ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

١٧٧- معنى الآية : " أن نصف الصداق يسقط بالطلاق قبل الدخول ويثبت نصفه في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة، وهي حالة عفو المرأة الرشيدة غير المحجور عليها عن ذلك النصف فيسقط ".
فهو ثابت في جميع الحالات إلا في هذه الحالة، فهو استثناء من الحالات وأن وما سيقت فيه بتأويل المصدر، والمصدر في تأويل اسم المفعول المنصوب على الحال، تقديره : " فنصف ما فرضتم ثابت في جميع الحالات إلا معفوا عنه " و معفو عنه " حال منصوبة، فهو استثناء الأحوال، وهو استثناء متصل.
فإن قلت : الواو مع الفعل شأنها أن تكون ضميرا لمذكر، فما بالها وقعت هاهنا وليست ضميرا لمذكر ؟.
قلت الواو هاهنا ليست ضميرا، وإنما هي جزء الكلمة، مثل الواو في يدعو ويعلو ويسمو، وشأن ضمير جماعة النساء أن يدخل على آخر حرف الفعل فتسكنه إن كان صحيحا غير معتل، نحو : " يخرجن "، فإن كان همزة سكن أيضا نحو : " يقرأن ". وإن كان واوا أو ياء بقي على حاله نحو : " يدعون، ويغزون، ويعفون، ويرمين، ويسقين، " ولذلك قيل : يعفون هاهنا ؛ لأنها جزء الفعل، لا أنها ضمير الفاعل، وقد دخل بعض الأدباء على الخلفاء فقال له : ما تقول في قول الشاعر :
من كان مسرورا بموتة مالك*** فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه*** قد قمن قبل تبلج الأسحار
قد كن يخنئن الوجوه تسترا*** والآن حين يدون للنظار
فقال له : تقول : حين بدأن أو بدين ؟ فقال : لا أقول : " بدأن " ولا " بدين "، بل " بدون " يا أمير المؤمنين فاستحسن كلامه. ( الاستغناء : ٥٣٥-٥٣٦ )
١٧٨- أي : يعفو النساء عن النصف الذي وجب لهن فيسقط، وهذا متفق عليه بين العلماء. ثم قال : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح . المشار إليه هو الأب في ابنته والسيد في أمته(١) قال أبو حنيفة والشافعي ابن حنبل : هو الزوج(٢). واحتجوا على ذلك بوجهين : أحدهما : أنه قد روي(٣) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك صريحا.
وثانيهما : أن الأصل يقتضي عدم تسليط الولي على مال موليته.
والجواب عن الأول : أنه ضعيف(٤) لا تقوم به حجة، سلمنا صحته، لكن لا نسلم أنه تفسير للآية، بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق أن له أن يفعل ذلك.
وعن الثاني : أن قاعدة الولاية تقتضي تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه، وقد يكون العفو أحسن للمرأة لاطلاع الولي على الترغيب فيها لهذا الزوج أو غيره وأن ذلك يفضي إلى تحصيل أضعاف المعفو عنه، فيفعل ذلك لتحصيل المصلحة. فمنه من ذلك تفويت لمصلحة المرأة لا رفق بها. ثم الآية تدل لنا عن عشرة أوجه :
أحدها : إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. والمتقدم قبل هذا الاستثناء إثبات النصف، فعلى رأينا، تعفو المرأة، فيسقط، فتطرد القاعدة، وعلى رأيهم : يعفو الزوج، فيثبت مع هذا النصف الذي تشطر بالطلاق، فلا تطرد القاعدة بوقوع الإثبات بعد الإثبات.
وثانيها : أن الأصل في العطف ب " أو " التشريك في المعنى، فقوله تعالى : إلا أن يعفون معناه : الإسقاط، وقوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح على رأينا : الإسقاط، فيحصل التشريك، وعلى رأيهم الإثبات فيحصل التشريك فيكون قولنا أرجح.
وثالثها : أن المفهوم من قولنا : إلا أن يكون كذا وكذا تنويع بذلك الكائن إلى نوعين، والتنويع فرع الاشتراك في المعنى ولا مشترك بين النفي والإثبات، والإسقاط والإعطاء حتى يحسن تنويعه.
على رأينا المتنوع الإسقاط إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي، فكان قولنا أرجح.
ورابعها : أن العفو ظاهر في الإسقاط، وهو ما ذكرناه، وعلى رأيهم يكون التزام ما سقط بالطلاق والتزام ما لم يجب لا يسمى عفوا.
وخامسها : إن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل، فلو كان المراد الزوج لقيل : " إلا أن يعفون أو تعفو عما استحق لكم "، فلما عدل إلى الظاهر دل على أن المراد غير الزوج.
وسادسها : أن المفهوم من قولنا : " بيده كذا " أن يتصرف فيه، والزوج لا يتصرف في عقد النكاح، بل كان يتصرف بالوطء بالحل، والولي الآن هو المتصرف في العقد، فيتناوله اللفظ دون الزوج.
وسابعها : سلمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح، لكن باعتبار ما كان ومضى فهو مجاز، والولي بيده عقدة النكاح الآن فهو حقيقة، والحقيقة مقدمة على المجاز.
وثامنها : أن المراد بقوله : " إلا أن يعفون " الرشيدات إجماعا(٥)، إذ المحجور عليهن لا ينفذ الشرع تصرفهن، فالذي يحسن مقابلتهن بهن المحجورات على أيدي الأولياء. أما الأزواج فلا مناسبة فيهم للرشيدات.
وتاسعها : إن الخطاب كان مع الأزواج بقوله تعالى : وقد فرضتم لهن فريضة وهو خطاب مشافهة، فلو كان مرادين في قوله تعالى : الذي بيده عقدة النكاح لقال : " أن تعفو "، بلفظ تاء الخطاب. فلما قال : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو خطاب غيبة لزم تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة، وهو وإن كان جائزا لكنه خلاف الأصل.
وعاشرها : إن وجوب الصداق أو بعضه قبل المسيس خلاف الأصل لأن استحقاق تسلم العوض يقتضي بقاء المعوض قابلا للتسليم، أما مع تعذره فلا بشهادة البيع والإجارة كذلك إذا تعذر تسليم المبيع أو المنفعة لا يجب تسليم العوض في ذلك. فإسقاط الأولياء النصف على وفق الأصل، وتكميل الزوج على خلاف الأصل، ولذلك قال مالك في المدونة : " لا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق ". قال ابن القاسم : " إلا يوجه نظر من عسر الزوج أو غيره. ولا يلحق الوصي بالأب لقصور نظره عنه. وفي الجلاب : لا يجوز للأب العفو قبل الطلاق ولا بعد الدخول بخلاف الطلاق قبل الدخول. والفرق : أن استحقاقه قبل الدخول خلاف الأصل فسلط الأب عليه إذا رآه نظرا بخلاف الدخول لتعين الاستحقاق فغلب حق الزوجة.
فائدة : يروى أن بعض الأدباء دخل على بعض الخلفاء فأنشده هذه الأبيات :
من كان مسرورا بمصرع مالك*** فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه*** قد قمن قبل تبلج الأسحار
قد كن يخبأن الوجوه تسترا*** والآن حين بدون للنظار
فقال : كيف تقول : بدأن بالهمز أو بدين بالياء، فقال : يا أمير المؤمنين لا أقول بدين ولا بدأن بل بدون ". فقال له : أصبت...
وما ذكرت هذه البيات إلا لتعلقها بالآية لقوله تعالى في النساء : إلا أن يعفون بالواو، فضعفه بعض الفقهاء بقوله : " كيف يجيء ضمير المؤنث بالواو ؟ وليس كما خطر له، وليس الواو هنا ضميرا بل من نفس الفعل لأن من " عفا، يعفو " - بالواو-، وكذلك هي في الأبيات، هو من " بدا يبدو " - بالواو، وشأن ضمير المؤنث الذي هو النون يحقق آخر الفعل، فإن كان ياء بقي ياء، وإن كان واوا بقي واوا، وإن كان همزة بقي همزة. وأي حرف كان بقي على حاله. ( الفروق : ٣/١٣٨. ١٣٩. ١٤٠. والذخيرة : ٤/٣٧١-٣٧٢-٣٧٣ ).
١٧٩- إلا أن يعفون خاص بالرشيدات. ( تنقيح الفصول المطبوع مع الذخيرة : ١/٩٢. و ٤/٣٧٧. والعقد المنظوم : ٢/٤٦٣ )
١٨٠- أي : يعفو النساء الرشيدات عن النصف فيسقط، وهو متفق عليه. ( الذخيرة : ٤/٣٧١ )
١٨١- وإن طلق بعد الرضا قبل البناء فنصف ما رضيا به لقوله تعالى : فنصف ما فرضتم . ( نفسه : ٤/٣٨٦ )
١٨٢- فنصف ما فرضتم أي : لهن. ( الذخيرة : ٤/٣٧١ )
١٨٣- فرتب النصف على الطلاق، فيكون سببه أوجب النصف بالطلاق. ( نفسه : ٤/٣٧٩ )
١٨٤- إلا أن يعفون استثنى العفو وأضافه للضمير الراجع للنساء، ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من الرشيدات المالكات أمرهن دون المحجور عليهن، فهل يجب أن يقال : المحجور عليهن لجنون أو نحوها غير مرادات بلفظ النساء، وهو العموم(٦) السابق في أول الكلام، لأن القاعدة العربية : أن الضمير هو عين الظاهر، فإذا كان الضمير المراد به الرشيدات كان الظاهر كذلك، وإلا اختلف الظاهر والمضمر، وهو خلاف القاعدة الموجبة لاتحادهما في المعنى حتى يدل الدليل على خلافه. ( العقد المنظوم : ٢/٤٦٣ )
١٨٥- إلا أن يعفون هذه " النون " ضمير خاص بالرشيدات، وهو لا عموم فيه ولا خصوص، وإذا اعتبر مع ظاهره الموجب للعموم في الحكم المتقدم من الطلاق حصل العموم في الرشيدات باعتبار هذا الحكم الثاني الذي هو العفو، واعتبر ذلك في موارد النصوص تجده كثيرا. ( العقد المنظوم : ١/٣٩٠ ).

١ - قال مالك :"قوله تعالى :إلا أن يعفون فهن النساء اللاتي قد دخل بهن. أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته". ن : الموطأ : ٢/٥٢٨. كتاب الطلاق، باب ما جاء في الصداق- أو أحكام ابن العربي : ١/٢٢٢..
٢ - ن : بداية المجتهد : ٤/٢٤٥..
٣ - وهو قوله صلى الله عليه وسلم :"ولي عقدة النكاح الزوج" رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن لهيعة عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده. كما أخرجه أيضا ابن أبي حاتم بسنده إلى عيسى ابن عاصم. قال :"سمعت شريحا يقول : سألني علي ابن أبي طالب عن "الذي بيده عقدة النكاح" فقلت له : هو ولي المرأة، فقال علي : لا، بل هو الزوج. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وهو الجديد من قول الشافعي". واختاره ابن جرير. ن :"ترتيب الفروق واختصارها". لأبي عبد الله بن محمد بن إبراهيم الباقوري (ت : ٦٥٦ هج) تحقيق الأستاذ عمر ابن عباد : ٢/٥٢ هامشا..
٤ - ووجه ضعفه أنه منقطع غير متصل السند، كما ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال في حديث كون ولي عقدة النكاح هو "الزوج" وقد أسنده ابن جرير عن أبي لهيعة عن عمرو بن شعيب... الحديث ولم يقل عن أبيه عن جده. فالله أعلم : ١/٤٣٢. ن : ترتيب الفروق واختصارها : ٢/٥٣ هامشا..
٥ - أكد القرافي هذا التفسير في أغلب كتبه. ن : مثلا : الذخيرة : ٤/٣٧٧. وتنقيح الفصول المطبوع مع الذخيرة : ١/٩٢. وكتاب الاستغناء في الاستثناء : ٥٣٥..
٦ - يقصد لفظ :"النساء" في قوله تعالى :وإذا طلقتم النساء... الآية من سورة البقرة..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير