى معاذ إلى اليمن (٣٩٩٧)، ومسلم : الأشربة – بيان أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٣٨٢٩)..
٥ رواه أبو داود : كتاب الأشربة (٣١٩١)، وبنحوه الترمذي (١٧٩٥)، وابن ماجة (٣٣٧٠)، وأحمد(١٧٦٢٧) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه .
زهرة التفاسير
أبو زهرة