ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبير، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ الْجَدِيدَ الصَّحِيحَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضًا لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا [الْأَحْزَابِ: ٤٩] قَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي أسَيد أَنَّهُمَا قَالَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَكَأَنَّمَا (١) كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أَسِيدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رازِقِيَّين (٢) (٣).
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُتْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ (٤) لَهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِذَا كَانَتْ مُفَوَّضَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَضَ لَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ شَطْرُهُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ الْجَمِيعُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِوَضًا لَهَا عَنِ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّمَا الْمُصَابَةُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَهَذِهِ الَّتِي دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى وُجُوبِ مُتْعَتِهَا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ: مَنِ اسْتَحَبَّهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مِمَّنْ عَدَا الْمُفَوَّضَةَ الْمُفَارِقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ: وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْكُورٍ (٥) وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ آيَةُ التَّخْيِيرِ فِي الْأَحْزَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَةِ: ٢٤١].
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عمرو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ذَكَرُوا لَهُ الْمُتْعَةَ، أَيُحْبَسُ فِيهَا؟ فَقَرَأَ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا حَبَسَ (٦) فِيهَا، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَحَبَسَ فِيهَا الْقُضَاةُ.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُتْعَةِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى (٧) حَيْثُ إِنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِصْفَ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ، وَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ وَاجِبٌ آخَرُ من

(١) في أ، و: "فكأنها".
(٢) في جـ: "درافتين".
(٣) صحيح البخاري برقم (٥٢٢٦).
(٤) في جـ: "ولم يعرض"
(٥) في جـ: "بمعلوم".
(٦) في جـ: "أحسن".
(٧) في أ: "الكريمة".

صفحة رقم 642

مُتْعَةٍ لَبَيَّنَهَا (١) لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهَا بِمَا قَبْلَهَا مِنَ اخْتِصَاصِ الْمُتْعَةِ بِتِلْكَ الْحَالَةِ (٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَشْطِيرُ الصَّدَاقِ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَا سَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِذَا خَلَا بِهَا الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ حَكَمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، لَكِنْ (٣) قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: -فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَخْلُو بِهَا وَلَا يَمَسُّهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا -لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَقْوَى (٤) وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَجٍّ (٥) بِهِ، فَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ يَقُولُهُ (٦).
وَقَوْلُهُ: إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَيِ: النِّسَاءُ عَمَّا وَجَبَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنَ النِّصْفِ، فَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِلا أَنْ يَعْفُونَ قَالَ: إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الثَّيِّبُ فَتَدَعُ حَقَّهَا. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَنَافِعٍ، وَقَتَادَةَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيِّ، نَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ: وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فَقَالَ: إِلا أَنْ يَعْفُونَ يَعْنِي: الرِّجَالُ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [قَالَ] (٧) :"وَلِيُّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ الزَّوْجُ".
وَهَكَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، بِهِ (٨). وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ (٩) وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ، (١٠) عَنْ عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ عَاصِمٍ -قَالَ: سَمِعْتُ شُرَيْحًا يَقُولُ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ طالب (١١)

(١) في أ: "لمسها".
(٢) في جـ: "المتعة مهما دلت عليه الآية الأولى بتلك الحالة".
(٣) في جـ: "ولكن".
(٤) في جـ، و: "بهذا أقول"، وفي أ: "بهذا القول".
(٥) في جـ: "غير صحيح".
(٦) في أ، و: "فهو مقوله".
(٧) زيادة من جـ، أ، و.
(٨) ورواه الدارقطني في السنن (٣/٢٧٩) من طريق قتيبة عن ابن لهيعة به، وذكر البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٥١) وقال: "هذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به، والله أعلم".
(٩) تفسير الطبري (٥/١٥٧).
(١٠) في جـ: "يعني ابن أبي حازم".
(١١) في أ: "علي بن أبي طلحة"، وفي و: "عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ".

صفحة رقم 643

عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ. فَقُلْتُ لَهُ: هُوَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا بَلْ هُوَ الزَّوْجُ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٍ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَنَافِعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي مِجْلز، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّهُ الزَّوْجُ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيِ (١) الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، فَإِنَّ بِيَدِهِ (٢) عَقْدَهَا وَإِبْرَامَهَا وَنَقْضَهَا وَانْهِدَامَهَا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُولِيَةِ لِلْغَيْرِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَاقِ.
قَالَ (٣) وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ -قَالَ: ذَلِكَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا، أَوْ مَنْ لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ الْوَلِيُّ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ (٤) الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي أَكْسَبَهَا إِيَّاهُ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِخِلَافِ سَائِرِ مَالِهَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَذِنَ اللَّهُ فِي الْعَفْوِ وَأَمَرَ بِهِ، فَأَيُّ امْرَأَةٍ عَفَتْ جَازَ عَفْوُهَا، فَإِنْ شَحَّتْ وَضَنَّتْ عَفَا وَلِيُّهَا وَجَازَ عَفْوُهُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ عَفْوِ الْوَلِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ شُرَيْحٍ. لَكِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ إِلَى أَنَّهُ الزَّوْجُ وَكَانَ يُبَاهِلُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: خُوطب بِهِ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ. حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ: أَقْرَبُهُمَا لِلتَّقْوَى الَّذِي يَعْفُو.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيُّ: الْفَضْلُ (٥) هَاهُنَا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ عَنْ شَطْرِهَا، أَوْ إِتْمَامُ الرَّجُلِ الصَّدَاقَ لَهَا. وَلِهَذَا قَالَ: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ [بَيْنَكُمْ] (٦) أَيِ: الْإِحْسَانَ، قَالَهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَأَبُوُ وَائِلٍ: الْمَعْرُوفُ، يَعْنِي: لَا تُهْمِلُوهُ بَلِ اسْتَعْمَلُوهُ بَيْنَكُمْ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسحاق،

(١) في جـ: "من مذهب".
(٢) في جـ: "فإن بيدها".
(٣) في جـ: "وقال".
(٤) في جـ: "وهو قول".
(٥) في جـ: والفضل".
(٦) زيادة من جـ.

صفحة رقم 644

حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ليأتينَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوض، يَعَضّ الْمُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَيَنْسَى الْفَضْلَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ شِرَارٌ يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرٍّ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَر، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فعُدْ بِهِ عَلَى أَخِيكَ، وَلَا تَزِدْهُ هَلَاكًا إِلَى هَلَاكِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحْزُنه (٢) وَلَا يَحْرِمُهُ" (٣).
وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَارُونَ قَالَ: رَأَيْتُ عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَجْلِسِ الْقُرَظِيِّ، فَكَانَ عَوْنٌ يُحَدِّثُنَا وَلِحْيَتُهُ تُرَش مِنَ الْبُكَاءِ وَيَقُولُ: صَحِبْتُ الْأَغْنِيَاءَ فَكُنْتُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ هَمًّا، حِينَ رَأَيْتُهُمْ أَحْسَنَ ثِيَابًا، وَأَطْيَبَ رِيحًا، وَأَحْسَنَ مَرْكَبًا [مِنِّي] (٤). وَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ بِهِمْ، وَقَالَ: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَدْعُ لَهُ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أموركم (٥) وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.

(١) في أ، و: "عبد الله".
(٢) في أ: "لا يخزيه".
(٣) وقد جاء من وجه آخر، رواه أحمد في المسند (١/١١٦) وأبو داود في السنن برقم (٣٣٨٢) من طريق أبي عامر المزني عن شيخ من بني تميم عن علي موقوفا عليه بنحوه.
(٤) زيادة من جـ، أ، و.
(٥) في جـ: "من أعمالكم".

صفحة رقم 645

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية