و الذي جعل صفة للرب، و فلا تجعلوا معطوف على اعبدوا على أنه نهي، أو منصوب بأن، جواب له، و( الأنداد ) جمع ند، بكسر النون. وهو الشبه والمثل، و أنتم تعلمون حال من ضمير فلا تجعلوا أي : فلا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من أهل العلم.
يقول الحق جل جلاله : يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان، وبجوارحكم بالطاعة والإذعان، وبأرواحكم بالشهود والعيان، فأنا الذي أظهرتكم من العدم –أنتم ومن كان قبلكم- وأسبلت عليكم سوابغ النعم، الأرض تقلكم والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به أصنافا من الثمرات رزقا لكم ، فأنتم جوهرة الصدق، تنطوي عليكم أصداف مكنوناتي، وأنتم أطلعتكم على أسرار مكنوناتي، فكيف يمكنكم أن تتوجهوا إلى غيري ؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري، أنعمت عليكم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد، خصصتكم بنور العقل والفهم، وأشرقت عليكم نبذة من أنوار القدم، فبي عرفتموني، وبقدرتي عبدتموني، فلا شريك معي ولا ظهير، ولا احتياج إلى معين ولا وزير.
هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم ففيهم لضر العالمين منافع
وقال قبل ذلك :
فعبادة العارفين : بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين : بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية وعبادة الغافلين حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رفعت بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود. هم القصد للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق، والربع شاسع هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى واسمهم للصب في الحب شافع
فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشريعة، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملكوت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان ؟ ! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الامتنان ؟ ! مني كان الإيجاد وعلي دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلا، واتخذوني وكيلا، أعطكم عطاء جزيلا، وأمنحكم فخرا جليلا.
الإشارة : توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذين يعبدون الله تعظيما لحق الربوبية، وقياما بوظائف العبودية، وفيهم قال صحاب العينية١ :
| هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم | ففيهم لضر العالمين منافع |
| هم القصد للملهوف والكنز والرجا | ومنهم ينال الصب ما هو طامع |
| بهم يهتدي للعين من ضل في العمى | بهم يجذب العشاق، والربع شاسع |
| هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى | واسمهم للصب في الحب شافع |
فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشريعة، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملكوت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان ؟ ! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الامتنان ؟ ! مني كان الإيجاد وعلي دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلا، واتخذوني وكيلا، أعطكم عطاء جزيلا، وأمنحكم فخرا جليلا.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي