عملت فيه، فلذلك نصبت " أنْ " وجزمت " لَمْ " لأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم، وكذلك هي وما بعدها يخرجان من تأويل الاسم:
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (التِي وَقودُها النَّاسُ والحِجَارة).
عرفوا عذاب اللَّه عزَّ وجلَّ بأشد الأشياءِ التي يعرفونها لأنه لا شيء في
الدنيا أبلغ فيما يؤلم من النار، فقيل لهم إن عذاب اللَّه من أشد الأجناس التي
يعرفونها، إلا أنه من هذا الشديد الذي يعرفونه، ويقال إن الحجارة هنا
تفسيرها حجارة الكبريت وقوله (وَقودُها) الوقود هو الحطب، وكل ما أوقد
به فهو وقود، ويقال هذا وقودك، ويقال قد وقدت النار وقُوداً فالمصدر
مضمومٌ ويجوز فيه الفتح.
وقد روي وقدت النار وَقوداً وقبلت الشيء قَبُولًا.
فقد جاءَ في المصدر (فَعُول) والباب الضم.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)
ذكر ذلك للمؤمنين، وما أعد لهم جزاءً لتصديقهم، بعد أن ذكر لهم
جزاءَ الكافرين، وموضع (أنَّ) نصب معناه بشرهم بأن لهم جنات).
فلما سقطت الباءُ أفْضَى الفعل إلَى " أن " فَنُصِبَتْ. وقد قال بَعْض
النَحويينَ إنَهُ يَجُوز أنْ يكون موضعُ مثل هذا خفضاً وإن سقطت الباءُ من أن، و (جنات) في موضع نصب بأنَّ، إلا أن التاءَ تاءُ جماعة المؤَنث هي في
الخفض والنصب على صورة واحدة كما أن ياءَ الجَمْع في النصْب والخَفْضِ
على صورة واحدةٍ، تقول رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، ورأيت الهنداتِ، ورغبت في الهنْداتِ.
والجنة في لغة العرب البُسْتان، والجنات البساتين "، وهي التي وعد الله
بها المتقين وفيها ما تَشْتَهي الأنْفس وتَلَذ الأعين.
قوله عزَّ وجلَّ: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).
قال أهل اللغة: معنى " مُتَشَابِه " يشبه؛ بعضه بعضاً في الجَوْدَةِ.
والحُسْن، وقال أهل التفسير وبعض أهل اللغة " متشابها " يشبه بعضه بعضا
في الصورة ويختلف في الطعْم، ودَليل المُفَسرين قوله: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) لأن صورتَهُ الصورة الأولى، ولكن اختلافَ الطعوم على اتفاق الصورَةِ
أبلغُ وأعرف عند الخلق، لو رأيت تفاحاً فيه طعم كل الفاكهة لكان غايةً في
العجب والدلالة على الحكمة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ).
أي أنهن لا يحتجن إلى ما يحتاج إليه نساءُ أهل الدنيا من الأكْل
والشرْب ولا يَحِضْنَ، ولا يحتجن إلى ما يُتَطَهرُ مِنه، وهن على هذا طاهرات
طهَارَةَ الأخلاق والعفةِ، فمُطهرة تَجْمَعُ الطهارةَ كلها لأن مُطهًرة أبْلَغ في الكلام من طاهرة، ولأن مطهرة إنما يكون للكثير.
وإعْرَابُ (أَزْوَاجٌ) الرفع بـ (وَلَهُمْ)
وإنْ شئت بالابتداءِ، ويجوز في (أَزْوَاجٌ) أن يكون واحدتُهن زوجاً وزوجةً قال الله تبارك وتعالى (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)
وقال الشاعر:
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي