ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٣١ ) .
تفسير المفردات :
يقال بلغ البلد : إذا وصل إليه، ويقال أيضا بلغه إذا شارفه ودنا منه، يقول الرجل لصاحبه : إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى، يريد دنوت منها، لأن ذا طوى قبلها، والأجل يطلق على المدة كلها وعلى آخرها، فيقال لعمر الإنسان أجل وللموت الذي ينتهي به أجل، والمراد هنا زمن العدة، والمراد بالإمساك المراجعة، والمعروف ما ألفته العقول واستحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة، والمراد بالتسريح ترك المراجعة حتى تنقضي عدتها والضرار الضرر، والاعتداء الظلم، وآيات الله هي آيات أحكام الطلاق والرجعة والخلع ونحو ذلك، وهزوا أي مهزوءا بها بالإعراض عنها، والتهاون في المحافظة عليها، لقلة الاكتراث بالنساء وعدم المبالاة بهن، ونعمة الله هي الرحمة التي جعلها بين الزوجين، وما أنزل عليكم من الكتاب أي من آيات أحكام الزوجية التي تحفظ لكم الهناء في الدنيا والسعادة في الآخرة، والحكمة هي سر تشريع الأحكام وبيان ما فيها من منافع ومصالح.
المعنى الجملي :
بعد أن بين فيما سلف كيفية الطلاق المشروع وعدده بقوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وأن الأصل فيه أن يكون بلا عوض بقوله : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ، وأن أخذ العوض لا يحل إلا بشرط ذكره بقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ .
ذكر هنا ما يجب في معاملة المطلقات، ونهى عن ضده، وتوعد على فعل ذلك الضد، وأرشد إلى المصلحة والحكمة في الإئتمار بذلك الأمر والانتهاء عن ذلك النهي.
الإيضاح :
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي وإذا طلقتم النساء فقاربن إتمام العدة، فاعزموا أحد الأمرين، إما إمساك المرأة بالمراجعة، أو إطلاق سبيلها بالمعروف الذي شرع لكم في الآية : الطلاق مرتان .
وإنما فسرنا بلوغ الأجل بقرب إتمام العدة، لأن الأجل إذا اقتضى حقيقة لم يكن للزوج حق إمساكها بالمعروف، إذ هي غير زوجة له، وفي غير عدة منه.
ثم أكد الأمر بالإمساك بالمعروف ووضح معناه بقوله :
وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ أي ولا تراجعوهن مريدين مضارتهن وإيذاءهن بالحبس وتطويل العدة لتلجئوهن إلى افتداء أنفسهن كما كانوا يتعاطونه في الجاهلية.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال : كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها، ثم يفعل ذلك ليضارها ويعضلها فأنزل الله هذه الآية.
وعن السدي قال : نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى انقضت عدتها إلا يومين، أو ثلاثة، ثم راجعها ثم طلقها مضارة لها فأنزل الله تعالى : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ .
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي ومن يفعل ذلك الإمساك المؤدي إلى الظلم فقد ظلم نفسه في الدنيا بسلوك طريق الشر وإقلاق راحة الضمير بالاعتداء، وبمناصبة المرأة وأسرتها العداء فيتألبون عليه وينفرون منه حتى يوشك ألا يصاهره أحد، كما ظلم نفسه في الآخرة بمخالفة أمر الله وتعرضه لسخطه.
وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا أي ولا تتهاونوا بحدود الله التي شرعها لكم في دينه جريا على سنن الجاهلية، فإن التهاون بعد هذا البيان والتأكيد يعد استهزاء بها.
وفي هذا وعيد شديد وتهديد لمن يتعدى هذه الحدود، وفيه حث للمسلمين على احترام صلة الزوجية والبعد عما كانوا يفعلونه في الجاهلية، إذ كانوا يتخذون هذه الصلة لعبا ويعبثون بطلاقهن ويمسكوهن عبثا ؛ فقد أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال : كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت ويعتق، ثم يقول لعبت فأنزل الله وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال :( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : الطلاق والنكاح والرجعة ).
وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ أي وتذكروا ما أنعم به عليكم من الرحمة التي جعلها بين الزوجين، وبها امتن علينا في قوله : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ومن جعل النكاح والطلاق والرجعة بأيدينا، وعدم التضييق في عدد النساء ؛ كما ضيق من سبقنا إذ أحل لهم امرأة واحدة ولم يحل لهم بعد موت المرأة زواج أخرى، وبما أنزل به عليكم من آيات أحكام الزوجية التي تجعلكم في هناء في الدنيا وسعادة في الآخرة، ومن الحكمة في سن تشريع الأحكام وبيان ما فيها من منافع ومصالح، إذ معرفة التشريع مع حكمته هي التي تحدث العبرة والعظة الباعثة على الامتثال.
وقد ذكرنا سبحانه بنعمته علينا أن مكننا من إقامة الصلة الزوجية على أتم نظام، وأن هدانا بهذا الدين القويم وحد لنا الحدود ووضع الأحكام مبينا حكمها وأسرارها، وأيدها بالمواعظ التي تهدي إلى إتباعها.
بيد أن الناس قد أعرضوا عن هذه النعم ففسدت بينهم تلك المودة والرحمة، وحجبهم عن الموعظة بالحكمة غرورهم بالقوة وطغيانهم بالغنى، وكفر النساء نعمة الرجال وتمادين في ذمهم والتبرم بهم، وقلد الناس بعضهم بعضا في ذلك.
واتقوا الله بامتثال أمره ونهيه في أمر النساء وتوثيق الصلة الزوجية، وترك ما ألف الناس من عدم المبالاة بعقد الزوجية الذي كانوا يرونه كعقد الرق والإجارة في المتاع الخسيس، بل كانوا يرونه دون ذلك، إذ كانوا يطلقون المرأة لأتفه سبب، ثم يعودون إليها، يفعلون ذلك المرة بعد المرة للضرار والإهانة.
فاعتياد المعاملة السيئة والأنس بها لا يقاوم إلا بتعظيم شأن عقد الزوجية والمبالغة في تأكيده بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد.
نعم، كان لذلك أحسن الأثر في أولئك الخارجين من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ثم خلف من بعدهم خلف أعرضوا عن القرآن وجهلوا ما فيه من الحكم والأحكام، حتى صاروا شرا مما كان عليه أهل الجاهلية من ظلم النساء ومعاملتهن بالقسوة دون مراعاة لما أمر به الدين على لسان سيد المرسلين.
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه شيء مما يسره العبد أو يعلنه، وهو لا يرضى إلا التزام حدوده والعمل بأحكامه، مع الإخلاص وحسن النية، حتى يكون الباطن كالظاهر في الخير، ولا يتم إلا بمراقبة الله في العمل، والإخلاص له في السر والعلن، والعلم بأنه تعالى المطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير