ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

الجماع، إذ يكفي قليل انتشار. وفي قصة عبد الرحمن بن الزبير نزل قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ والحكمة في التحليل الردع عن المسارعة إلى الطلاق والعودة إلى المطلقة ثلاثا فَإِنْ طَلَّقَها أي طلق الزوج الثاني المطلقة ثلاثا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي المرأة والزوج الأول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد ومهر إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أحكام الله فيما بين المرأة والزوج وَتِلْكَ أي الأحكام حُدُودَ اللَّهِ أي فرائض الله يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) أنه من الله ويصدقون بذلك
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي آخر عدتهن ولم تنقض فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي فراجعوهن بغير ضرار بل بحسن الصحبة والمعاشرة أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي أو خلوهن حتى ينقضي أجلهن بغير تطويل وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً أي لا تراجعوهن بسوء العشرة وتضييق النفقة لِتَعْتَدُوا أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ولتطيلوا عليهن العدة. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار- يدعى ثابت بن يسار- طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي الإمساك المؤدي إلى الظلم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي أضر بنفسه بتعريضها إلى عذاب الله وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ أي أمر الله ونهيه هُزُواً بأن تعرضوا عنها وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ حيث هداكم إلى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية، أي فاشكروها واحفظوها. وَما أَنْزَلَ الله عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ أي القرآن وَالْحِكْمَةِ أي السنة يَعِظُكُمْ بِهِ أي يأمركم وينهاكم بما أنزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ في أوامره كلها ولا تخالفوه في نواهيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وتذرون وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ والخطاب إما للأزواج والمعنى حينئذ: وإذا طلقتم النساء فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن من يريدون أن يتزوجوهن فإن الأزواج قد يعضلون مطلقاتهم أن يتزوجن ظلما، وإما للأولياء فنسبة الطلاق إليهم باعتبار تسببهم فيه كما يقع كثيرا أن الولي يطلب من الزوج طلاقها. والمعنى حينئذ وإذا خلصتم النساء من أزواجهن بتطليقهن فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن من أن ينكحن الرجال الذين كانوا أزواجا لهن.
روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميلة عبد الله بن عاصم فطلقها وتركها حتى انقضت

غيره فلم يمسها، وأبو داود في كتاب الطلاق، باب: في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، والنسائي في كتاب الطلاق، باب: الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثا فتزوج فيطلقها قبل أن يدخل بها إلخ، والموطأ في كتاب النكاح، باب: نكاح المحلل وما أشبه، وأحمد في (م ١/ ص ٢١٤).

صفحة رقم 81

عدتها، ثم ندم، فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته! وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معقلا وتلا عليه هذه الآية فقال معقل: رغم أنفي لأمر ربي اللهم رضيت وسلمت لأمرك، ثم أنكح أخته زوجها الأول عبد الله بن عاصم إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ أي بأن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه بِالْمَعْرُوفِ أي بالجميل عند الشرع المستحسن عند الناس ذلِكَ أي تفصيل الأحكام يُوعَظُ بِهِ أي يأمر به مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المتعظ ذلِكُمْ أي العمل بالوعظ أَزْكى لَكُمْ أي أصلح وأنفع لكم وَأَطْهَرُ للقلوب من العداوة والتهمة بسبب المحبة بينهما وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه صلاح أموركم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) ذلك فدعوا رأيكم. وَالْوالِداتُ ولو مطلقات يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ من الأبوين وليس فيما دون ذلك حد وإنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي على الأب رِزْقُهُنَّ أي نفقتهن وَكِسْوَتُهُنَّ لأجل الإرضاع إذا كن مطلقات من الأب طلاقا بائنا لعدم بقاء علقة النكاح الموجبة لذلك فلو لم ترضعهم الوالدات لم يجب فإن كن زوجات أو رجعيات فالرزق والكسوة لحق الزوجية ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن منه وطلبن ما ذكر بِالْمَعْرُوفِ أي بغير إسراف وتقتير لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ بالنفقة على الرضاع إِلَّا وُسْعَها أي إلا بقدر ما أعطاها الله من المال لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها أي بأخذ ولدها منها بعد ما رضيت بما أعطى غيرها على الرضاع مع شدة محبتها له وَلا مَوْلُودٌ لَهُ أي لا يضار أب بِوَلَدِهِ بطرح الولد عليه بعد ما عرف أمه، ولا يقبل ثدي غيرها مع أن الأب لا يمتنع عليها من الرزق والكسوة وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ أي على الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى مثل ما على الأب من النفقة والكسوة، فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على الرضاعة ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الولدان وهو قول مالك والشافعي. وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين أخذا من
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث منا»
«١» فَإِنْ أَرادا أي الوالدان فِصالًا أي فطام الصبي عن اللبن قبل تمام الحولين عَنْ تَراضٍ أي باتفاق مِنْهُما لا من أحدهما فقط وَتَشاوُرٍ أي تدقيق النظر فيما يصلح الولد فَلا جُناحَ عَلَيْهِما

(١) رواه الحاكم في المستدرك (١: ٥٢٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢: ١٠٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٦٦٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠: ١٧٨)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٦٢١)، والسيوطي في جمع الجوامع (٩٨٢١)، وأبي نعيم في حلية الأولياء (٢: ١٨٢)، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٩٣).

صفحة رقم 82

في ذلك وكما يجوز عن النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه كذلك تجوز الزيادة عليهما فاتفاقهما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ أي إن أردتم أن تطلبوا مراضع لأولادكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في الاسترضاع إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع ما آتَيْتُمْ أي ما آتيتموهن إياه، أي ما أردتم إيتاءه لهن من الأجرة.
وقرأ ابن كثير وحده ما أتيتم مقصورة الألف أي «ما أتيتم» به أي ما أردتم إتيانه بِالْمَعْرُوفِ أي بالموافقة وليس تسليم الأجرة شرطا لصحة الإجارة بل لتكون المرضعة طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي وللاحتياط في مصالحه وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار والمخالفة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) فيجازيكم على ذلك وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً أي والذين تقبض أرواحهم من رجالكم ويتركون أزواجا ينتظرن بعدهم بأنفسهن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام. وهذه العدة سببها الوفاة عند الأكثرين لا العلم بالوفاة كما قال به بعضهم، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغ المرأة خبر وفاة زوجها وجب أن تعتد بما انقضى والدليل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا أولياء الميت في تركهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين وغيره من كل ما حرم عليهن في زمن العدة لأجل وجوب الإحداد عليهن بِالْمَعْرُوفِ أي بما يحسن عقلا وشرعا. وقيل: المخاطب بهذا الخطاب جميع المسلمين، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع، فإن عجز
وجب عليه أن يستعين بالسلطان وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر خَبِيرٌ (٢٣٤) فيجازيكم عليه وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي ولا حرج عليكم فيما طلبتم النكاح من النساء المعتدات للوفاة وللطلاق الثلاث بطريق التعريض، وهو ذكر كلام محتمل مؤكد بدلالة الحال على المقصود كأن يقول: إن جمع الله بيننا بالحلال يعجبني ذلك أو فيما أضمرتم في قلوبكم من قصد نكاحهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي إنما أباح لكم التعريض لعلمه بأنكم لا تصبرون على السكوت عنهن لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهى من العزم والتمني، وبأنه لا بدّ من كونكم ستذكرونهن بالخطبة فاذكروهن ولكن لا تواعدون بذكر الجماع وهو كما قال ابن عباس بأن لا يصف الخاطب نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول لها: آتيك الأربعة والخمسة إلا أن تساررونهن بالقول غير المنكر شرعا كأن يعدها الخاطب في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض وَلا تَعْزِمُوا أي لا تحققوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها وصارت منقضية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي

صفحة رقم 83

أَنْفُسِكُمْ
من العزم على ما نهيتم عنه فَاحْذَرُوهُ بالاجتناب عن العزم على ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى حَلِيمٌ (٢٣٥) لا يعاجلكم بالعقوبة عن ذنوبكم لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.
وقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء وبالألف بعد الميم، أي لا ثقل عليكم بلزوم المهر إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو ما لم تبينوا لهن مهرا فلا تعطوهن المهر. وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) أي أعطوهن متعة الطلاق جبرا لا يحاش الطلاق على الغني قدر ماله وإمكانه وعلى ضيق الرزق قدر ماله وطاقته تمتيعا بالوجه الذي تستحسنه الشريعة والمروءة واجبا على المؤمنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى طاعة الله تعالى، لأن المتعة بدل المهر. نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها
فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمتعها». قال: لم يكن عندي شيء، قال:
«متعها بقلنسوتك»
«١». وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ أي تجامعوهن وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أي وقد بينتم مهورهن فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ أي فنصف ما بينتم ساقط إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ إلا أن تسهل الزوجات بإبراء حقها فيسقط كل المهر أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي أو يسهل الزوج ببعث كل الصداق فيثبت الكل إليها. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي عفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للألفة وطيب النفس من عدم العفو الذي فيه التنصيف.
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي ولا تتركوا أن يتفضل بعضهم على بعض بأن يسلم الزوج المهر إليها بالكلية، أو تترك المرأة المهر بالكلية إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ من الفضل والإحسان بَصِيرٌ (٢٣٧) لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم عليه. حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس بأدائها في أوقاتها كاملة الأركان والشروط. وهذه المحافظة تكون بين العبد والرب كأنه قيل له:
احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وتكون بين المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي الفضلى. قيل: هي صلاة الصبح، وهو قول علي وعمر، وابن عباس وجابر، وأبي أمامة والباهلي- وهم من الصحابة- وطاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد- وهم من التابعين- وهو مذهب الشافعي. فإن أولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار. ولأنها منفردة في وقت واحد لا تجمع مع غيرها، ولأنها مشهودة لأنها تؤدي بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار وقيل: هي صلاة العصر وهو مروي عن علي وابن مسعود، وابن عباس وأبي هريرة فإنها متوسطة بين صلاة شفع وصلاة وتر، ولأن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل، فلما كانت معرفته أشق كانت الفضيلة فيها أكثر.

(١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٢٧٩٢٣)، وفيه «ولو بصاع»

صفحة رقم 84

وقال بعض الفقهاء: العصر وسط ولكن ليس هي المذكورة في القرآن، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر، أحدهما ثبتت بالقرآن والأخرى بالسنة، كما أن الحرم حرمان حرم مكة بالقرآن، وحرم المدينة بالسنة. واختار جمع من العلماء أنها إحدى الصلوات الخمس لا بعينها فأبهمها الله تعالى تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ليحافظوا على جميعها، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات. وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ (٢٣٨) أي ذاكرين داعين مواظبين على خدمة الله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً أي فإن خفتم من عدو وغيره فصلوا مشاة على أرجلكم بالإيماء في الركوع والسجود، أو راكبين على الدواب حيثما توجهتم. والخوف الذي يفيد هذه الرخصة، إما أن يكون في القتال أو في غير القتال. فالخوف في القتال: إما أن يكون في قتال واجب أو مباح فالقتال الواجب هو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ويلتحق به قتال أهل البغي. وكما إذا قصد الكافر نفسه فإنه يجب الدفع عنه لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام. وقد جوّز الشافعي أداء الصلاة حال المسايفة. والقتال المباح: هو أن يدفع الإنسان عن نفسه وعن كل حيوان محترم فيجوز في ذلك هذه الصلاة، أما إذا قصده إنسان بأخذ المال فالأصح أنه تجوز هذه الصلاة
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»
«١» فالدفع عن المال كالدفع عن النفس.
وقيل: لا تجوز لأن حرمة الروح أعظم، والخوف الحاصل في غير القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، والمطالب بالدين إذا كان معسرا خائفا من الحبس عاجزا عن بينة الإعسار فلهم أن يصلوا هذه الصلاة. فَإِذا أَمِنْتُمْ بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فافعلوا الصلاة كَما عَلَّمَكُمْ بقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه. والصلاة تسمى ذكرا كما في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩] ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) قبل بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم ف «ما» مفعول لعلمكم إن جعلت «ما» الأولى مصدرية، أما إن جعلت موصولة فما هذه بدل من الأولى أو من العائد المحذوف وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ

(١) رواه الترمذي في كتاب الديات، باب: ٢١، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: ٢٢٦، والبخاري في كتاب المظالم، باب: من قاتل دون ماله، وأبو داود في كتاب السنّة، باب:
في قتال اللصوص، والنسائي في كتاب التحريم، باب: من قتل دون ماله، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب: من قتل دون ماله فهو شهيد، وأحمد في (م ١/ ص ٧٩).

صفحة رقم 85

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية