وبشر الذين آمنوا عطف على الجملة السابقة على ما جرت به العادة الإلهية من تشفيع الترهيب بالترغيب وبالعكس لا عطف الفعل نفسه حتى يطلب المشاكلة، أو على فاتقوا يعني فآمنوا فاتقوا الناس واستبشروا بالجنة، ولم يخاطبهم بالبشارة صريحا تفخيما لشأنهم بعد الإيمان والتقوى وإيذانا بأنهم أحقاء أن يبشروا ويهنئوا، والبشارة الخبر السار، وأما قوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ١ فعلى التهكم، وقيل : يستعمل في الخير والشر لكن في الخير أغلب.
وعملوا الصالحات وهي من الصفات الغالبة الجارية مجرى الأسماء والأعمال الصالحة ما حسنه الشرع، وتأنيث الصالحات على تأويل خصلة، قال البغوي قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص، وقال عثمان بن عفان وعملوا الصالحات أي أخلصو الأعمال عن الرياء، وفيه دليل على أن الأعمال خارج عن الإيمان وإشعار بأن السبب التام في استحقاق البشارة الجمع بين الوصفين.
أن لهم منصوب ينزع الخافض وإفضاء الفعل إليه أو مجرور بإضماره،
جنات جمع جنة بمعنى البستان سميت لاجتنانها بالأشجار.
تجري من تحتها أي تحت أشجارها ومساكنها.
الأنهار أي ماؤها على الإضمار أو المجاز أو أسند الجري إليها مجازا، وفي الحديث «أنهار الجنة تجري من غير أخدود » أخرجه ابن المبارك وابن جرير والبيهقي، واللام للجنس.
كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا صفة ثانية لجنات أو خبر مبتدأ محذوف أي فهم قالوا أو جملة مستأنفة تزيح حال أثمارها، وكلما منصوب على أنه ظرف لقالوا ورزقا مفعول به، ومن الأولى والثانية للابتداء أو الثانية للبيان وقعتا موقع الحال أي كل حين رزقوا أي أطعموا مرزوقا مبتدأ من الجنة مبتدأ من ثمره أو ذلك المرزوق ثمره فصاحب الحال الأولى رزقا وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا المستمر بتعاقب أفراده، أو كان المضاف في الخبر محذوفا أي هذا مثل الذي رزقنا فحذف المثل إشعارا على استحكام الشبه كأنه هو بعينه.
من قبل أي من قبل هذا يعني في الدنيا جعلت متشابهة بثمار الدنيا كيلا ينتفي الطباع عن غير المألوف، ويظهر المزية، وقيل في الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم والداعي لهم على تكرار هذا القول كلما رزقوا فرط تبهجهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة.
وأتوا به بالرزق.
متشابها وعلى الأول الضمير راجع إلى ما رزقوا في الدارين والجملة اعتراض يقرر الحسن وقتادة : متشابها يشبه بعضها بعضا في الجودة يعني ثمار الجنة كلها خيار لا رذالة فيها، روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون النفَس طعامهم جشاء ورشحهم المسك »٢ رواه مسلم، وللآية محمل آخر أن يكون المعنى هذا ثواب الذي رزقنا من قبل في الدنيا من المعارف والأعمال نظيره في الوعيد ذوقوا ما كنتم تعملون ٣ روى الترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وإن غراسها هذه يعني التسبيح والتحميد والتكبير »٤ قوله تعالى : وأتوا به بالرزق متشابها أي مماثلا لمعارفهم وطالما عاتهم في الشرف والمزية متفاوتا على حسب تفاوت أعمالهم، روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام }٥. وعن عبادة بن الصامت نحوه وفيه :«ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض » ذكره صاحب المصابيح في الصحاح ورواه الترمذي.
ولهم فيها أي في الجنان.
أزواج نساء من حور عين.
وقال الحسن : هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا.
مطهرة من الغائط والبول والحيض والبصاق والمخاط والمني وكل قذر ومن مساوئ الأخلاق فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأفعال والأخلاق، والمطهرة أبلغ من طاهرة ومتطهرة للإشعار بأن الله طهرهن، والزوج يقال للذكر والأنثى وفي الأصل يقال لما له قرين من جنسه كزوج الخف.
وهم فيها في الجنان.
خالدون دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، لما ذكر الله سبحانه نعماء الجنة أزال عنهم خوف الزوال فإنه منفض للنعمة، روى البغوي بسنده من طريق البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الإلوة وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء »٦ متفق عليه.
وعن سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها »٧ رواه الترمذي، وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا ومافيها »٨ رواه البخاري، وعن أسامة بن زيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا هل من مشمر للجنة وإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد. . . وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة مقام أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وصبرة ونعمه في محلة عالية بهيئة، قالوا نعم يا رسول الله صلى نحن المشمرون لها، قال : قولوا إن شاء الله » رواه البغوي، وروى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أهل الجنة جرد مرد كحلى لا يفنى شبابهم ولا يبلى ثيابهم »٩ وروى مسلم نحوه، وعن علي رضي الله عنه قال :«إن في الجنة لسوقا ليس فيها بيع ولا شرى إلا الصور من الرجال والنساء وإذا اشتهى الرجل صورة دخلها وإن في المجتمع حور العين ينادين بصوت لم يسمع الخلائق بمثلها نحن الخالدات فال نبيد أبدا، ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط فطوبى لمن كان لنا وكنا له أو نحن له »١٠ رواه البغوي وروى الترمذي نحوه عنه مرفوعا، وروى أحمد بن منيع عن أبي معاوية نحوه مرفوعا. وروى مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فتقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا »١١ قلت ولما كان مطمح نظر أهل الدنيا في النعماء منحصرا على المساكن والمطاعم والمناكح اقتصر الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم غالبا في الذكر عليها وفي الحقيقة نعماء أهل الجنة أجل وأعلى، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » واقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ١٢ متفق عليه، وعنه مرفوعا «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها »١٣ متفق عليه، وعن أبي سعيد مرفوعا «يقول الله أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده أبدا »١٤ متفق عليه، وروى مسلم في حديث طويل عن جابر بن عبد الله مرفوعا «فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة »١٥ وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ :( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة١٦ رواه الترمذي.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا٢٨٣٥.
٣ سورة العنكبوت، الآية: ٥٥.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات٣٤٦٢.
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنة٢٥٢٩.
٦ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما جاء في صفة الجنة فإنها مخلوقة٣٢٤٥، وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر٢٨٣٤.
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢٥٢٢.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الحور العين وصفتهن يحار فيها الطرف٢٧٩٦.
٩ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة٢٥٣٩.
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في كلام الحور العين٢٥٦٤ وما ينالون فيها من النعيم والجمال٢٨٣٣.
١١ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة يفهمها وأهلها وأهلها، باب: في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال٢٨٣٣.
١٢ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنا مخلوقة٣٢٤٤، وأخرجه مسلم في أوائل كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها ٢٨٢٤.
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة٣٢٥٠.
١٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار٦٥٦٨ وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة٢٨٢٩.
١٥ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى١٨١.
١٦ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى٢٥٥٣.
التفسير المظهري
المظهري