قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ يحتمل النصب والرَّفع، فالنصب من خمسة أوجه :
أحدها : أن يكون نصبه على القطع.
الثاني : أنه نعت لربكم.
الثالث : أنه بدل منه.
الرابع : أنه مفعول ل " تتقون "، وبه قال أبو البقاء.
الخامس : أنه نعت النعت، أي : الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتاً للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتاً للنعت، نحو قولهم :" يا أيها الفارس ذو الجمة " ١ فذو الجمة نعت للفارس لا ل " أي " ؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره.
والرَّفع من وجهين :
أحدهما وهو الأصح : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو الذي جعل.
والثاني : أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك : فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر من وجهين :
أحدهما : أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره " الفاء ".
الثاني : عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر الاسم الظَّاهر إذا كان بمعناه نحو :" زيد قام أبو عبد الله " إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضَّمير، كأنه قال : الَّذي جعل لكم، فلا تجعلوا له أنداداً.
و " الذي " كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد٢ عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك٣ : ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الَّذي، وهو يحقّق قولهم : إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل.
وإذا ثبت هذا فقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً، والسّماء بناءً، وذلك تحقيق قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : ٢٥ ].
و " جعل " فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون بمعنى " صَيَّر " فتتعدى لمفعولين فيكون " الأرض " مفعولاً أول، و " فراشاً " مفعولاً ثانياً.
والثاني : أن يكون بمعنى " خلق " فيتعدّى لواحد وهو " الأرض " ويكون " فراشاً " حالاً.
و " السماء بناء " عطف على " الأرض فراشاً " على التقديرين المتقدمين، و " لكم " متعلق بالجعل أي : لأجلكم، والفراش : قيل : البساط، وقيل : مثلها.
وقيل : ما يوطأ، ويُقعد عليه.
واعلم أنه - تعالى - ذكر ها هنا أنه جعل الأرض فراشاً، ونظيره قوله : أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً
[ النمل : ٦١ ] وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً [ طه : ٥٣ ].
واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور :
قال ابن الخطيب٤ : أحدها : كونها ساكنة ؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات.
الثاني : ألا تكون في غاية الصَّلابة كالحجر ؛ فإن النّوم عليه والمشي مما يؤلم البدن، وأيضاً لو كانت الأرض من الذَّهب مثلاً لتعذّرت الزراعة ولتعذّر حفرها، وتركيبها لما يراد.
وألاَّ تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرِّجْل.
الثالث : ألاّ يكون في غاية اللّطافة والشفافية ؛ فإن الشفّاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن بالشمس فكان يبرد جدًّا، فجعل كيفية لونه أخضر ليستقر النور عليه، فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات.
الرابع : أن تكون بارزةً من الماء ؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطةً بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب٥ الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها [ من المياه ]٦ كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا.
ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً ألا تكون كرة واستدل بهذه الآية، وهذا بعيد ؛ لأن الكرة إذا عظمت جدًّا كانت القطعة منها كالسطح٧ في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتاداً للأرض ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى.
فَصْلٌ في منافع الأرض وصفاتها
فأولها : الأشياء المتولّدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار العلوية والسّفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى.
وثانيها : اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرّة، قال تعالى : وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ [ الرعد : ٤ ].
وقال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً [ الأعراف : ٥٨ ].
وثالثها : اختلاف طعمها وروائحها.
ورابعها : اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال تعالى : وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [ فاطر : ٢٧ ].
وخامسها : انصداعها بالنبات، قال تعالى : وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
[ الطارق : ١٢ ].
وسادسها : كونها خازنةً للماء المنزل، قال تعالى : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ [ المؤمنون : ١٨ ].
وسابعها : العيون والأنهار العظام.
وثامنها : ما فيها من المَفَاوِزِ والفَلَواتِ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [ ق : ٧ ].
وتاسعها : أن لها طبع الكرم ؛ لأنك تدفع إليها حبّة وهي تردها عليك سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : ٢٦١ ].
وعاشرها : حَبَاتها بعد موتها وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا
[ يس : ٣٣ ].
الحادي عشر : ما فيها من الدَّواب المختلفة الألوان والصّور والخلق وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ [ البقرة : ١٦٤ ].
الثانية عشرة : ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ ق : ٧ ].
وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم : كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [ طه : ٥٤ ] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرَّوَاء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحَلاَوَةِ والحموضة، ومنها كسوة البشر ؛ لأن الكسوة إمّا نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشَّعَر والصُّوف، والأَبْرَيْسَم، والجلود، وهي من الحيوانات التي بثَّهَا الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض ؛ ثم قال : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [ النحل : ٨ ].
وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله [ تعالى عالم بها ]٨.
فَصْلٌ
قال بعضهم : السَّماء أفضل من الأرض لوجوه :
أحدها : أن السَّماء متعبَّد الملائكة، وما فيها بقعة عُصي الله فيها.
وثانيها : لما أتى آدم - عليه الصلاة والسلام - في الجَنّة بتلك المعصية قيل : اهبط من الجنة، وقال الله :" لا يسكن في جواري من عَصَاني ".
وثالثها : وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً [ الأنبياء : ٣٢ ] وقوله :
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً [ الفرقان : ٦١ ] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك.
ورابعها : في أكثر الأمر ورد ذكر السَّماء مقدماً على الأرض في الذكر.
وقال آخرون : بل الأرض أفضل ؛ لوجوه :
أحدها : أنه - تعالى - وصف بقاعاً في الأرض بالبركة إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً [ آل عمران : ٩٦ ]، فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [ القصص : ٣٠ ] إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [ الإسراء : ١ ].
ووصف أرض " الشام " بالبركة فقال : مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [ الأعراف : ١٣٧ ].
ووصف جملة الأرض بالبركة فقال : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ [ فصلت : ٩ ] إلى قوله : وَبَارَكَ فِيهَا [ فصلت : ١٠ ].
فإن قيل : فأي بركةٍ في الفَلَواتِ الخالية، والمَفَاوزِ المُهْلِكَةِ ؟
قلنا : إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومَسَاكن النَّاس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركة قال تعالى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ
[ الذاريات : ٢٠ ] وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير المؤمنين، لكن لمَّا لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفاً لهم كما قال : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [ البقرة : ٢ ].
وثانيها : أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [ طه : ٥٥ ] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال : وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً [ الأنبياء : ٣٢ ].
وثالثها : أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً.
فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ
وهو من وجوه :
الأول : أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء : بالمصابيح وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [ الملك : ٥ ].
وبالقمر وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : ١٦ ] وبالشمس : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً [ نوح : ١٦ ].
وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة٩ بالدلائل السَّمعية١٠.
الثاني : أنه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شأنها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال : وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [ المرسلات : ٩ ]، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ
[ التكوير : ١١ ]، إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [ الانفطار : ١ ]، و إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [ الانشقاق : ١ ]، يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
[ الأنبياء : ١٠٤ ]، تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [ المعارج : ٨ ]، يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً [ الطور : ٩ ]. فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [ الرحمان : ٣٧ ].
وذكر مبدأها فقال : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [ فصلت : ١١ ] وقال : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا [ الأنبياء : ٣٠ ] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً
[ ص : ٢٧ ].
الثَّالث : أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد.
والبناء : مصدر " بنيت "، وإنما قلبت " الياء " همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و " أنزل " عطف على " جعل " و " من السماء " متعلّق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن تكون حالاً من " ما " ؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت حالاً، وحينئذ معناها التبعيض، وثَمَّ مضاف محذوف أي : من مياه السماء ماء.
وأصل " ماء " موه بدليل قولهم :" مَاهَتِ الرَّكِ
٢ - في أ: الفرد..
٣ - في أ: كقوله..
٤ - ينظر الرازي: ٣/٩٤..
٥ - في أ: فغلّب..
٦ -سقط في ب..
٧ - في أ: كالمسطح.
٨ - في ب: أعلم..
٩ - في أ: مبينة..
١٠ - في أ: السبعة..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود